رحلة سرد أم سفر؟

بحر أزرق .. قمر أبيض

رحلة سرد أم سفر؟

تأخذنا ذاكرة الرحلات الأولى الى الاستكشافات الجغرافية لأماكن أخرى من عالمنا الفسيح كما قام بها الرحالة والمستكشفين الأجانب ومنهم ماركو بولو – جون بوت – كريستوفر كولومبس- فاسكودي غاما – فرديناند ماجلان..

وغيــــــرهم الكثير عرفوا بلدان ووضعوا لها أسماءها.. كتبوا عن رحلاتهم وطبيعة المكان وسجلوا ملاحظاتهم عن طبائع البشر وميزات البلدان والمدن.

وتوالت الرحلات ومنهم الرحالة العرب الذين ساحوا في بلاد وطنهم الكبير ومنهم ابن بطوطة والشريف الإدريسي وابن جبيرالاندلسي واحمد ابن فضلان البغدادي واحمد ابن ماجد النجدي وليون الأفريقي أو حسن الوزان أو الياس الموصلي وغيرهم ومن هؤلاء شدوا رحالهم الى دول أخرى ومنهم كتبوا انطباعاتهم الشخصية ومما شاهدوه وتعاملوا معه من البشر أو الأمكنة ومنهم ما كان وصفه حكياً عادياً ليوصف الأشياء ومنهم ما كان يسرد رحلته بما توصف بالأدبية أو أدب الرحلة ..

وما عرف عن أدب الرحلة تقول د. سهام جبار في موضوعها من أدب الرحلة العراقي الحديث / رحلة محمد شمسي إلى (أرض ساخنة):

..”يوصف أدب الرحلة بأنه ((ملتقى لتعدد الخطابات)) ، وفي هذا تقع إشكاليته النوعية من حيث تحقق أدبيته من مجموعة خطابات بعضها أدبي وبعضها خارج إطار الأدب، بحكم ارتباطه بالواقع، ومن ثم فللتاريخ وللجغرافية وللسيرة وللمغامرات كلها لها دخل في تشكيل نسيجه، إلى جانب الشعر والقصة والأمثال والمقتبسات النصية المختلفة، فإن ذهبنا إلى الأخذ بسمة النقاء الممكن لجنس من الأجناس فبالتأكيد لا يعدّ أدب الرحلة من الأجناس النقية.

“والكاتبة هدير حسن قالت عنه – أنه أدب المعرفة والإمتاع ،أدب استطاع رواده أن يختصروا المسافات ويتجاوزا الحواجز متخطين حدود المكان فأدب الرحلات هو سفينتنا الى بلاد وعادات وأحداث لاتتاح لنا دائما. فعرف العرب أدب الرحلات منذ قرون عديدة حيث كان في بدايته رحلات الى بلدان وأماكن لا يعرف العرب عنها شيئا وكانوا يتناولونها في صورة حكي قد يكون بعيدا عن الأدب “…

وتوالت كتابات الرحالة العرب في عصرنا بوصفها سرداً أدبياً كما تناولها الكتاب العرب ومنهم د. حسين فوزي والكاتب جمال الغيطاني ومحمد شمسي وحسن البحار الذي يهمنا هنا هو رواية حسن البحار (بحر ازرق ..قمر ابيض) حيث يقول الكاتب في إحد اللقاءات :

“بدأت الرحلة في آسيا (اندونيسيا) وتحركت في فضاء البحر، تنقلت من جزيرة إلى أخرى، ومن خليج إلى آخر، مروراً بسريلانكا، لتأتي بعد ذلك سنغافورة، وهنا تبدأ مرحلة الاستذكار عند مشاهدة أبهى صور حياة راهنت على الحب الطاهر.. هكذا تجولنا في سنغافورة لنعود مرة أخرى إلى الإبحار، ولكن هذه المرة صوب المحيط الهندي الذي كان غضوباً علينا، عندها أخذت الرحلة مأخذاً آخر حيث دخلنا إلى المكان العائم (السفينة والمخاطر التي تحيط بها في إبحار كان فوق متن محيط هائج)، حتى البحر العربي ثم الأحمر، هناك هدأت الرحلة بعد جهد شاق، وصولاً إلى قناة السويس، عبوراً إلى الأبيض المتوسط، فشاهدنا بلجيكا وإيطاليا وإسبانيا، والمضايق والقنوات، وتغير لون ومزاجيات البحار، لندخل بعد ذلك خليج البسكاي حتى انكلترا ومن ثم عدنا إلى البحر الأبيض المتوسط صوب مضيق البسفور عبوراً إلى أوربا الشرقية. “

إذ ماذا تبقى لنا لنقوله .. اعتقد تبقى هذا الكم من السرد الروائي بعد إن أضاف الثيمة على أحداث رحلة استمرت عشرين عاما كان البحار فيها مبحرا بسفنه عبر أشرعتها ليحط في رحاب المدن ويؤسس حياة داخل حياتها من خلال وضع لمساته الذاتية ومن خصب خياله وكانت آخر مشاريع المنجزة (بحر ازرق ..قمر ابيض) التي كانت سرد أدبي روائي في ثيم رحلة من رحلاته لينجز عمل أدبي أبداعي .. ليكون جنس روائي داخل حدث رحلة بين مدن شرقية – غربية فلم يكون منجزه كتاب رحلي فقط أو رواية متاحة بمعيارية السرد الروائي فهو مزج هــــــذا لتكــــــون رواية عراقية جديــــدة من خلال تعدد خطاباتها ففيها القص الحكائي وفيها المضمون الرحلي الذي جاء بصيغة الحكي الرحلي – السفر – وكان الخطاب الموحد خطاب نقي بما تتماها به ثيمة الرواية ..

كريم جبار الناصري – بغداد