دفعة تونس

كامل عبد الرحيم

السفر ثقافة مثلما أن الثقافة سفر، سفر من الذات لخارجها و لمجاهيلها، وهذا ينطبق على الناس العاديين فكيف الأمر مع مثقفين موفدين في بعثة ثقافية لحدث ثقافي في بلد آخر لا يسهل على العراقيين العاديين السفر إليه لاعتبارات معروفة فكم بالأحرى على هؤلاء أن ينقلوا إلينا ما لا نعرفه عن هذا البلد وهو مالم يحصل أبدا ، فيما قرأناه أو بالأصح ما شاهدناه فلم يصلنا غير قفشات وأخوانيات ومجاملات ومقالب و( لا يابه فلان ولا يابه علان ) . بالطبع لا شأن لي بطبيعة الوفد الذي صاحبته ملابسات واعتراضات على حذف اسم شاعر صديق من الوفد رغم وجوده في القائمة التونسية وكذلك اعتراض شاعر آخر كونه أكثر استحقاقا لتمثيل الشعرية العراقية من غيره من دفعة تونس وبطبيعة الحال الأمر لا يعنيني فلم أكن ولن أكون يوما عضوا بوفد رسمي أما لتواضع حالي أو لأني لا أمثل غير نفسي أبدا .
وتصرف دفعة تونس قد يبدو مستساغا فقط من زاوية نظر ، أقصد نظرهم كون دفعتهم هي هبة أخوانية من أحد رعاة الثقافة العراقية فلا تثريب عليهم إذا تمازحوا وتقافشوا وتكافشوا مادام الأمر على ذاك الحال .
قبل أسابيع سافر الصديق خالد جواد شبيل إلى تونس وخالد عراقي مغترب وطني يساري مستقل تمتد أصوله إلى النجف والصويرة وبغداد وبالتالي لدجلة والفرات ، سافر خالد إلى تونس على نفقته بالطبع وكتب أكثر من حلقة بعنوان( تونس أيا خضرا ) وفيها يتجلى أدب الرحلات بلغة عربية جميلة وسليمة وقبلها كان خالد مسافرا إلى تايوان وتايلند وفيتنام وكم كان خالد مفيدا لي وللثقافة العراقية بتقديم صورة وافية عن تلك الشعوب البعيدة وهذه نصيحة للأصدقاء بمتابعة صفحة خالد .
عام 2019 وكنت بالكاد أتماثل بالشفاء من مرضي العضال قمت بسفرة مع زوجتي إلى لبنان وأنا عموما قليل الأسفار فكتبت سلسلة عن لبنان بعنوان (فتوش) وفيها أيضا شيء من أدب الرحلات وفيها حتى ماهو غير متعارف على اللبنانيين أنفسهم ، أقصد فتوش ميخائيل نعيمة التي سأرفقها مع هذه الوصلة على أن أدرج في خانات التعليفات بقية حلقات فتوش .

فتّوش 5 …..البحث عن ميخائيل نعيمة

منذ اليوم الأول لوصولي بيروت ، سألتُ عن متحف أو بيت ميخائيل نعيمة دون جدوى ، فلا أحد يعرف مسقط رأسه أو أين عاش أيامه الأخيرة ، بل حتى أن الكثيرين لا يعرفونه أصلاً ، والجميع يجيبني عن متحف جبران خليل جبران في (بْشِرّي) ، وأخيراً وجدت ضالتي عند شيخ جليل ، صاحب مكتبة اشتريت منه جريدة (النهار) ، فقال لي ، لا يوجد بيت أو متحف لنعيمة ، كلما في الأمر هناك قبره ، قرب آخر مكان اعتكف فيه سنواته الأخيرة ، والمكان منعزل والطريق إليه متعرج ، ثم قمنا ، أنا وزوجتي ، باكتراء سيارة أجرة ، سائقها لا يعرف حتى لفظ اسم ميخائيل نعيمة وصعدنا المتن باتجاه بلدة (بسكنتا) وبالذات إلى قرية الشخروب ، حيث قضي نعيمة سنواته الأخيرة ، بل ردحاً مهماً من حياته الطويلة والحافلة ، وحتى أهل البلدات المحيطة لم يكونوا عوناً أو يمتلكوا جواباً شافياً ، وبعد طريق متعرج وضيق لمحت علامة تشير إلى (ميخائيل نعيمة) ، فترجلنا سيراً على الأقدام بطريق جبلي محاط بأشجار اللوز والكرز والتفاح والصنوبر ، لنصل إلى نصب نصفي ضخم محفور في الجبل لميخائيل نعيمة ، وفي الأسفل قبره ، الذي جُعلت شاهدة قبره على هيئة كتاب مفتوح ، مكتوب عليها كلمات لنعيمة :
طفلك
أنا يا ربي
وهذه الأرض
البديعة الكريمة الحنون
التي وضعْتني في حضنها
ليست سوى المهد أدرج
منه إليك


وقادني الإهمال المتعمد لميخائيل نعيمة والاهتمام الكبير بجبران ، إلى حياتهما وصداقتهما وخلافهما وأثر كل منهما وأهميته ، ولد جبران عام 1883 وتوفي عام 1931 ، مبكراً ، فيما ولد نعيمة عام 1889 وتوفي عام 1988 ، أي أنه عاش قرناً كاملاً ، ولم يحصل جبران على دراسة أكاديمية معقولة ، فيما درس نعيمة في لبنان وفلسطين وروسيا (أوكرانيا) قبل ثورة أوكتوبر ، ومن ثم في أمريكا ، ليعود إلى لبنان ، وقد حظي جبران بشهرة واسعة وسمعة تكاد أن تكون بمستوى كتابه (النبي) ، لكن نعيمة وفي كتابه (جبران خليل جبران) ، يُظهره فاسقاً وقليل الأهمية ومحدود الموهبة وسكيراً وانتهازياً ، وقد كُتب الكثير عن الخلاف بين نعيمة وجبران ، وهو يستحق موضوعاً مستقلاً .

للعلم أن الصورة المرفقة هي من لقائي أنطون سعادة مؤسس الحزب القومي السوري والمشنوق عام 1949 ظهور الشوير .