حين يصبح جحا حاكماً ؟

يعتقد الكثير أن الشخصية الهزلية الفكاهية التي اطلق عليها تسمية (جحا) هي تعود الى رجل واحد ظهر قديماً في زمن محدد ومكان معين، وهذا الاعتقاد كما أكد المؤرخون اعتقاد خاطئ، فتسمية (جحا) أطلقت على العديد من الاشخاص الذين كانت لهم اسماء مختلفة خاصة بـهم وظهور متباعد في الزمان  والمكان، والسبب في اطلاق تسمية (جحا) على هؤلاء الاشخاص هو الصفات المشتركة التي اجتمعت في كل واحد منهم وميزتهم عن أقرانهم، مثل قلة المعرفة ومحدودية التفكير وغياب الادارك وسذاجة الطرح وبلادة الاحساس وسوء التدبير وانعدام البصيرة والتصرف كيفما اتفق خلاف منطق عصرهم وثقافة وعادات مجتمعاتهم، الأمر الذي جعل الناس جيلاً بعد جيل يسخرون منهم ويتنذرون على تصرفاتهم.

            يحكى عن نوادر (جحا) أن سخرية الاقدار وعلى غفلة من الزمن جعلت أحدهم بالصدفة حاكماً على أحد الولايات، وحال استلامه لمهامه كحاكم أقصى جميع أهل الخبرة والكفاءة والدراية في ادارة شؤؤون الولاية وسرح كل افراد العسس المهنيين (الشرطة)، وكلف الرعاع والصعاليك من أهل ثقته بمهامهم وأمر عليهم الجهلة من معارفه ومقربيه واتخذ من زوجته وحماره مستشارين له، لان جناب الحاكم (جحا) لا يثق بأحد وهاجس المؤامرة والانقلاب لديه عالي جداً، والحفاظ على منصبه أهم عنده من أمن وخدمة أهل الولاية.

            وفي أحد الأيام جائوا الى (جحا) بمجرم محكموم بالاعدام وقالوا له، يا دولة الحاكم أن هذا المجرم طويل القامة وكلما حاولنا شنقه تطأ قدماه الارض وبالتالي لا يمكننا اعدامه، فأطرق (جحا) رأسه وراح يفكر بحل لهذه المعضلة ثم شكل لجنة برئاسته وعضوية مستشاريه وكبار قياداته الأمنية، وبعد طول نقاش وتمحيص خرجت اللجنة بقرار يقضي باطلاق سراح المجرم طويل القامة وشنق بدلاً عنه أول قصير قامة تجده الأجهزة الأمنية ماراً في الطريق.

قد لا  يصدق أحد أن مثل هكذا عقليات متحجرة ومستويات تفكير ضحلة، ومعايير منحطة تجتمع لدى البعض من البشر، وربما يعتقد أن ما روي عن (جحا) مبالغ فيه ومن نسج الخيال لغرض المزح والطرافة، ولكن من يعيش في عراق ما بعد عام الفان وثلاثة ويكون بؤسه وحرمانه واحباطه بحجم ما يعانيه المواطن العراقي يومياً ويرى ما يحدث من تخبط وسوء أداء وتردي أوضاع على أيدي مافيات فساد مستشرعة ومليشيات دكاكين متنفذة وحكام صدفة تباع نفعيين عديمي خبرة وكفاءة لا وزن لهم ولا معايير لديهم ولا قياس عليهم في قضاء السياسة وعالم نظرائهم من قادة ومسؤولين في العالم، سيجد أن هذه العقليات والمعايير ومستويات التفكير مازالت موجودة فعلا لدى بعض البشر، فكما ظهر (الجحاة) قديماً فأن ظهورهم من جديد بعصرنا هذا أمراً وارد، وحدوته في العراق بات حقيقة وواقع ملموس عليه ما لا يعد ولا يحصى من الأدلة والشواهد.

سمعنا الكثير عن الاحتفاظ بالمناصب الرفيعة لمدى الحياة، وعن توريثها وعن حصرها في نطاق العائلة والعشيرة، ولكن لم يسمع أحد أبداً عن سابقة الاحتفاظ بالمنصب حتى بعد الوفاة أو الموت أكليكيا، بينما في العر اق تحتفظ عائلة رئيس الجمهورية بمنصبه  وهو أما متوفى أو ميت سريرياً، وهذه سابقة لم يتخذها ويوافق عليها ويسكت عنها سوى من كان على شاكله (جحا).

تغلق الشوارع والازقة ويكثر من حواجز ونقاط التفتيش وتفتعل الزحامات المرورية وتقطع أرزاق الكسبة وتتضرر مصالح ذوي المعن ويتأخر دوام دوائر الدولة وتعطل دراسة الطلبة وتقيد حركة المريض وذوي الحاجة وكل هذا لغرض البحث والتفتيش عن اسلحة ومتفجرات باجهزة كشف بعلم مصنيعها ومورديها وقادة مستخديمها والمواطنين المستخدمة عليهم والارهابين المقصودين بها، بأنها أجهزة كشف عقيمة فاشلة وهي أشبه ما تكون بلعبة أطفال، وهنا نتساءل أليست العقلية التي تعطل عجلة الحياة وترهق المواطن لكي تستخدم هذه الاجهزة الفاشلة هي عقلية (جحا).

يبالغ بمداهمة المنازل الآمنة يويماً في ساعات الفجر الأولى ويهان ويعتقل اصحابها وفق مادة (مسمار جحا) الاربعة أرهاب، ويرهب سكانها شيوخ ونساء واطفال هذا أن لم يعتقلوا بجريرة غيرهم، ويحطم أثاثها وتنهب نفائسها وتسرق مدخراتها، وذلك أما لتشابه اسماء أو لوشاية كيدية من مخبر سري مغرض أو مزعوم، ويجري هذا تباعاً بحق المواطنين الابرياء في الوقت الذي تنظم فيه كل شهر بعلم وتواطئ ضباط وقادة أمنيين عمليات تهريب جماعية لعتات المجرمين وامراء الارهابيين من أشد سجون العراق حراسة وتحصيناً من دون محاسبة مقصر أو معاقبة متواطئ، بل على العكس تمنح رتب دون استحقاق وصلاحيات مطلقة وامتيازات بلا حدود… أليست هذه معايير (جحا).

حرمت الخدمات ومفردات البطاقة التموينية وجميع متطلبات الحياة الحرة الكريمة على الشعب العراقي، ومنعت عنه فرص العمل وكل عوامل الانتاج الوطني، ورفع الدعم عن المحروقات والسلع الاساسية التي تسد رمقه وتلبي حاجاته الضرورية، حتى بات نصفه مهاجر ومهجر يعيش في العشوائيات واكواخ الطين والصفيح وفي مباني الدولة المهملة ويعتاش على الصدقات والتسول والنفايات ويضطر أحيانا اللجوء الى الرذيلة والجريمة، وهناك مئات الآلاف من المشاريع التنموية التي استوفى حكام الصدفة عمولاتهم من عقودها متلكئة ولم تنجز، ومع ذلك قام حكام الصدفة النشامى بالتبرع الى جمهورية الصومال ببناء مستئفى للامراض العقلية والى جيبوتي ببناء مطار والى جزر القمر ببناء مَعلَم آخر، وذلك نيابة عن جمهورية إيران الاسلامية التي تواجه عقوبات دولية، … أليس هذا هو نمط تفكير (جحا).

دولة جارة تقطع عن العراق أكثر من أربعين رافد مائي بـهدف تصحير أراضيه وتهجير مزارعيه والاستيلاء على منابعه النفطية، ومع ذلك حكام الصدفة لا يتعاملون مع هذه الجارة الاسلامية على أساس مبدء المعاملة بالمثل، وانما جعلوا من العراق سوق وحيدة لأردأ منتوجاتها…، أليس هذه تصرفات (جحا).

عامر الوادي – بغداد