حل الأزمة السورية .. كما يراه نبيل العربي ـ خالد عمر بن ققه
في إطار الذكرى العشرين لتأسيسه، وضمن مسعاه الجاد لإثراء حوار محلي وعربي ودولي حول مجمع القضايا في العالم المعاصر، وإنطلاقا من ترسيخه لحوار حضاري جاد تحكمه ضوابط لحرية المسؤولة، ظهر جليا في تراثه المعرفي المتجاوز للحدود خلال القدين الماضيين برؤية استراتجية أثببت جدواها العملية على الصعيدين الداخلي والخارجي، نظّم مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في أبوظبييوم الأربعاء الماضي الموافق26 فبراير ـــ محاضرة للأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور نبيل العربي، حملت عنوان مستقبل العمل العربي المشترك .
في محاضرته نلك نظر الدكتور نبيل العربي إلى العمل العربي المشترك من زاوية موقعنا في النظام الدولي المعاصر، حيث اختصره في ثلاث سمات أساسية أولها نظام الأمن الجماعي، وثانيها الفجوة بين القانون الدولي وتطبيقه، وثالثها ضعف تجمعات العالم الثالث.
وكعادة معظم المسؤولين العرب رأى الدكتور نبيل العربي أن مجلس الأمن عاجز عن القيام بمسؤولياته، والسبب يتمثل في سوء استخدام حق النقض من قبل الدول الكبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن، ما أدى إلى فشل ذريع لنظام الأمن الجماعي، واستمرار مبدأ العدالة الانتقائية السائد في التعامل مع القضايا الدولية، وهو ما تجلى في تعامل المجتمع الدولي مع القضية الفلسطينية، ويتجلى حالياً في التعامل مع المأساة السورية.
النزاع.. الحل والإدارة
وفيما يتعلق بالتحديات الأساسية التي تواجه العالم العربي حالياً، رأى الدكتور نبيل العربي أن أهم تلك التحديات وأخطرها هي القضية الفلسطينية التي تبقى دائماً القضية العربية المحورية من حيث تأثيرها، وأن استمرار الاحتلال الإسرائيلي له تداعيات متعددة استراتيجية وسياسية وأخلاقية تطول مصالح الجميع وتتحدى سلطة القانون الدولي، وأن كل الشعوب نالت استقلالها ما عدا الشعب الفلسطيني ، لذا من الضروري الضغط على المجتمع الدولي للعمل على إيجاد حل للنزاع وليس إدارة النزاع فقط كما يجري حالياً.
وأشار العربي أيضا إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تطلب وقتاً إضافياً وترغب في أن تتقدم بإطار قبل الوصول إلى اتفاق سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، هذا الإطار لم يطلع عليه أحد.
والتحدي الآخر الذي يواجهه العالم العربي حالياً، كما يرى الدكتور نبيل العربي، هو القضية السورية، والنظر لهذه القضية يجب أن يكون من أربع زوايا أولها أن أي حل للقضية يجب أن يكون سياسياً وليس عسكرياً، وثانيها ضرورة صدور قرار من مجلس الأمن بوقف القتال في سوريا بأسرع وقت ممكن، وثالثها ضرورة رفع المعاناة عن أكثر من 6 ملايين نازح داخل سوريا بأسرع ما يمكن، ورابعها ضرورة التفكير في كيفية إعادة إعمار سوريا بعد كل هذا الخراب الذي أصابها.
دويلات عربية مجهرية
وإذا كنا لا ننكر تأثير وأهمية القضية الفلسطينية على العمل العربي المشترك، فإنها لا تعد أولوية في الوقت الراهن من وجهة نظري، بل إنها تراجعت لجهة عدم الاهتمام بها لدرحة لم تشهدها منذ احتلال فلسطين وقيام الكيان الإسرائيلي الغاصب، لأن هناك قضية أخرى أهم تتمثل في بقاء الدولة القطرية موحدة، غير خاضعة للتقسيم ولا للحرب الأهلية القائمة على أساس عرقي أو طائفي أو مذهبي، غلى غرار ما يحدث في العراق وفي السودان وفي اليمن وليبيا، وهو أيضا ما يحدث في سوريا على نطاق واسع. واقع الأمر إن الدولة القطرية العربية ـــ التي لم يكن وجودها كافيا ولا مرضيا لنا حين كانت آمالنا متعلقة بمصير أمة عربية واحدة ـــ هي اليوم في خطر، وقد ينتهي بها الأمر إلى دويلات ميكروسكوبية ـــ مجهرية ــ متنافرة بل ومتقاتلة، وهي اليوم واحدة من أربعة، إما دول منسية في حروبها الأهلية مثل الصومال, وإلى حد ما العراق، وكذا ستكون حال سوريا خاصة بعد أزمة أوكرانيا.
وإما دول قسمت بالفعل، على غرار السودان واليمن في أقاليمها الستة المنتظرة ولييبا في أقاليمها الثلاثة المننتظرة، وإما دول يتحكم في مصيرها الجيش باعتباره المؤسسة المحافظة على الوحدة الوطنية, والمواجهة للتقسيم والسيطرة الخارجية، وقد يكون ذلك لفترة محدودة, وهو ما يظهر واضحا في التجربتين الجزائرية والمصرية.
وهناك حالة رابعة سيبقى مصيرها مرهونا بالتطورات المقبلة في الدول العربية الأخرى، لكنها لن تتحرك ضمن الإقليم او الرؤية الاستراتجية الجماعية وإنما ضمن حسابات الدولة القطرية الضعيقة من جهة، وغير القادرة على المساهمة في أيّ مشروع عربي مرتقب، لأنه لا وجود لهذا المشروع إلا في أرشيف قرارات الجامعة العربية، وهذه تشمل كلا من موريتانيا، والمغرب، والأردن، ودول مجلس التعاون الخليجي الست، وإذا استثنينا مورتانيا فسنجد الدول الثماني الأخرى متطابقة أو قريبة أو متشابهة في أنظمة الحكم. وفي الوضع العربي الراهن تبقى دولتان هما تونس ولبنان ، خارج التصنيف سابق الذكر، فالأولى، أي تونس، أقرب إلى الإستقرار من كل الدول العربية الأخرى، التي قامت فيها ثورات شعبية خلال السنوات الماضية، والثانية، أي لبنان، لا يمكن أن تنجرف إلى حرب أهلية أخرى بعد تجربتها المريرة ألتي انتهت بها إلى اتفاق الطائف.
زوايا الحل
تلك إذن هي المشاهد الراهنة لدولنا العربية، فكيف للدكتور نبيل العربي، وهو للأمانة قد تكلم في المحاضرة برؤية نقدية مُدركة لخطورة الوضع العربي العام، أن يذهب بنا بعيدا.. إلى هناك حيث مجلس الأمن واستعمال حق الفيتو؟، ثم ألسيت الجامعة العربية هي من شرّع تدخل الناتو في ليبيا، وهي أيضا التي دوّلت الأزمة السورية برفضها تقارير بعثة المراقبين العرب التي أرسلتها بقيادة الفريق محمد أحمد مصطفى الدابي، حين جاءت نتائجها مخالفة لما تسعى إليه بعض الدول الفاعلة داخل الجامعة العربية، وذات الصلة بالقوى الدولية؟. إن الزوايا الأربع، التي طرحها نبيل العري لحل الأزمة السورية، والمتمثلة, في الحل السياسي، ووقف القتال بقرار من مجلس الأمن، ورفع المعاناة عن أكثر من 6 ملايين نازح يمكن، والتفكير في كيفية إعادة الإعمار ، تعد شبه مستحيلة في الوقت الراهن، لأن الدول التي تساهم في إشعال الحرب في سوريا تراهن على العمل العسكري من الجماعات الإرهابية، وهذا يعني أن الحل من وجهة نظرها عسكري بالأساس، ويبدو أن النظام السوري يسير على الدرب نفسه، وقد يعود ذلك إلى عدم جدية الأطراف الدولية ولا حتى المعارضة المسلحة في البحث عم حل سياسي.
لقد ذهبت الدولة في سوريا، وبقي نظام الحكم وأيضا الجماعات الإرهابية المقاتلة من أجل الوصول إلى السلطة، والواقع على الأرض يكشف كل يوم عن مزيد من التدهور، حتى فقدت الحياة والوجود الإنسانيين معناهما، وكشفت اجتماعات جنيف ـ 2 خلال لقائين بين السلطة والمعارضة عن الهوة الفسيحة بينهما وعن سوء النوايا واختلاف الأهداف، لذا من الطبيعي أن يزيد عدد النازحين, ويدمر كل شئ في المدن والقرى السورية، برعاية كاملة من أولئك الذين يدعون إلى حل الأزمة السورية، الأمر الذي لم يعد ينفع معه خطاب رسمي عربي محكوم بنصوص ميثاق يعود إلى أكثر من ستين عاما، يرى الأمين العام للجامعة العربية ضرورة تغييره حتى نواكب العصر.
كاتب وصحفي جزائري
AZP07

















