بطل مفرد في صيغة جمع .. كوميديا العالم السفلي تعلن عن أسرارها
سامية البحري
توطئة : ” إذا أردت أن تجني من الوجود أسمى ما فيه فعش في خطر ” ( نيتشه )
الأبعاد الدرامية في “كوميديا العالم السفلي”
مدخل:
منذ أن وقعت على “كوميديا العالم السفلي”طلقت العالمين “الواقعي” و”الافتراضي”، وشددت الرّحال، والرّاحلة، حتى كأنني على ” عوجاء، مرقال” أروح وأغتدي، بين أحداث تتهاطل عليّ، في حجم الجبال، تقيّدني كما الأسير، فتسجنني داخلها، وكنت أصغي لأصوات تنبعث من رحم الصّمت، أنيسي في وحدتي، قرطاسي وقلمي، كنت ألتهم السطو ربحرقة الجائع، أتابع ” كوميديا” ساخرة، عميقة، عمق الموت، فتمرّ أمامي تفاصيل “العالم السّفلي” في صورة شوهاء، قبيحة، مثقلة بأوجاع الكادح، والمهمش، والمقهور،..فأكون كالذي يتمزّق بين لحظتين، في أقصى العذاب، عذاب الواقع، وكمال النّعيم، نعيم القصّ الجميل، والصّورة السّاحرة، ويتردّد على مسمعي رنين الكلمات: واحسرتاه على العراق، ليس لي إلا الدّموع، فيمزّقني الذّهول:”إنّي لأعجب، كيف تزدحم تلك المدن الفردوسية، بالخيانةi؟
1- قراءة في العنوان :
“كوميديا” أو “الملهاة” : هو نوع من أنواع التمثيل أو هي عمل أدبي، تهدف طريقة عرضه إلى أحداث الشعور بالبهجة أو السعادة، وهناك أنماط عدة من الكوميديا مثل الدراما الهجائية”satire” التي تهاجم الأفكار والعادات والأخلاقيات والمؤسسات الاجتماعية، وسيلتها السخرية أو التهكم ” sarcasm” وهناك الهزل”farce”…وهناك أيضا الكوميديا السوداء أو القاتمة .
العالم السفلي: مركب يشي بمقابلة ضمنية بين عالمين “السفلي” والعلوي” أو “السماء” والأرض” لكن الكاتب أعلن أنه يهتم بالعالم السفلي ليقول أن الماساة الحقيقية تحدث هنا ، حيث الأرض ، هذا الفضاء الرحب الذي يحتضن كلّ المتناقضات، وعندما نحفر في هذا الفضاء نعثر على الجحيم الحقيقي، فقد ساد الاعتقاد في معظم الأديان والميثولوجيات أن الجحيم هي منطقة عميقة تحت الأرض .
ويشيرالعالم السفلي بوجه عام إلى المكان الذي تتوجه إليه أرواح من غادروا الحياة لذلك فهو بمثابة مملكة الموتى.
وانطلاقا من الاستقراء الذي قمنا به لهذه المجموعة القصصية يمكننا الجزم أنها كوميديا سوداء تحدث فوق الأرض، لتكشف عمق مأساة الإنسان منذ الولادة حتى الموت .
إن “كوميديا العالم السفلي” هي رحلة واقعية، مدهشة، في صميم الوجود، تكشف عن صورة قاتمة للجحيم الدنيوي، لا جنة فيها ولا جنان، بطلها مفرد في صيغة الجمع، وهي رحلة في أغوار الشخصيات، تعري نماذج مذهلة من عالم الإنسان.
هذه المجموعة القصصية، تجربة وجودية تدهشنا بما تقص كأنها ميثولوجيا العصر الحديث، ترصد فيها كلّ النماذج، وترى فيها أوجاعك، وتصغي من خلالها إلى أنين البطون الجائعة، وتتلمس دموع الأم الثكلى و تشعر بخفقة الموت
عالمها من المعهود، بعيد عن الخارق والأعاجيب، ترسم بأسلوب شيق، يوغل في فن التصوير، تتطلب منّا الغوص للحفر في المعاني، تكتم أكثر مما تعلن، تستند إلى شعارات فلسفية تحاور العقل، فتخترق لحظة السكينة، فنلج زمن الحلم فيولد السؤال: هل الحلم خرافة ؟ وترد الروح : لابد أن نحرر أنفسنا من الوهم.
تشتعل نار الفتنة بين المفاهيم، ويشتد الوجع: الواقع./ الوهم/ الحلم/الخرافة/الولادة /الموت/ الإنسان/ الحيوان /الوطن /السجن/الحرية /العبودية/العتمة/النور..
وننتهي إلى سؤال حارق: لماذا تحترف تلك المدن الخيانة؟
2- قراءة في المتن:
البنية الثلاثية:
تقوم هذه المجموعة القصصية على بنية ثلاثية
أ- الصّرخة الأولى :لحظة الولادة: لحظة الانبعاث:
عالم العتمة، والوحدة، والدفء، والغوص، والغموض، حيث يحلّق المخلوق في فضاء من “سائل لزج” يتأرجح في نشوة، يمتلك كلّ الفضاء، تحيطه الأنغام، وقطرات الندى، وتملأ رئتيه الصّغيرتين رائحة التفاح، وما حضور “التفاح” إلا رمزاً ضارباً في العمق. تلك التفاحة التي شغفت بها أمنا حواء، فكانت رمزاً للخطيئة الكبرى، والأبدية. وتلك هي اللّذة تستهوي كلّ إنسان، وتتسرّب عدواها إلى الحضارات.
ذاك هو الإنسان الحالم في البدايات، قبل أن تعبث به يد التوحّش، وقبل أن تفسده الحضارة، ويشوّهه المجتمع، إنّه الإنسان كما شاء له أن يكون عند عملية الخلق، يعوم في “الماء” عارياً لا تشوبه شائبة، أنقى من الطّهر، يأبى أن يغادر مملكته ويحاول عبثا أن يهرب إلى أن تقبض عليه “اليدان” فيطلق صرخة في المدى، تلك الصّرخة ترسم موقفا من الوجود، وتعلن عن بداية الرّحلة المؤلمة.
ب- وجع السّنين. رحلة الوجود:
تمتدّ من “كوميديا العالم السفلي” إلى “نصف وطن”.
يتجلى “الغراب” الرمز، والطريف أن الكاتب ينعته ب”الأسود”، وبتقدم السرد نكتشف “الغراب الأبيض ” من هنا تتجلى الرمزية بامتياز، و عن “العوالم الغريبة والمكتنزة بالأسرار” فتتزاحم الدّوال وتتعدد المدلولات.
وتنتشر رائحة الموت في المكان، ويتحد الواقع مع الفن في عرض لوحات بمختلف التشكيلات ” تتدفق أسى” ينتشر منّها الألم وتتوحد مع عالم أسطوريi رهيب، أنصاف ألهة ، وأنصاف بشر، فتحل اللعنة، ويكون العقاب الأبدي.
وتخرج علينا إمرأة “شنكال” بنكهة متفردة، كنسيم الصباح، علّقت من ضفائرها، فتنتصب رمزاً موجعا للمرأة العربية، في بؤسها، وقدعبثت بها الأيادي، ثم زفتها إلى الموت، فأرقدها بلا ذنب، ولا خطيئة.
ويخترق صوت الرّصاص المكان، ويتشح الفضاء بلون الدم، إنّه الجحيم بكل تفاصيله، يفوق جحيم “دانتي” إنّها “كوميديا العالم السفلي” أشد من “الكوميديا الإلهية” تمزّق “سفر العبودية” وتعري أدوات القهر والاغتصاب والاستبداد، وهو ما يدفعنا إلى الجزم أن الجحيم الحقيقي يقع على الأرض.
“وجع السنين” رحلة تتشكل داخلها كل الأبعاد الدرامية، لهذه المجموعة القصصية، فنكتشف أحلام الفقراء والضعفاء، ونلمح الحالمين يحلّقون حول فجر أمنية، ونرصد خطوات الراقصين على فزع، ونسمع نهيق الحمار ونباح الكلاب .
ونستمرّ الرحلة بحثا عن بقايا وطن، ويتجلى اليقين في أبشع صوره ( أيّ وطن ؟ لم يمنحنا لحظة دفء… أيّ وطن مترع بالحروب والمجاعات والأنين) وهو ما يدفعنا للبحث عن مفهوم جديد “للوطن”.
ومن وجع اللحظة يخرج بدر شاكر السياب مرد ّداً:
أصيح بالخليج: يا خليج
يا واهب اللؤلؤ، والمحار، والرّدى
فيرجع الصّدى
………………
وفي العراق ألف أفعى تشرب الرّحيق
من زهرة يربّها الفرات بالنّدى
وأسمع الصّدى
يرنّ في الخليج
ج- لحظة البعث: الموت:أخر المحطات:
هي رحلة لابد لها من نهاية، إنّه الموت ، لحظة يتّشح القلب بالشوق والحنين لتلك النهاية، حيث ينتشر الصّمت، وتتهاوى الذكريات.
فلسفة الموت، لحظة الخلاص من وجع السّنين أم بداية الألم والأنين.؟
نهاية الرحلة أم بداية الرحلة؟
تلك اللحظة يترك الإنسان كلّ شيء، وراءه، بحلوه ومرّه، ويكتظّ المكان بالصّراخ.
على العموم هي لحظة كتابة السطر الأخير في صفحات العمر فـ”كان الموت صحوا” أو هكذا تراءى للبطل في أقصوصة “آخر المحطات”
ينهال عليّ السؤال من جديد، يعبث بأوصالي ، في حدّة السكين: متى يأتي القطار؟
وتهمس النّفس: ليت القطار لا يأتي أبداً.
وأغادر وحيدة، ومعي لسان يردّد أغنية قديمة:
نحن لا نجيد الغرق
نحن نجيد شيئا واحدا فقط
ندور في مدار الحب
دونما خوف
دونما طوق
ستزهر الجراح ندى
ويستفيق الورد
3- الصور في “كوميديا العالم السفلي”:
إن الصور في هذا العالم القصصي تأخذ أكثر من شكل، إذ نعثر على صور غارقة في الشعرية، موغلة في عالم الشعر، وهي صور تسهم كثيراً في بلورة النبرة الدّرامية.
مثال ذلك على سبيل الذكر لا الحصر :
1ـ ولادةـــــــــــ”قطيع من الظلمة يخبط ناظري”
2ـ كوميديا العالم السفلي ــــــــــــــــــــــــ”أمارس ترميم شيبي”
5ـ غبار القصائد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ” أسطورة علت صهوة القوافي”
6ـ الكمبارس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ “..قابعا في صمته، محدّقا في سقف الزمن، يرمي حجراً في الفراغ”
7ـ رقصة فزع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ” يلحس الخوف ما تبقى من عقله”
8ـ قرابين البحر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ”يعود إلى الشاطئ الداكن مخذولاً، مبتلاً بالهوس”
13ـ ذات الأثر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ”وحيدة تجلس على شرفة الوجع”
14ـ نصف وطن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ”كان وحيداً وسط القبيلة المدجّجة بالأوهام، الخانقة لكلّ أحلامه، أحلام مبلّلة بالعدم”
مهما حاولت محاصرة الصور فلن أستطيع إلى ذلك سبيلاً ، فهذه المجموعة القصصية، عبارة عن حشد هائل من الصور يتفجّر بعضها عن بعض، فيشهد توالداً تلقائيا، يكشف عن قدرة فائقة لصاحبها، وامتلاكه لناصية العبارة التي تلبس أحلى حللها وتأتيه مطواعة، لتتشكّل بين طيات فكره ، كما شاء لها أن تكون، فلا تبدو “الشعرية” في نصه القصصي مسقطة، بعيدة عن المعنى، بل هي في صلبه، منغرسة في رحم القصة، بعيدة عن التكلّف، والصنعة الخاوية.
ولعلّ اللافت في هذه المجموعة، هو وجود صورة كبرى تبرز منذ العنوان، تحتوي في صلبها على حشد هائل من الصور تتناسل ، ثم تنتشر داخل المجموعة، فترتسم في قالب مشهد متعدّد الأبعاد.
تهزّني نشوة القص، فأركض وراء مواكب الكلام، أمضي بعيداً، علّي أدرك بعض الخفايا، يعتريني الصمت والذهول، وألعن هذا الزمن القبيح، ثم أشكره لأنّ من رحمه العقيم يخرج علينا هذا الإبداع في أرقى تجلّياته .
4- التعالق بين صورة “بروميثيوس” وصورة المبدع في ” كوميديا العالم السفلي”:
لئن كان “بروميثيوس” جباراً، تمرد على إرادة “زيوس” كبير الآلهة فسرق النار المقدسة من جبل الأولمب، وأهداها للبشر، فعلّمهم مختلف الفنون، وأعطاهم المعرفة، فإن المبدع في ” كوميديا العالم السفلي” كسر كل الحواجز، والقيود، ورسم مساراً واضحاً، يتوق فيه إلى خوض المغامرة، يرنو إلى الشمس المضيئة، هازئاً بكل الرّعود، والعواصف، والطّيور السوداء.
هكذا بدأ صاحب “الكوميديا” نسراً فوق قمّة الإبداع، محلّقاً في عوالم مختلفة، يدعو إلى إعادة تأسيس حضارة بني الإنسان، والتمرّد على مظاهر التّخلف والرّجعية، رافضاً العبودية ، مردّدا شعار “بروموثيوس”:
(اعلم جيداً، أنني لن أستبدل آلامي المبرحة بعبوديتي، إنّني أفضّل أن أبقى هنا مغلولاً، إلى الصخور على أن أكون خادماً طيّعاً لزيوس)
وتتعدّد صور “زيوس” في عصرنا الحديث ، فلم يعد واحداً، بل تناسل، وانتشرت سلالته في كامل بقاع المعمورة، وهو ما يكشف صعوبة مقاومة هذا المتعدّد.
فيشتدّ الوجع ويكبر وينمو، وقد بدا ذلك واضحاً، صريحاً، منذ الإهداء فيقول الكاتب:
(بي وجع من سنين، يمتدّ جسراً بين صرختي الأولى، التائهة وسط الهلاهل، وبين آخر المحطات، أحمله كحدبة البعير، يلاصقني ولا أراه، وحدي أسير به، والجميع يسير بي)
فهذا الوجع يربط بين لحظتين، متقابلتين، لحظة الانبعاث ولحظة البعث، ويمتدّ بينهما ويتسع فيرسمه في صورة تشبيهية، رائعة، “كحدبة البعير” وليس أشد على الإنسان من حمله “حدبة” يحسّها ولا يراها وهو ما يعمّق المأساة، ويزيدها اتّساعاً، عندما يسير وحيداً.
لكن المأساة تتجمل، وتتربّع على عرش الوجود عندما تتشكّل في صور خلاّبة، ولوحات سريالية، غامضة، ذلك الغموض الشّفاف.
تنبثق بـ”ولادة” ثم تتوغّل بنا في “كوميديا العالم السّفلي” وبعض تفاصيل “سروال داخلي” وتنقلنا إلى”المعبر” فنلمح “غبار القصائد” يغطّي السماء الحزينة فتتناثر الكلمات كاللؤلؤ، لكن يباغتنا “الكمبارس” ليلعب دوره ويختفي فتأخذنا “رقصة فزع” تعبر عن ألم وحنين ونجد أرواحنا قد أقتطفت لتكون “قرابين بحر” لكن نتذكر” امرأة القمر” فنبعث بآياتنا إليها في تراتيل الصباح والمساء، علّها تعطينا بعض اليقين، وينبعث صوت من جوف القمر”أهلا بك..ننتظرك في بغداد” كان ذلك سنة”1700″ “في قباء الكواليس” تتربع حكايا الموت والدّمار، فيرسمنا “ذات الأثر”..إلى مدارات بعيدة نركض، في لهفة المشتاق فنعثر على “نصف وطن” تتكوّر الرّوح، وتتجمّد العروق، ويتحجّر الطين، وتسافر الروح إلى عالم سرمديّ تلك “أخر المحطات”
خاتمة :
إن “كوميديا العالم السفلي” كشفت عن وعي صاحبها بقضايا عصره، من ناحية، كما عبرت عن تجربة أدبية متفرّدة ، مفجرها الأساسي الأحداث التي هزّت العراق خاصة، و المنطقة العربية عموماً، وهذا ما يؤكد أنّ المعاناة هي جوهر العملية الإبداعية والقادح الفعليّ لها كما يقول الأديب محمود المسعدي (الأدب مأساة أو لا يكون)
ويجب أن نشير إلى أن تلك العملية، لا يمكن أن تكون ناجحة إلا إذا برزت كتعبير عن رؤية جديدة، فالرؤية المتفرّدة هي التي تقود بالضرورة إلى خلق التجربة المتفرّدة، وليس التركيب المجاني أو العشوائي الدّوال ليخالف المألوف هو الذي يقود إلى إنتاج التجربة الجديدة في عالم الأدب.
ولا يفوتني أن أنوّه بهذه التجربة الثّرية والعميقة، وأقرّ أن هذه المجموعة القصصية جديرة بالتطوير نحو أنموذج روائي فريد، فقد عثرت في رحمها على رواية مكتملة البناء، ولعلّ التحوّل القادم سيكون بمثابة التّحدي الأكبر لجملة من العراقيل
” كوميديا العالم السفلي” آية بلا ريب من فنّ القص، تفتن قارئها وتأخذه إليها، فينساب في خفاياها، ويرتحل، وتتركه في أخر المطاف وهو من أحداثها في ألم ومعاناة، يحاصره الوجع، وتخنقه رائحة الموت، فيعانق اليقين ولسان حاله يردّد: تباً لهذا الزمن القبيح، زمن صناعة الموت ، والخراب، والجحيم .
ورغم المأساة سنظل نهتف دون توقف، شعارنا “الحب” و”الجمال” و”الخير” و “السلام”
“ستزهر الجراح ندى.























