
رافد جبوري
بعد اسابيع قليلة من انتخابات مجلس النواب العراقي الاولى وقف عبد العزيز الحكيم رئيس الائتلاف العراقي الموحد (الشيعي) ليعلن بوجه واجم عن تهنئته لابراهيم الجعفري. صوت واحد كان قد رجح زعيم زعيم حزب الدعوة الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء المؤقت على عادل عبد المهدي مستشار ال الحكيم السياسي المقرب ومرشحهم لمنصب رئاسة الوزراء. شاهد الحكيم المنصب وهو يذهب الى الدعوة مرة اخرى ولكن بفارق صوت واحد, القى التيار الصدري حينذاك بكل ثقله خلف الدعوة ومرشحها نكاية بالحكيم ومجلسه الاعلى. هنأ عبد المهدي الجعفري الذي طلب من عبد المهدي بفذلكته اللفظية المعهودة بان يعزيه ولا يهنئه.
كان العراق كله في الواقع على موعد مشؤوم بعد ايام من تلك الانتخابات الشيعية الداخلية حينما صحا البلد على خبر تفجير قبة مرقد الامامين العسكريين في سامراء. مرت ايام واسابيع سوداء انتشر فيها العنف الطائفي على مستويات متعددة. سياسيا ضعف الجعفري مع استياء الاميركيين من اداءه وتوجهاته وغضب الكرد من تشدده تجاههم و اتهامات السنة له بتعزيز الطائفية. كل ذلك ادى الى ازاحة الجعفري من المنصب الذي فاز به لكن الفرصة لم تعد لعبد المهدي فقد اشترط الجعفري الا يقلد المنصب الا واحد من حزبه, حزب الدعوة فصعد المالكي ووقف الحكيم وعبد المهدي متفرجين مرة اخرى على مشهد سياسي شيعي تسيده المجلس الاعلى ايام المعارضة لكنه خرج عن سيطرته عند الحكم.
حصل عبد المهدي على منصب نائب رئيس الجمهورية كجزء من التسوية. لكنه بقي مرشحا محتملا لرئاسة الوزراء. قبل ان تاتي الجولة الانتخابية التالية تعرض عادل عبد المهدي لاقوى ضربة سياسية في حياته عندما تفجرت فضيحة مصرف الزوية. صدم تماما حينما تيقن ان افرادا من حمايته قاموا فعلا بمهاجمة المصرف وسرقته وقتل الحرس. سلمهم وتعاون تماما مع التحقيقات. رغم ان معظم من يتذكر تلك الحادثة من المطلعين يعتقد انها كانت مؤامرة سياسية استباقية لاجهاض احلام عبد المهدي برئاسة الوزراء الا ان اللقب الشعبي (عادل زوية) الذي اطلقته عليه جماهير حانقة دوما على الطبقة السياسية لازم الرجل وسيبقى مستخدما من اعداءه وكارهيه. رغم صلابة عادل عبد المهدي وخبرته السياسية الا ان الضربة كانت قوية, يروي احد اصدقاءه انه ولمدة اسبوعين تقريبا لم يتواصل مع العالم الخارجي وقضى اياما طويلة بساعاتها امام التلفزيون يشاهد قناة للافلام الاجنبية بدون انقطاع.
رغم قوة الضربة الا ان عادل عبد المهدي عاد مرشحا بعد انتخابات عام الفين وعشرة. في معركة علاوي الفائز بفارق بسيط والمالكي المتشبث بالكرسي طرح اسم عبد المهدي كمرشح تسوية مقبول من اكثر من طرف, لكن المعركة انتهت بولاية ثانية للمالكي وتمديد لعبد المهدي في نيابة الرئيس طالباني.
استقال عبد المهدي بعد ذلك من منصبه متوجها لما يشبه اعتزال العمل السياسي المباشر لكنه لم ينقطع ابدا عن القراءة المتابعة وبدأ بالانتظام في كتابة عموده اليومي في جريدته العدالة. لا اتفق مع معظم ما كتبه عبد المهدي عبر السنين ولا مع مناهجه وتحليلاته وتوجهاته كما ان اسلوبه وتحريره يحتاج للمسات احترافية من محرر محترف لكنني بالتاكيد احترم مثابرته ودأبه على الكتابة كوسيلة راقية للتعبير والتواصل والدراسة. اسجل هنا ان كثيرا من زملائه السياسيين لا يقراون الا بالصدفة ولا يتابعون الصحف وما تنشره ولا يركزون سوى على وسائل التواصل الاجتماعي.
عاد عبد المهدي ليتولى حقيبة النفط في وزارة العبادي, وكان قد تولى وزارة المالية في عهد اياد علاوي, استقال مرة اخرى في التعديل الوزاري الذي اتى بوزراء وصفوا بالتكنوقراط. عاد عبد المهدي الى حياته الخاصة مستمرا على كتابة عموده اليومي. ابتسمت قبل اشهر معارضا ما اخبرني به صديق مشترك بان عادل عبد المهدي قد زهد بالسياسة ومناصبها. لا احد في الطبقة السياسية في العراق يزهد بالمناصب وان كان عادل عبد المهدي يتباهى بانه في الماضي استقال من اكثر من منصب.
اصبح عادل عبد المهدي رئيسا للوزراء اخيرا. تدل المؤشرات على ان هناك مباركة من مرجعية السيستاني ودعما له من التيار الصدري الذي اطاح بمسعاه للرئاسة قبل اثني عشر عاما. ليس طامعا بالسلطة وان كان ليس زاهدا فيها بالطبع. من يعرفه شخصيا يعرف انه حازم وصاحب قرار اوضح ممن يشغل المنصب حاليا, لكنه ايضا هادئ وليس اهوجا مثل من شغل المنصب قبل ذلك. رغم انتماءه للاسلام السياسي الشيعي الا انه لا يحمل العقد التي يحملها قادة حزب الدعوة. لكنه يبقى رمزا من رموز طبقة سياسية وصل استياء الجمهور منها الى مديات بعيدة.
العنوان الاهم في المرحلة المقبلة هو التحدي الاقتصادي وهذا هو صميم اختصاص عادل عبد المهدي الذي لا يحمل شهادة الدكتوراه وان كان يطلق عليه خطا احيانا او تملقا احيانا لقب الدكتور. مع ذلك هو قارئ وباحث وكاتب في السياسة والاقتصاد الذي يحمل فيه شهادتي بكلوريوس وماجستير. قبل ذلك تلقى تعليمه الثانوي في ثانوية كلية بغداد افضل مدارس العراق في عصره وعصور تلت. عاش عبد المهدي طويلا في فرنسا التي اجاد لغتها بالاضافة لاجادته للانكليزية. حصل على الماجستير من جامعة بواتيه, بواتيه التي كانت اخر مدينة في اوربا وصل اليها العرب المسلمون في فتوحاتهم الاولى لعل خواطرا مرت على خياله هناك وهو يتامل ذكريات العرب وضياع حلمهم باحتلال فرنسا واوربا كلها على يد شارل مارتيل. تعدد واختلفت وتناقضت فصول حياة عادل عبد المهدي. انتمى للبعث وفكره القومي في شبابه الاول حينما وقف البعث ندا وخصما عنيدا لعبد الكريم قاسم وفرديته واقليميته العراقية. كان قاسم قبلها قد اطاح بالنظام الملكي الذي كان فيه عبد المهدي المنتفجي, والد عادل وزيرا ووجيها معروفا. لم ينل عبد المهدي شيئا من سلطة البعث الذي هجر فكرها بعد سنوات ذاهبا نحو الجناح الماوي في الحزب الشيوعي (جناح القيادة المركزي) , كان ذلك هو الجناح الذي اختار طريق المواجهة المسلحة مع النظم الحاكمة نهاية الستينيات ثم انهار وصغر حتى تلاشى لكن عبد المهدي لم يتلاشى معه. جاءت الثورة الايرانية ليعود عبد المهدي لهويته الشيعية متبؤا منصبا رفيعا قريبا من محمد باقر الحكيم في زعامة المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق.
يقف رئيس الوزراء عادل عبد المهدي امام مشاكل سيكون عليه ان يقدم لها حلولا لا اقوالا ووعودا مثل سلفه. فاستعادة الاراضي من تنظيم داعش لم تأت للعراقيين بالسلام الداخلي ولا الاعمار ولا الازدهار الاقتصادي بل العكس تماما, كما ان ازاحة الكرد من كركوك والمناطق المتنازع عليها لم تحل المشاكل بين المركز والاقليم. يقف امام جمهور غاضب لا يبدو مستعدا لقبول اي اسم في الرئاسة سواء من الاسماء القديمة المتداولة او الاسماء غير المعروفة. لكن عهدا جديدا قد بدأ فقد خسر حزب الدعوة رئاسة الوزراء التي ظل قابضا عليها منذ عام الفين وخمسة. يتمتع عادل عبد المهدي ورئيس الجمهورية الجديد برهم صالح بعلاقة طيبة مع كل من طهران وواشنطن. لا اميركا خسرت ولا ايران اما مستقبل العراق فتحدده السياسات وصناعتها في العراق صعبة والظروف, وهي كما قلنا ليست سهلة.
























