كفاءات ومهارات تتطلع إلى أرض الوطن والحواجز كثيرة

عدنان أبوزيد – الزمان
قال متقاعدون عراقيون، وكبار في السن، مهاجرون ويعيشون في دول العالم المختلفة، انه يتمنون قضاء بقية العمر في وطنهم الأم، لكنهم لا يجدون الظروف الملائمة، والإجراءات، والضمانات التي توفر لها العيش الكريم، داعين الحكومة العراقية إلى رعايتهم، كي يحافظوا على حلقة الوصل بين الوطن والاجيال الجديدة من ابنائهم الذين ترعرعوا خارج البلاد، فيما قال الدكتور مظهر صالح، المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء محمد السوداني إن “المعاشات التقاعدية في النظم الاجتماعية الراقية هي بمثابة مكافأة عما يسمى ( بالسنيورتي) وهي مدة (الخدمة الطويلة )التي يقضيها الانسان في بناء النمو والتراكم الاقتصادي والاجتماعي والحضري لمصلحة بلاده، والذي يعد ذلك بمثابة قاعدة بناء اساسية ومرتكز لمسارات الجيل القادم في مبادئ التنمية المستدامة وتواصل الأجيال”.
واستطرد صالح في حديثه لـ الزمان، حول استطلاعها بين عراقيي المهجر، إن “دولة الرفاهية الاجتماعية هو النمط المتقدم في صيانة كرامة الانسان على مختلف مراحل العمر من حماية اجتماعية للجميع وكبار السن من المتقاعدين على وجه التحديد وهي الانموذج الاول الاقتصادي الاجتماعي الذي تتمتع به اليوم غالبية البلدان الاسكندنافية المسمى بالأنموذج الاقتصادي الاسكندنافي Economic Model الذي لا تزيد فيه فوارق الدخل عن ست مرات بين الدخل الاعلى عن الدخل الادنى، ما يعني ان عدالة توزيع الدخول هي الاعلى في العالم من حيث دقة وعدالة تطبيق النظم الضريبية وبشكل يخدم الدخول القليلة ويدعم معاشات بناة الامة من المتقاعدين”.
وقال صالح انه في “دولة الرفاهية الاقتصادية حيث الضريبة العادلة هي الاداة التي تحقق للمتقاعد كل اشكال الرعاية الصحية والمعاشية وتامين السفر واشكال العيش والرفاهية الأخرى”.
واعتبر صالح إن “العراق هو الاكثر حاجة اليوم إلى اعتماد الموديل الاقتصادي الاسكندنافي في تحقيق الرفاهية الاقتصادية و الاجتماعية للشرائح الاكثر رعاية وفي مقدمتهم شريحة المتقاعدين وهم ممن خدمة الامة في سنوات شبابها وقوتها”.
واستطرد: “مبادرة رئيس الوزراء محمد السوداني، في توزيع ارض سكنية للمتقاعدين يعد وجهاً راقيا من اوجه دولة الرفاهية في بلادنا وهي الخطوة الاساسية الاولى، فضلاً عن التخفيضات التي اجريت في حقل الصحة والنقل بالطيران مؤخرا لمصلحة المتقاعدين وهي البدايات الصحيحة لبناء دولة الرفاهية الاقتصادية في بلادنا”.
ووصل الكثير من المهاجرين العراقيين الى بلدان المهجر، في مراحل العمر الشبابية، أو أبعد قليلا، او كثيرا، لكن بلوغهم سن التقاعد، يجعلهم في حيرة من أمرهم بين العودة الى الوطن، بصورة نهائية، او الاستقرار النهائي في المهجر.
ومثل هذه الخيارات ليست سهلة، بسبب الغياب الطويل عن الوطن، فضلا عن الاستقرار منذ زمن بعيد في المهجر، إلى جانب الابناء والاحفاد.
رغم ذلك يقود الحنين الكثير من الذين بلغوا سن التقاعد الى التفكير في قضاء بقية سنوات العمر في البلد الام.
ويقول الباحث الاجتماعي اسامة حسين، لـ الزمان ان “مثل هذه القرارات الحاسمة تخضع الى اعتبارات شخصية لكنها تتعلق بالظروف الاجتماعية والاقتصادية، وحتى السياسية، التي تلعب دورا رئيسا في صناعة قرار العودة الى العراق بعد التقاعد”.
وفي حين يرى حسين ان “العودة الى الجذور، أمر لابد منه، فان الوطن إذا لم يتوفر على الخدمات التي تجعل المحال على سن المعاش، مرتاحا، لن يفكر بالعودة”.
على ان الكثير من المهاجرين، لسنوات طويلة، لم يعد يفكر في العودة، ومنهم اللاجئون السياسيون، حتى في حالة زوال الظروف السياسية التي اضطرتهم الى الهجرة، فيقول محمد الربيعي الذي هاجر الى العراق منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، لـ الزمان ان “العودة الى العراق لم تعد تعني له شيئا، بسبب الانقطاع التام عن الاهل والاصدقاء، وفي حالته عودته فانه سيلاقي صعوبات جمة في التأقلم والاستقرار من جديد، فضلا عن انه سوف يفقد الكثير من الامتيازات التي يتمتع بها وهو في هولندا”.
وعلى عكس الربيعي الذي يجزم باستحالة العودة الى العراق، فان هناك من يجد نفسه في حيرة، بين العودة إلى أو البقاء في المهجر، وهي حالة مثيرة للقلق يعيشها المهاجر، وتجعله يعيش في دوامة من عدم الاستقرار.
ويعتبر الربيعي ان “سن التقاعد في اغلب الاحوال يرتبط بالمشاكل الصحية، والحاجة الى الرعاية، وهو أمر قد لا يتوفر في العراق، ما يفسر ان الكثير من المتقاعدين، يقررون الاقامات المؤقتة الدورية في البلد الام ثم يعودون بعدها الى المهجر، من اجل التامين الصحي والرعاية الاجتماعية، فضلا عن قضاء الأوقات مع الاولاد والاحفاد”.
ويعتقد الربيعي ان تجربته تشير الى انه “كلما طالت سنوات المهجر، انخفضت الرغبة في العودة الى العراق، وهو امر منطقي”.
حسن الساعدي (73 سنة) يقول انه “على الرغم من قراره في عدم العودة الى العراق، بشكل نهائي لكن العراق يبقى يداعب مشاعره وعواطفه، وهو في الكثير من الاوقات يستذكر ايام الطفولة والشباب في بغداد، رغم مضي ثلاثين سنة على الرحيل من العراق، حيث لم يزره ولا مرة واحدة منذ ذلك التاريخ”.
لكن العراقيين الكرد، قد يكونون أكثر رغبة في العودة الى كردستان بشكل نهائي، وهو ما يراه قادر بريفكاني الذي يقول انه “مصمم على العودة الى كردستان العراق بعد تقاعده المنتظر في العام 2024”.
ويرى بريفكاني ان “اولاده استقلوا بأنفسهم، ويعيشون بسلام ورفاهية مع اطفالهم الذين شبوا في ألمانيا، ولم يعودوا في حاجة الى مساعدته، ولهذا سوف يعود الى اربيل بشكل نهائي خلال السنوات الثلاث المقبلة، كي يعيش بقية حياته في دروب وساحات طفولته وشبابه”.
يصف بريفكاني بان “حنينه الى كردستان، طوال السنوات الطوال كان عميقا وكان يفكر دائما في العودة لكن عمله والقوانين المرعية تحول دون ذلك”.
و بريفكاني يريد ان “يبقي موطئ قدم في ألمانيا، اذ قرر ان يقضي اغلب ايام السنة في العراق، واوقاتا اقل في ألمانيا لأنه لا يستطيع ان يترك اولاده بشكل نهائي”.
وتشير الحوارات مع الكثير من المهاجرين العراقيين الى ان سن التقاعد هو فرصة سانحة للتواصل مع الوطن الام، وهو اما ان يكون بشكل عودة نهائية وهو نادرا ما يحدث، او زيارات دورية طويلة الى العراق ثم العودة ثانية الى المهجر
وكلما تحسنت الأوضاع الاقتصادية والامنية والسياسية، ارتفعت مستويات الرغبة في العودة.
ويربط الكثير من المهاجرين اسباب بقاءهم في اوربا الى نظام الرعاية الصحية الجيد والخدمات الاجتماعية والادارية.
لكن الاستقرار في بلدان المهجر، وبلوغ المهاجر العراقي سن التقاعد والراحة لا يعني خلو يومياته من القلق والمشاكل،
اذ يعاني العديد من المتقاعدين العراقيين في الخارج الذي يستلمون رواتبهم التقاعدية بالدينار العراقي، من صعوبات مالية، نتيجة تذبذب أسعار الصرف وانخفاض قيمة العملة الوطنية العراقية، مما يؤثر على قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية.
ويتحدث المغترب العراقي سيد حيدر الياسري، المقيم في الولايات المتحدة، وهو باحث نفسي أيضا عن إن “الكثير من المتقاعدين العراقيين في خارج البلاد يشعرون بالعزلة والانطواء الاجتماعي، لأنهم يقضون بقية أيام العمر بعيدا عن
أهلهم وأصدقائهم”، مشيرا إلى إن “الكثير منهم يواجهون صعوبات في التواصل مع السلطات المسؤولة في العراق، مما يجعلهم يفتقرون إلى الدعم والمساعدة التي يحتاجونها”.
ويرى الياسري إن “هناك حاجة إلى توفير الدعم المالي للمتقاعدين العراقيين في الخارج”.
وفي تاريخ علاقة مؤسسات الدولة العراقية الرسمية، بالمتقاعدين في خارج البلاد، فان العام 2020، شهد تأخر تحويل الرواتب المخصصة للمتقاعدين العراقيين في الخارج، مما أثار غضب المتقاعدين الذين اعتبروا أن هذه الخطوة تعتبر ظلمًا لهم.
وفي العام الماضي، احتج مجموعة من المتقاعدين العراقيين المقيمين في الأردن على عدم تلقيهم رواتبهم لعدة أشهر، مما أدى إلى تفاقم الأزمة المالية التي يعانون منها.
وفي أوقات سابقة، أعرب المتقاعدون العراقيون في الولايات المتحدة الأمريكية عن استيائهم من تأخر صرف رواتبهم، حيث اعتبروا أن هذا التأخير يؤثر على حياتهم اليومية وجودتها.
ويتحدث الصحافي العراقي المقيم في الدانمارك، رعد اليوسف العبيدي، وهم متقاعد أيضا، لـ الزمان عن “وجوب سعي الدولة لتأمين منافذ لاستلام الراتب التقاعدي خارج العراق، حيث بعض الدول لا توجد فيها هذه الخدمة”.
والدول الأوروبية الغربية عمومًا تتمتع بنظم تقاعد أكثر اكتمالاً وتحقيقًا للعدالة الاجتماعية، حيث يتم دفع المتقاعدين أجرًا من المال العام الذي تحصل عليه الدولة من الضرائب والرسوم. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الدول الأوروبية الغربية توفر عادة نظامًا شاملاً للرعاية الصحية للمتقاعدين، ودعمًا للاحتياجات الخاصة وحماية لحقوق المتقاعدين.
وعلى الرغم من أن بعض الدول العربية تقدم نظماً تقاعدية مماثلة لتلك المتوفرة في الدول الأوروبية الغربية، فإن غالبيتها تعتمد على نظام التقاعد العاملي، حيث يتم دفع مبالغ تقاعد صغيرة للعاملين المتقاعدين، وتفتقر بعض الدول إلى توفير نظام شامل للرعاية الصحية للمتقاعدين ودعم للاحتياجات الخاصة.
وبناء نظام تقاعدي رصين ليس سهلا، اذ يعتمد على عدة عوامل مثل النظام الضريبي، والنظام الاقتصادي، والثقافة المالية، والبنية التحتية المتاحة، والخدمات الصحية، والرعاية الاجتماعية، ومستوى المعيشة عمومًا.
ويرى سعد السلامي، وهو مدرس متقاعد وهاجر من العراق من نحو عقد ونصف في حديثه لـ الزمان إن “الدول الأوروبية الغربية تعتبر عادة مكانًا جيدًا للمتقاعدين بسبب مستوى الحياة العالي والرعاية الاجتماعية القوية التي توفرها، كما تتميز هذه الدول بنظم تقاعد متقدمة توفر معاشات تقاعد سخية وخدمات صحية عالية الجودة وإمكانيات ترفيهية وثقافية متنوعة. كما أن النظام الضريبي في هذه الدول يدعم المتقاعدين بإعفاءات ضريبية وتسهيلات أخرى”.


















