الفلسفة العنفوصية

الفلسفة العنفوصية
سالم صالح سلطان
أستميحك عذرا أستاذي العزيز أفلاطون لوضعي كتابك جمهورية أفلاطون في درج مكتبتي وقراءة كتاب جديد أسمه الفلسفة العنفوصية صادر عن منشورات آل كلو الموصل ـ 2012 وبالمناسبة، فمحلة الكلوات كانت شهيرة في ربط وبيع وشراء ودلالة الحمير في الموصل في عقود الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي.
الكتاب غريب وعجيب ومشاكس ولبق، ووجدت في طريقة طرحه الأكاديمي متعة وجمالية وعلمية ورومانسية لا تجيده بلاغة لجاننا التربوية والتعليمية في طرح المناهج الدراسية عامة. فمنطق طرح شكل ونوع وخصال الحمار يسمو إلى العفاف والجد المصون والعذرية والصبا والخلق الرفيع والصحة المضمونة، وليس كما تشير البيانات العالمية إلى مخاطر مروعة وكارثية وقبيحة ومميتة تواجه خصال وأفعال وشكل ابن آدم.
الفلسفة فيه منوعة ومحركة للذات الوجودية الجامدة التي ينقب عنها الإنسان المعاصر بأوهامه، وهو يثقب أذن ويصم الأخرى عله يعثر على حقيقتها، لذلك يلجأ إلى سماع فريد الأطرش ليعيد لصممه صداه.
لم تفرغ يوما ساحة الكلوات من بيع الحمير، وهم يوصون دلاليهم بضرورة الرأفة به لينفذ لمشتريه ما يريدون، فهناك الحمار الجبلي والصحراوي والحضري وفيهن العجوز والبكر، والبكر ثمنها يساوي مهر أميرة انكليزية مقيمة في قصر برمنكهام الشهير.كما يقول احد تجارهم الله يرحمه.
ويذكر أحدهم وهو يتحسر على الأيام التي كان للحمار فيه فخامة وابهة مثل سيارة الموهافي ، وهو يبين منطق الحكمة في التعامل مع الحمار، بأنه يجيد العمل في كل الظروف والطقوس، ويحتاج إلى لمسة كرباج، وليس كما يفعل الآن صغار الرعيان بجلده حد الموت ليمشي.
ويضيف فقيه آخر منهم أن رفقة الحمار أفضل دراماتيكيا من مصاحبة ابن آدم، فشخصيته المهادنة الصامتة الأمينة لا تعثر عليها عند الإنسان. بالتأكيد هذه البلاغة لا تضاهيها فلسفات الفوضى الخلاقة التي أنتجتها مصانع الغرب وصدرتها إلينا باسم الديمقراطية والدين والمذهب والحرية وحق تقرير المصير عبر بيتزا التغيير ونهضة البلادة والتخريب. يصفق لها الاتحاد الأوربي. قبح الله شكله، و جيب ليل منهم وخذ عتابة منا . ممزوجة بترياق المواطنة المغشوشة، وحنظل الحرية الفاسدة.
وتشير هذه الفلسفة إلى أن الحمار مخلوق مطيع. يتقبل منا الأهانة والقصف والرجز والقذع والقسوة مهما عاش معنا في زريبته، ولا يؤذينا مهما جلدنا مؤخرته أو سخرنا من أذانه الطويلة أو ذيله الليلكي أو حملنا عليه الملوك أو أمراء الخليج أو سحرة الشرق أو عرافي الغرب، ومهما كان ثقل حملنا عليه ، وهو لا يلوذ بمشتكي إذا ضغطنا عليه بحملنا وتعذيبنا له، وشردناه بحمله في الجبال والوهاد والوديان إنما يبكي مستنكرا وينهق مستاءا، ويرفس بكل عنفوان عنفصته ويرمي بجسده من الأعالي، وينتحر بكل شرف وغيرة وكبرياء. شأنه كالعظماء الذين يضعون حدا لحياتهم بعد أن تعييهم الحياة وترهقهم سخافتها وبذاءتها وكآبتها وظلم مخلوقها، رغم تعب وعذاب السنين الطويلة مكافحين مناضلين.
كذلك تؤكد هذه الفلسفة على تزايد إسطبلات الحمير في بلداننا العربية، وغدت أكثر من القصور والفلل. عامرة بالفقراء وأرباب السوء، واتسعت لتشمل أصحاب الربطات العنقية الفاخرة تزين حلوقهم وتسريحة وجوههم ورؤوسهم عامرة نصرا بالنازحين واليتامى والمقتولين بلا جريرة تسيح عيونهم دما ودمعا وفقرا واستغلالا واستعبادا، ويبقون بكل الأحوال لهم خدما مطيعين »لملوكهم وقوادهم وسماسرتهم وسلاطينهم، ويستفاد حتى من مؤخراتهم عند السحر.
ترى لماذا لا نقدر خدمات الحمار وننصف خدماته وحكمة صمته وإخفاءه لكل اسراء قباحاتنا التي لا يعلم بها أقرب الأرحام.
يقترح الكتاب تأسيس مجمع عنفوصية وليس مجلسا للأمم أو وزارة أو قمسيون جمهورية للرفق بالأوطان. يرأسها حمار يحملهم إلى بر الأمان بلا برلمان ولا محكمة تشمئز لها الجرذان ولا شجار ب الجمجات أو زجاجات الماء وحبات الطلقات أفضل من أن يؤديها بن آدم ولا يعثر على حلولها عند أكثر علماء الكون ذكاءَا.
إن الحمار يعمل عند صاحبه بلا اجر ولا بآلاف الدولارات، ويأكل غالبية الحمير مما تجود به المزابل والطرقات، ولا يحتاج إلى الموهافي ولا المصفحات، ويرضى شرب الماء من اغزر السواقي جراثيما وفايروسات وينام في العراء ويعمل في السراء والضراء ويطبق كل خدمات ومصطلحات العبودية عند مالكه، ويقبل بكل الأحكام العرفية والملكية والأميرية والأمريكية. شأنه شأن المغلوب على امره في الهند وجيبوتي وأفغانستان. ويسكت على من تكوى أثداءها العالية في الكاميرون، ولا يستنكر سجن من ترتدي الحمالة على صدرها في الصومال،أو يهلل للمختونة في السودان ومصر، وللمذبوحة أحلامها وطفولتها وشبابها وعنوستها في العراق، ويستخف بكينونته من أجل المثليين وكرسي الرئاسة، وكلهم قربان ومشروع من ذهب لليهود والفرس وقرود المافيا النفطية العالمية.
وترسخ هذه الفلسفة كما تظهر راديكالية منطقها العام إلى ضرورة التعاطي مع مراقيب الفضائيات والانترنت لمنحها جرعة كيمياوية توطن مفهوم الحضارة الحديثة المعاصرة لأبن آدم، وليتدارك المتشبث بالفلسفة القديمة أن الفلسفة العنفوصية المعاصرة هي هلامية الملامح. متخاطرة بوجودها المرسالي. تحفر في العمق الروحي مجرة حمراء. تركل الكلاسيكيات، وتنعم بعبثية أبن آدم معها. عبر تطوير آلات القتل والتسقيط والمكيدة ولف العالم بمجينات الدين وصبغه بالأشرعة الزرقاء والبيضاء، وتركيبه على ظهر حمار يتصوره المخلوق سفينة أفلاطون.
إن هذه العجائب والغرائب يتعاطاها ابن آدم بكل شفافية وإباحية منمقة، وتسدل الستار على مظلومية هذا الحيوان الأليف وجدوى إيوائه في كل مناطق النزاع في العالم. ليصبح ضحية وأضحية وبندقية وظهر تجارة كوكائين. مهددا العالم كله بالزوال.
إن عيون الحمار ترى الحقيقة وتتغاضى عنها. أذانه تسمع ولسانه لا يجيب. لا يضجر من زبالة ولا دم ولا خيانة ولا استحواذ احد عليه ولا يتحسر من أفكار سادية أو سوداوية.
إن هذه الفلسفة تحيلنا إلى سراديب أفكارنا ووضاعتها. تنقش بقعها لنفقد آدميتنا ولينعم حمارنا في منطق روثه بعد أن يقتلنا بصمته المجنون.
/5/2012 Issue 4213 – Date 30 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4213 التاريخ 30»5»2012
AZP09