الروز لم يلتفت إليه أحد

موت نهر         (1)

الروز لم يلتفت إليه أحد

في ذلك اليوم الربيعي من عام 2014 أخذني شوقي وحنيني إلى حبيب قديم ومعشوق ابدي إلى قلبي  وقت العصر وكما تعودت على ذلك بين الحين والأخر وتوجهت سيراً على الأقدام إلى مكان لا يبعد عن منزلي سوى بضعة كيلو مترات .

إلى أطلال نهر الروز التي هي كل ما تبقى منه بعد ثماني وعشرين عاماً على تجفيفه وموته وقطع مياهه من منبعه.

وبعد أن وصلت إلى هناك أبيت إلا أن أقف أمامه وأنا خجل أن ادخل إلى قاعه المملوء بالقصب اليابس و النفايات ووقفت هناك ساعة من الزمن فمر شريط ذكرياتي عنه كما هو عارض الأفلام عن تاريخ نهر أوجده الخالق في ذلك المكان لحقبة من الدهر خلت ودفنه البشر بحماقات الحداثة والتطور .

عدت بالذاكرة إلى العام 1983 عندما كان نهر (الروز) بأوج عزمه يلتوي منساباً بين غابات النخيل على طوله البالغ أكثر من خمسين كيلو متراً بين مدينتي شهريان وبلدروز تحفه أشجار الصفصاف التي تمد جذورها عميقاً صوب قاعه والتي تنمو على جانبيه تحرسه غابات النخيل و يعانق الأرض الخصبة معانقة الحبيب لحبيبه وتتفرع من الجداول الصغيرة حاملة معها الخير للفلاحين القاطنين على طوله المترامي في ارض حملت اسمه العتيد (الروز).

عمره مجهول قد يمتد للآلاف السنين ربما ماؤه عذب زلال لازال طعمه العذب يداعب مخيلتي رغم مرور أكثر من ثماني وعشرين عاماً على وئده من قبل جور الحداثة والتطور على يد اليات المشروع الحديث للري الكونكريتي المبطن .

فتحت عيناي على الدنيا وهو يجري عملاقاً ذا رهبة في ارض قريتنا بالقرب من بيت جدي الطيني . أطالعه كل يوم تقريباً كأنه يطالعني هو أيضا يبتسم لي وابتسم له  عشق ابدي بيني وبينه لم ولن ينقطع رغم موته الإجباري و سراب إطلاله اليوم تلاحق ذاكرتي كلما نسيته تذكرني فيه .

أخافني أول مرة سبحت فيه وبكيت خوفاً على ما اذكر . ففي ذات يوم من أيام صيف عام 1983  اذكر إن أبي رحمه الله قد أنزلني معه للسباحة فيه حينها بكيت خوفاً واختلط دمع الخوف والرهبة مع مائه المقدس ليكون عربون رابطة روحية بيني وبينه تكاد تكون أبدية رغم انه اليوم إطلال نهراً أو بالأحرى ما تبقى منه من قطع لم تدفن بعد ملئه بالقصب والنفايات .

مذ ذلك اليوم تعلقت بنهر الروز وانأ أواظب كل يوم تقريباً وانأ صبي صغير على الجلوس على الطريق الترابي المحاذي له وكان أهل الروز يسمون ذلك الطريـــــــق (الجادة) أتأمل صورتي المتمايلة على وجهه الذي لطالما تخايل لي انه يضحك لي وتداعبني موجاته اللعوب وفي بعض الأحيان كنت أتشجع لأدخل في الشريعة التي كانت مقابل بيتنا وأمد يداي وقدماي إلى مائه الرقراق المتلألئ البارد ورائحة الصفصاف عبق يلف الإرجاء .

هذه هي حكاية تعلقي بنهر الروز الذي مات في أرضنا عام 1986 . دفنوه وشقوا بدلاً عنه ساقيه مبطنة بالكونكريت تبعد عن مكانه الحالي نصف كيلو متر باتجاه الشرق ليمحوا بذلك ذكريات جميلة عن نهر الروز ذي الرمال الحمر التي كانت تغطي قاعه . إنا لن أنساه أبدا وكل يوم أتذكره يترآى لي انه لازال يجري والقنطرة الحديدية التي كنت أعبرها كل يوم عند ذهابي لبيت جدي فصوت خطواتي عليها يكاد لازال يملأ إذناي . أكاد أرى نساء القرية يحملن الدلاء متجهات إلى الشريعة لجلب الماء منه و صوت مضخة الماء الهندية ذات الصوت الهادر أخاله يدوي في الإرجاء حتى هذه اللحظة وهي ترفع الماء منه لسقي البساتين والمزروعات على جانبيه.

وقت الجريمة

انه نهر الروز الذي لم يلتفت احد إليه وقت الجريمة ليقف ويمنعها . قتلوه بدم بارد وانأ أتفرج على الآليات وهي تقطع أوصاله بعد إن جففوا منابعه ومدوا عليه سواقي فرعيةمن الكونكريت الأصم أكاد اسمع صراخه وهو يقول لهم (لالالا ………).

كنت وانأ أعيش طقوس الغرام لنهر الروز في حينها كنت أمارس أحب هواياتي واولها إلا وهي صيد السمك بالصنارة التي إلى اليوم اشتاق إليها والتي ماتت هي الأخرى في داخلي كما مات النهر  حينها كان عمري تسع سنوات على ما أذكر . وكنت وقتها فتى حالم أحب الهدوء والسكينة وأعتقد إن طبعي هذا هو الذي حبب إلى تلك الهواية الممتعة رغم إني كنت آنذاك ابن السنوات التسع من عمري كونها تتطلب الصبر والهدوء .

عصا من سعف النخيل و خيط وصنارة وطعم من العجين أو الخبز وأحياناً الحم إن وجد وصبر وساعات من الانتظار.هذا كل ما تطلبته مني هواية صيد السمك من نهر الروز .

كنت اجلس على الجرف في شريعة بيت جدي وارمي بالصنارة والطعم واجلس أترقب وتمر علي لحظات اشعر فيها بأني لا ارمي خيط الصنارة إلى النهر بل كأني ارمي عمري كله إلى النهر قرباناً للعلاقة الابدية بيني وبين الروز العظيم وأظن إن عشقي له إلى هذه اللحظة ما هو إلا ثمرة تلك الأوقات السعيدة التي مرت ولن تعود.  هواية قربتني أكثر من نهر الروز وعلمتني الكثير من الصبر بالإضافة إلى الشعور بالفخر  فكلما أتيت إلى بيتنا احمل السمك الذي يحبه والدي رحمه الله الذي كان يشعر بالسعاده وأنا أعود بصيد وفير .

المهم أضع الطعم في رأس الصنارة وأرميها بعيداً نحو وسط النهر وأنتظر وفجأة يبدأ الخيط بالاهتزاز ويجر بقوة شعور جميل بتلك القوه لايعرفها سوى من جرب الصيد بالصنارة  وبعد إن يعلق الصيد اشرع بجر الخيط شيئاً فشيئاً حتى تظهر ألسمكه التي قد تكون كبيرة أو قد تكون صغيرة أو قد تكون سلحفاة أو في أحيان أخرى قد تقطع الخيط وتأخذ الصنارة معها وحينها كنت احزن وأنتظر والدي حتى يعود من مدينة بغداد التي كان يعمل فيها رحمه الله وقت ذاك ليجلب لي أخرى بدلاً عنها من سوق بلدروز الذي كان حينها ليس بالسهل الوصول إليه لقلة المواصلات آنذاك  فالحياة وقتها كانت بسيطة وبلا تعقيدات الحداثة هذه الأيام .

في الحقيقة إن ذكرياتي عن نهر الروز تمتزج مع راحة شجرة الصفصاف وصوت اليمام الرمادي المتعارف عليه بأنين الحمام لا اعرف حتى ألان لماذا لا تفارقني تلك الرائحة الحادة وذلك الأنين لليمام الرمادي والمعروف عند أهل الروز (بحمام القوقتي) وعلى ما اعتقد إن الاسم مأخوذ من لحن صوت الحمام ذاته  فهي يخال لك وأنت تسمعه أنها تقول (قوقتي) وهناك روايــــــــــة من نسج خيال أجيال سبقونا كانت أمي رحمها الله ترويها لنا عن اليمام إن اليمامة وهي تغني تقول :

(قوقتي  وين أختي؟ بالحلة وشتاكل؟ خير الله وشتشرب ؟ ماي الله).

حسام خوام – ديالى