التّجارة الدينية – مشتاق الجليحاويّ


التّجارة الدينية – مشتاق الجليحاويّ
في‮ ‬بقاع البلد الشّاسعة‮ ‬يوجد هنا مقام وهناك مرقد تارة لسيّدٍ‮ ‬وتارة أخرى لعلويّة،‮ ‬وهذه الحالة موجودة في‮ ‬أغلب محافظات العراق؛ فإنك لا تفتئ حتى تصادف هكذا عبارات ومن ثمّ‮ ‬مزارات،‮ ‬بعضها خاضع لإدارة الوقف الشّيعيّ‮ ‬وبعضها لا،‮ ‬بطبيعة الحال فإن هذه المزارات ستدر أموالاً‮ ‬من خلال النذور والهدايا،‮ ‬كثير من هذه البنايات او المشيدات هي‮ ‬نتاج الفكر الربحيّ‮ ‬وتغليب المصلحة الشّخصيّة والانتفاع الذّاتيّ‮ ‬بغض النّظر عن النّتائج المترتبة على ذلك والتّي‮ ‬تؤثر بشكل مباشر على مستوى وعي‮ ‬النّاس فهذه الأمور من شانها الأخذ بالمجتمع الى الجهل والتّجهيل المتعمدين وبالإضافة الى ذلك الى العشوائيّة في‮ ‬حدوث هذه الظّاهرة والتّي‮ ‬تجر إلى حدوث ظواهر أخرى مشابهة بنفس النّتائج وربما اكبر منها بكثير‮ ‬والتّي‮ ‬هي‮ ‬نتاج‮ ‬غياب الدّور الرّقابيّ‮ ‬الحكوميّ‮ ‬الذيّ‮ ‬المسؤول عن مجمل الظّواهر والحركات في‮ ‬البلد والتّي‮ ‬من شأنها أن تعرض وعي‮ ‬المجتمع إلى الاصطدام بحاجز الجهل وتغييب العقل،‮ ‬بل على العكس من ذلك تماماً‮ ‬فقدت دعمت الجهات الحكوميّة بعض هكذا توجهات ومالت إلى هذه الجهة أو تلك على حساب المعاير الإنسانيّة والنّظم المجتمعيّة والسّنن الدّينيّة،‮ ‬في‮ ‬أماكن كثيرة تنشط هذه الظّاهرة تبنى بناية هنا ويشيد مقاماً‮ ‬هناك وبمسميات كثيرة تنتهي‮ ‬في‮ ‬آخرها‮ ‬للتّرويج واستغلال النّاس‮ ‬غالباً‮ ‬مثل هذه الحركات تكون محاطة بهالة من القداسة الوهميّة وذكر صفحات وصفحات عن المعجزات والقدرات الخارقة لهذه الأسماء الوهميّة المناطة بها هذه البناية أو تلك وقدرة صاحبها على شفاء المرضى وإرجاع الغائبين وامكانياته التزويج والغنى والقضاء الفقر والنجاح وإصلاح ذات البين والحصول على عمل أو وظيفة والرّزق بالأطفال إلخ،‮ ‬وذلك من الأمور التي‮ ‬لازال البعض‮ ‬يروج لها من أجل جذب أكبر عدد ممكن من مرتادي‮ ‬هذه الأماكن ومن‮ ‬يبحث عن حلول لمشكلاته،‮ ‬والذّين بدورهم سيقومون بإعطاء الهدايا والنّذور والقرابين وغير ذلك،‮ ‬تكاد هذه البلاد لا تخلو في‮ ‬بقعة منها من هذه الظّواهر فالجبل فيه بناية والصّحراء كذلك والسّهل والوادي‮ ‬وحتى مناطق الكثبان الرّمليّة مثلها ووجد المروجون أماكن استغلالهم للنّاس ما‮ ‬يحسب على الحكومة من نقاط سلبيّة أن هذه البنايات لا تخضع الى الضّوابط الهندسيّة في‮ ‬بنائها فأنها في‮ ‬غالبها جهد شخصيّ‮ ‬من مبتدعها وبطرق بناء بدائيّة تفتقر لأبسط مقومات السّلامة وهو ما‮ ‬يعرضها للإنهيار في‮ ‬أية لحظة ففي‮ ‬أغلب الأحوال هي‮ ‬آيلة للسّقوط وحدث وأن تهدم بعضها على مرتاديها وأدى تهدمها إلى وقوع ضحايا ومن مختلف الأعمار،‮ ‬فزهقت أعمارهم؛ بسبب طمع وجشع هذا وذاك والحكومة والجهات ذات الصّلة بمنأى عن ذلك ؛فهي‮ ‬لا تحرك ساكناً‮ ‬وأن تكلمت فإنها خجولة جداً‮ ‬وأقرب إلى ذلك توصف بإنها لا تسمن ولا تغني‮ ‬من جوع،‮ ‬كما‮ ‬يساعدها في‮ ‬ذلك المجتمع الذي‮ ‬يبحث عن كلّ‮ ‬ما‮ ‬يلهيه عن متاعب ومشاق الحياة التّي‮ ‬أثقلت كاهله فيجد في‮ ‬هذه الأماكن متنفساً‮ ‬وأملاً‮ ‬في‮ ‬تخليصه مما‮ ‬يعانيه وبذلك تراه‮ ‬يقدم الهدايا والنّذور والاضاحي‮ ‬وتجشمه عناء السفر والمخاطرة من أجل الوصول إليها،‮ ‬المجتمع الذي‮ ‬لم‮ ‬يتعب نفسه قليلاً‮ ‬بالبحث عن مصدرها أو معرفة من‮ ‬يقف وراء مثل هكذا أمر،‮ ‬بعض هذه المزارات تخضع لإجتهادات شخصيّة من أصحابها فكما أسلفنا أن النّظرة الرّبحيّة هي‮ ‬فيصل الأمر فأن التّشييد لا‮ ‬يخضع إلى ضوابط حقيقيّة ومشروعة،‮ ‬وبعضها‮ ‬يشيد المزارات بناءاً‮ ‬على حلم رآه في‮ ‬ليلة كان قد أثقل على معدته فجالت روحه وهامت ورأى ما رأى فتلك اللّيلة وفي‮ ‬صباحها شرع في‮ ‬مشروعه التّجهيليّ،‮ ‬و بحسب إحصائيّة أعدتها دائرة المزارات الشّيعيّة التّابعة للوقف،‮ ‬فإنّ‮ ‬هناك‮ (‬135‮) ‬مرقداً‮ ‬مسجلة فقط لديها من بين‮ (‬664‮) ‬موجودة في‮ ‬البلاد،‮ ‬أمّا المزارات الـ‮(‬529‮) ‬الخارجة عن إدارة الوقف،‮ ‬فتديرها عائلات،‮ ‬وتأخذ شرعيّتها من إيمان الحجاج الذّين‮ ‬يقصدونها ويستثمرون بها،‮ ‬كما أن التّبرعات التي‮ ‬يقدّمها المؤمنون تشكّل مصدر رزق لملّاك الموقع،‮ ‬فيما أحصى الكاتب عبّاس شمس الدّين حوالي‮ ‬حوالي‮ (‬600‮) ‬مزار وهميّ‮ ‬في‮ ‬العراق لذراري‮ ‬الأئمة وبأسماء ما أنزل اللّه بها من سلطان،‮ ‬وتعدى الأمر إلى ضرب من الجنون فبالإضافة إلى مزارات وهميّة بأسماء مفتعلة تنسب زوراً‮ ‬إلى الأئمة والأولياء الصّالحين،‮ ‬برزت مزارات لأشجار ومركبات آليّة؛ فهناك مزار السّدرة ومزار الكاروبة،‮ ‬وليت شعري‮ ‬ما مبرر إستخدام مزار لتلك الآلة الزّراعيّة؟‮ ‬رواج هذه الأمور والقضايا والأفكار الأخرى وما‮ ‬يشابهها‮ ‬يعتمد على وعي‮ ‬المجتمع وثقافته فهناك تناسب عكسي‮ ‬بين إنتشار هذه الظّواهر ووعي‮ ‬النّاس‮.‬