التغيير الفوقي‮ ‬والبديل المشوّه – كفاح محمود


التغيير الفوقي‮ ‬والبديل المشوّه – كفاح محمود

ربما كانت إيران وبعدها العراق الدولتان اللتان شملهما التغيير الفوقي‮ ‬أو‮ ‬الربيع السياسي‮ ‬المصنع الذي‮ ‬استبدل نظامين شموليين في‮ ‬دولتين مركزيتين صارمتين بأنظمة اشبه ما تكون بماكنة تفريخ دويلات تحكمها عقليات شمولية تنافس ما سبقها في‮ ‬الصرامة والعنف وما حصل في‮ ‬إيران والعراق من تعدد مراكز القرار وتشتت مؤسسات الدولة خير دليل على أن البديل لم‮ ‬يكن الا وليداً‮ ‬مشوها صنعته عقود طويلة من الحكم الشمولي‮ ‬المستبد،‮ ‬حيث عانت ولا تزال معظم دول الشرق الأوسط ومن دكتاتور أوحد أو حزب قائد‮.‬
قطيع مطيع
يفرض ثقافة أحادية لا تقبل الآخر إلا قطيعاً‮ ‬مطيعاً‮ ‬مستكيناً،‮ ‬رغم أن كل عمليات التجميل التي‮ ‬صاحبت هذه الأنظمة بإضافة مؤسسات كارتونية كالبرلمان والمنظمات الجماهيرية وغير الحكومية والأحزاب المستنسخة تحت شعارات سطحية كالديمقراطية والاشتراكية المفرغة تماماً‮ ‬من محتواها كما حصل في‮ ‬العراق وسوريا وإيران وغيرهم منذ عقود‮.‬
وإزاء هذا النمط من محاربة واحتواء قوى المعارضة الحقيقية وإفراغها من مضمونها سواء باستنساخها أو تصفية عناصرها في‮ ‬ظل نظام بوليسي‮ ‬مخابراتي‮ ‬محكم،‮ ‬أدركت أنها‮ ‬غير قادرة تماماً‮ ‬على إحداث تغيير نوعي‮ ‬في‮ ‬طبيعة تلك الأنظمة من خلال العمل المتاح لها في‮ ‬مساحات ضيقة جداً‮ ‬وربما مهيمن عليها،‮ ‬فاختارت واحداً‮ ‬من خيارين إما حمل السلاح وبدء حرب عصابات أو الهروب الى الخارج والعمل من خلال الصحافة والإعلام،‮ ‬وللأسف ومع بعض التأييد لتلك المحاولات إلا أنها هي‮ ‬الأخرى لم تنجح في‮ ‬تغيير تلك الأنظمة حتى تدخل الطرف الثالث‮ (‬الدولي‮) ‬كما حصل في‮ ‬كل من إيران وأفغانستان وبعدهما العراق وما تلا ذلك في‮ ‬ليبيا وتونس واليمن وأفغانستان ثانية وغيرها‮. ‬إن ما حصل بعد التغيير الذي‮ ‬أزاح هيكل إدارة تلك الأنظمة لم‮ ‬يتجاوز الفوضى لأنه فشل في‮ ‬تغيير ثقافة المجتمعات التي‮ ‬أدمنت الشمولية في‮ ‬نظاميها الاجتماعي‮ ‬والسياسي،‮ ‬وتم‮ ‬غسل أدمغتها بشعارات وأفكار وسلوكيات طيلة عقود من الزمن،‮ ‬حيث ترسبت فيها أفكار وسلوكيات تلك الأنظمة‮.‬
آليات الديمقراطية‮ ‬
وبدأت بعد سنوات قليلة من التغيير استخدام آليات الديمقراطية المفترضة لإيصال مجموعات وكتل طارئة الى مواقع السلطة دونما اختيار حقيقي‮ ‬حر من قبل الشعب،‮ ‬وبتأثير بالغ‮ ‬وهيمنة قبلية ومذهبية بل ومناطقية،‮ ‬ناهيك عن الدور الكبير للمال السياسي‮ ‬وثقافة المحسوبية والمنسوبية التي‮ ‬حولت معظم مؤسسات الدولة ووزاراتها الى إمارات قبلية او مذهبية واجتماعيه من ذات انتماء مسؤوليها،‮ ‬حتى‮ ‬غدا كثير من السلوكيات في‮ ‬تلك المؤسسات أقرب الى صبينة سياسية وإدارية أطاحت بهيبة الدولة ومؤسساتها ورموزها‮. ‬
إزاء هذا النمط من الحكم فقد المواطن الكثير من آماله وتطلعاته في‮ ‬نظام بديل مختلف عن الأنظمة السابقة،‮ ‬خاصة وانه واجه بعد التغيير الفوقي‮ ‬صراعا على السلطة بين مجموعات متناحرة تمتلك أذرعا مسلحة مهيمنة وتمتلك أسلحة وتمويلاً‮ ‬خارجياً‮ ‬وداخلياً‮ ‬مما أهلها لتسلق سلالم المؤسسة التشريعية والتنفيذية من خلال هيمنتها على صناديق الاقتراع وإرهاب الأهالي‮ ‬او تخديرهم بشعارات دينية ومذهبية وقبلية أدى إلى إرباك عملية تأسيس نظام جديد حتى وصل الأمر الى أن تحولت تلك المجموعات الى دولة داخل الدولة،‮ ‬تمتلك سجوناً‮ ‬ومحاكم واستثمارات مالية وفرض ضرائب وأتاوات جعلت المواطن المجروح من دكتاتوريات الأنظمة السابقة،‮ ‬يحن اليها بل‮ ‬يتمنى للأسف عودتها الى الحكم الشمولي‮ ‬وقوة الدولة والقانون على حكم مهجن تتقاسمه الأديان والمذاهب والعشائر ومجموعات مسلحة لا هوية لها ولا انتماء الا إرهاب الأهالي‮ ‬والهيمنة على مقدراتهم تحت شعارات مخدِرة،‮ ‬مستغلة العمليات الإرهابية لمنظمة داعش التي‮ ‬أصبحت تمنح هذه المجموعات شرعيتها بغياب الدولة وضعف مؤسساتها العسكرية والأمنية.إن المشكلة الحقيقية تكمن في‮ ‬التراكم الهائل لثقافة أحادية وتربية تلقينية ومنظومة اجتماعية تكلست فيها عادات وتقاليد وأعراف تتقاطع كليا مع أي‮ ‬توجه مدني‮ ‬ديمقراطي‮ ‬حقيقي،‮ ‬ولذلك فنحن إزاء تحدٍّ‮ ‬لا علاقة له بطبيعة النظام السياسي‮ ‬بل في‮ ‬النظامين الاجتماعي‮ ‬والتربوي‮ ‬اللذين‮ ‬ينتجان هذه الأنظمة،‮ ‬ويدعمانها بأدوات قبلية ومذهبية وعنصرية‮.‬