الإســـلام الثـــوري ـ د. حسن حنفي

الإســـلام الثـــوري ـ د. حسن حنفي
عاد أحد الأصدقاء الأعزاء من المغرب. وسأل الاخوة المغاربة ماذا حدث لحسن حنفي؟ هل أصبح من الاخوان مدافعا عنهم بعد أن كان ماركسيا يتعاون مع الماركسيين المغاربة ام على الأقل تقدميا، ناقدا للنظم العربية الاستبدادية جمهورية أو ملكية أو سلطانية أو اماراتية؟
وهذا هو منطق الاشتباه، أن يحتمل الموقف الثقافي السياسي القراءة على وجهين كالسمكة يمكن قليها على أحد الوجهين أو كعملة القرش يُقرأ من جانب واحد أو كالقمر يُرى من وجه واحد. وأحزنني الحكم بقدر ما أساءني. فما السبب في ذلك؟
الاشتباه له قواعد كما أن التفسير له قواعد. فمن ضوابطه الاعتماد على الروح الكلي للأعمال الفكرية وأثرها على مدى عشرات السنوات. فتوضع المواقف الجزئية داخل الاطار الكلي وهو الاسلام الثورى أو اليسار الاسلامي . وفى هذه الحالة لا يجوز أخذ نصف الكعكة وترك النصف الآخر. ويحكم الاشتباه الصالح العام وحمل الموقف على أفضل الأوجه والواقع الذى نشأ فيه والذي لم يتغير وبالتالي لا تتغير المواقف.
وما أسهل الاصطفاف مع طرف، الاسلاميين أو العلمانيين ونقد الطرف الآخر، وتحول التحليل السياسي الى جدل أيديولوجي هجوما على الاسلاميين ودفاعا عن العلمانيين أو العكس هجوما على العلمانيين ودفاعا عن الاسلاميين مادام الموقف يحتمل الاثنين. وهو ليس حلاً بل زيادة فى الصراع بين الاثنين الذى قد يتحول الى عنف ودماء. صحيح أن الحوار مع الآخر خاصة اذا كان خصما صعب. ويبدأ بأحكام مسبقة يغلب عليها الرفض والتشدد وعدم التنازل عن أى شىء رغبة فى الحوار مع الآخر والوصول معه الى قاسم مشترك يبغى الصالح العام.
والقراءة ذات الصوت الواحد شق للصف الوطني، وفصل الرئتين عن بعضهما البعض. والوطن لا يتنفس برئة واحدة. ويفصل النفس عن البدن. فالبدن هو اليسار، والنفس هو الاسلام. واذا اشتد الصراع وغاب الحوار قد تقع البلاد في الحرب الأهلية كما حدث في ليبيا واليمن وسوريا وكما يحاول البعض اغراق مصر فيها، بين مسلمين وأقباط أو بين سيناويين وحضريين طبقا لمخطط التجزئة الساري فى المنطقة، في العراق والصومال والسودان، والكامن في لبنان والبحرين واليمن والمغرب العربي والخليج حتى تصبح اسرائيل بالتحالف مع أمريكا أقوى دولة في المنطقة ومركزها، والدويلات الطائفية العرقية العربية في الأطراف.
وترن في الأذن باستمرار آية وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وليس الاقصاء طبقا لمنطق اما… أو ، منطق الفرقة الناجية، الصواب في جانب واحد، والخطأ في باقي الجوانب.
ولا حوار بينهما. كل منهما يقصى الآخر وهو عكس روح الاسلام الذى يقوم على التعددية الفكرية للمخطئ أجر، وللمصيب أجران . وبلغة لاهوتية فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . فالحق متعدد وليس واحدا. فلا مجال للاقصاء بل الحوار.
وعند العلمانيين الهدف هو الوحدة الوطنية أو الائتلاف الوطنى. وهو ما ينادى به الاسلام أيضا. ليس الهدف هو الصراع على السلطة. فالسلطة سلطة الحق. ومن يملكه هو العالم الذى يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر. الهدف هو الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. وهو ما يفرضه الاسلام أيضا. فقاضي القضاه يعينه السلطان ولكن لا يعزله. وبالتالي أليس من الأجدى التقريب بين التيارين الاسلامي والعلماني بحيث يقل الخلاف بينهما وهما رئتا الأمة وعيناها وساقاها ويداها؟
وهذا هو موقف اليسار الاسلامى أو الاسلام الثورى من الاستقطاب الحالي بين السلفيين والعلمانيين. يحاول أن يقلل المسافة بينهما عن طريق ايجاد جذور العلمانية في التراث القديم في الاعتزال وأصوله الخمسة أو مقاصد الشريعة أو الفلسفة، وكذلك ايجاد مبادئ الاسلام في العلمانية الحياة، والعقل، والحقيقة، والكرامة، والثروة الوطنية. وكما وجد القدماء الاتفاق بين الفلسفة والدين يجد المحدثون الاتفاق بين الاسلام والعلمانية أو بين الاسلام والحداثة أو بين الاسلام والعقلانية والتنوير.
اليسار الاسلامي موقف مزدوج يجمع الاسلاميين والعلمانيين على أسس واحدة حرصا على المصلحة الوطنية. فاليسار لا يقرأ في اليسار الاسلامي الا اليسار، والاسلاميون لا يقرأون في اليسار الاسلامى الا الاسلام. وكيف يمكن ارضاء الطرفين؟ العيب فى منطق اما… أو وليس في منطق العلاقة. وهو المنطق القديم الذي تعود عليه المفكرون منذ أرسطو حتى الآن، بالتعامل مع وحدات متفرقة وليس مع العلاقات بين الوحدات.
التحدى هو تطوير الاصلاح خطوة، من الدفاع عن الاسلام وتجميله في نظر معتنقيه أو منتقديه. والتحدي أيضا هو قلة التغريب في الخطاب العلماني والبحث عن جذوره في التراث القديم. التحدى هو التقاء الطرفين من أجل المحافظة على الوحدة الوطنية عن طريق وحدة الخطاب السياسى.
ان الذى تغير هي السنون، روح العقود، من الستينيات، الخطاب الناصري النقدي دفاعا عن الحريات والطبقات الفقيرة دون الطبقات الجديدة من الضباط ورجال الأعمال، الى السبعينيات، الخطاب السياسى الرافض للانقلاب على الناصرية والوقوع في كمين كامب ديفيد واتفاقية السلام، والانفتاح الاقتصادي. ثم الخطاب الثائر في الثمانينيات حتى ثورة يناير 2011 ضد الاستبداد والفساد والارتماء فى أحضان اسرائيل وأمريكا.
والذي تغير هو المرآة. فاليسار الاسلامي عند العلمانيين يسار متخف، وعند الاسلاميين علمانية متسترة وكأنه لا يمكن الجمع بين الاثنين. وأنا اخواني عند الشيوعيين، وشيوعي عند الاخوان، واخواني شيوعي فى أجهزة الأمن.
ما زال الطريق طويلاً لرأب الصدع، وجمع التيارين المتنافسين والمتخاصمين بل والمتصارعين. لقد استغرق تطور الوحي من اليهودية الى المسيحية الى الإسلام قرونا طويلة للانتقال من القانون الى المحبة الى حسن الاختيار بين أحدها وَاِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ . وهذا هو معنى التوحيد، الضم والجمع حتى يصبح الاثنان واحدا والا ظل الفكر شركاً.
AZP07