إستفادوا من الأخطاء

الغباء المقدس

إستفادوا من الأخطاء

منذ عدة ايام قد انتهيت من قراءة التوراة (من باب الاطلاع) وهو الكتاب المقدس لليهود والذي يحوي على خمسة كتب من العهد القديم ومن ثم على سبيل الفضول اطلعت على جميع ما ورد في العهد القديم من كتب واسفار ومزامير ووضعت نفسي في مكان من نقله او من عاشه وهو ما جعلني اقرأ بعض الشروحات والتقارير كي افهم ما موجود بها خصوصاً وإني اطلع عليها للمرة الاولى.

احدى هذه الشروحات هو فيلم وثائقي امريكي يشرح الاسباب والظروف التي احاطت بكتابة هذه الكتب واسبابها  خصوصا وان احداث كتابتها استمرت لأكثر من الفي عامٍ لنبوة النبي موسى نبي اليهود واحد انبياء بني اسرائيل  فما الذي جعل هؤلاء يكتبون ما كتبوه؟ وزمان ومكان وظروف الكتابة؟ يقول هذا التقرير ان التوراة (بكتبها الخمسة) كتبت في بابل بعد السبي البابلي الذي قام به نبوخذ نصر لأورشليم تخلله احراقاً تاما لهيكلهم وسبي ما يقدر بعشرة الاف اسرائيلي من سلالة يعقوب.

إذاً كيف لسلالة نبي ابن نبي حفيد نبي ابو انبياءٍ وملوك عظام  يسبَون ويقتلون ويهانون وهم اشراف وصالحون؟ هل هنالك سببٌ او حكمةٌ ما؟ التوراة بكتبها وكذلك العهد القديم برمته يشرح تقلب بنو اسرائيل واسباطهم الاثني عشر وامور الخيانات والمؤامرات التي يحيكونها لبعض وكيف تبوأ ملوكهم الحكم وكيف تولى انبيائهم وتنبأ بعضهم بنبوته عليهم  لا اريد ان اشرح الكيفية التي طرحوا بها ما سبق ذكره  لأنها لا تليق بنبي ولا بملكٍ ولا بشريف  لكن هنالك سببٌ ووجهةُ نظرٍ عرضها التقرير الامريكي عن هذه الظروف والاسباب.

اولى اهم الاسباب التي جعلت منهم مشردين واذلاء عند اعدائهم هو انهم خالفوا شرع الله  عبدوا البعل والاصنام واشركوا بالله او كما يسمونه (يهوا) وكذلك اللعنات التي اصابتهم بفعل افعال ملوكهم وبعض انبيائهم كداود مثلا عندما تسبب بمقتل جندي له كي يسرق زوجته (بتشبع) او مثلا خداع يعقوب لأبيه اسحق كي يمسحه كنبيٍ وزعيمٍ على قومه  لعناتٌ وقعت على السلف اضافةً الى افعال الخلف خصوصاً التحذيرات الأخيرة لأرميا التي قوبلت بجفاءٍ اودت ببني اسرائيل لمعسكرات الذلة في بابل سبعون عاماً حتى خلصهم كورش الفارسي من الاسر.

ما سبق من مقدمةٍ مقتضبةٍ عن العهد القديم يطرح تساؤلاً مهماً  هل استفاد بنو اسرائيل من اخطائهم بعد خمسة الاف سنة؟ نعم … قد توحدوا واضحوا بعددهم الذي لا يصل لخمسة عشر مليوناً من البشر متحكمين بمصائر الكرة الارضية بفعل استفادتهم من اخطائهم ليس هذا فحسب بل جعلوا من اعدائهم المسلمون واولاد عمومتهم العرب لعبةً بأيديهم يفعلوا بهم كيف ما يحلو لهم بالرغم من انهم على مرمى حجر منهم  لماذا لم ولا نستفد من اخطائنا؟ لماذا نبحث عن كلِ شيءٍ يفرق فيما بيننا  كتبنا افكارنا وحتى القنوات الفضائية التي تزرع الفرقة بين العربي واخيه والمسلم ونظيره المسلم وحتى بين ابناء الطائفة الواحدة  وهم جالسون بموقف المتفرج الشامت بنا ونحن لا حول ولا قوة  لا بل نعرف ان فرقتنا تقويهم ونحن مستمرون بشقاقنا ونفاقنا وفرقتنا التي جعلت منا اضحوكة العالم واضحوكة عدونا.

دعونا نحصي المؤسسات والكتب والمدارس والاحزاب التي تجند المال والانفس لنشر الاختلاف والفرقة بيننا كعرب ومسلمين معتمدون على بضعة مؤلفات تنشر الاختلاف والفتنة بين الاخ أخيه  أنستطيع عدها؟ ام ان عددها تجاوز حدود ان نعدها؟ خصوصا وان الحرب بدلاً من ان تكون مع العدو اصبحت الان مع الاخ المسلم والاخ العربي ووصل الحد بين الصديق وصديقه والاخ ضد اخيه  لماذا هذا كله؟ أ لأنه مختلف عني؟ أ لأنني ارى انه يدخل الجنة وانا لا؟ أ لأنني اشعر بالغبن كون المكون الديني او الطائفي او الفكري الذي لا انتمي له تسلم حكماً ما او وزارةٍ ما او حصل على مكاسب اكثر مني؟ لماذا لا نتجاوز هذه الامور التي دمرتنا لما يقارب على 1400 عام من الحروب والدماء؟ لماذا لا نتعلم من اسرائيل التي تعلمت من اخطائها؟ او اوربا في عصر نهضتها وتنويرها؟ او من الصين بعد تحررها وتوحدها؟ او من امريكا وحربها الاهلية او من جنوب افريقيا وحروبها العنصرية؟ لماذا لا نتعلم؟ لماذا نأبى الخروج من قمقم الجهل؟ الجهل الذي جعل منا فريسةً لكل من هب ودب ان يستغل اراضينا وثرواتنا التي اضحت غنيمة لمن يثير الفتن وينشر الدم والحروب المستعرة التي لن تنطفئ … ابداً. اذا كان ما يثير الفتن بضعة كتبٍ وبضعةُ سياسيين وبضعة عماماتٍ بمختلف اشكالها  فاحرقوا الكتب وتخلصوا من السياسي والمعمم  وتجاوزوا ما يجعلكم مختلفون مع بعض  وتأكدوا ان من ألّف هذه الكتب يريد بكم شراً كما يريده بكم عدوكم  فتفكروا واهضموا هذه الافكار الهدامة كي لا تجعل منكم فريسةً وصيداً سهلاً لمن يستغل هذا الغباء المقدس الذي وجدتموه من ابائكم فتورثونه لأبنائكم  أفلا تعقلون؟.

محمد فاضل الدربيل – بغداد