ألفاظ وتراكيب قرآنية في شعر السياب .. مثاليات تصطدم بالواقع -3-
زاهد الحمزاوي
لقد كان في أعماق السيّاب بركانا سيًابيا هائلا , لا يقوى السيّاب العادي على إيقاف أمواجه الصاخبة التي ستتدفق طوال حياتها القصيرة . نجدها خرجت من أعماق نفسه وفي قطعة شعرية اخرى وزخرفة موسيقية اخرى يطرق السياب ويرسم لوحة جديدة متوافقة معا للنهج القرآني , ولعله أبدع أيُ أبداع وهو يجري مقارنة بين ما أصابه وما أصاب نبي الله أيوب ( عليه السلام ) , النبي الذي أبتعد عن أهله وأبنائه وقومه , فالسيًاب هنا يدعو الله تعالى كما دعا أيوب ( عليه السلام ) ربًه أن يشفيه من مرضه , إلا إن السيًاب أراد العودة الى داره بعد ان أصابه المرض , وهو يصف حال أيوب و حال أطفاله بعد ان أقعده المرض , فالشاعر يصور مأساته وآلآمه وحزنه ومرضه بإطار قصصي ينقل لنا معاناة النبي أيوب , فقال في قصيدة ( سفر أيوب ) :
أطفال أيّوب من يرعاهم الآنا
ضاعوا ضياع اليتامى في دجى شات
يا رب أرجع على أيوب ما كانا
جيكور والشمس والأطفال راكضة بين النخيلات
وزوجة تتمرّى وهي تبتسم
أو ترقب الباب تعدو كلّما قرعا
لعله رجعا
مشاءة دون عكّاز به القدم
وهذا ما نجده واضحا في قوله تعالى ( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ,فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ .
مواكبة الواقع
ظلًت حالة الظلم مواكبة لواقع السيًاب , لكنًه عالجها برؤى رومانسية معبرة , وبرؤى واقعية ،كشاعر خصب العاطفة وبخيال جامح . ورغم أنً الشاعر يؤمن بالمثاليات, لكنًه دائما يصطدم بالواقع المؤلم , وبالمواقف الواقعية .
فذكر هنا قصة نبي الله عيسى ( عليه السلام ) وكيف يبعث الحياة في الميت فيقول ( فسار يبعث الحياة في الضريح ) , وليس بعث الحياة فقط بل الشفاء من المرض في قوله ( ويبرئ الأبرص أو يجدد البصر ) , وهذا المعنى الذي جسده السياب , ونجد ذلك في قوله تعالى { وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }(1) , كما يقول في مكان آخر : “سيبرئ الأعمى – ويبعث من قرار القبر ميتا” ونجد ذلك في قصيدته ( شناشيل ابنة الجلبي ) :
سيصلب منه حب الآخرين سيبرئ الأعمى
ويبعث في قرار القبر ميتا هده التعب
من السفر الطويل الى ظلام الموت يكسو عظمه اللحما
ويوقد قلبها لثلجي فهو بحبه يثب!)
وفي موضع آخر في قصيدته (مدينة السندباد ) فيقول :
وكللت جبينه الغضير بالثمر
خيّل للجياع أنّ كاهل المسيح
أزاح عن مدفنه الحجر
فسار يبعث الحياة في الضّريح
ويبرئ الأبرص أو يجدّد البصر
من الذي أطلق من عقالها الذئاب
من الذي سقى من السّراب
وفي إشارة اخرج للشاعر في دعوته الى الخروج ممًا هو فيه يذكر ( نجاة نوح ) , في القصة القرآنية المعروفة عندما قام نبي الله نوح بأنشاء السفينة فكانت لهم بابا للنجاة , ها هو الشاعر يدعو الله تعالى الذي انجى نوح ان ينجيه و يرجعه , ولكن الى من يرجعه ؟ الى وطنه , فهنا تتجسد عاطفة الشاعر وهويته وهذا ما كان واضحا في قصيدته (سفر أيوب ),
وقد جسد قصة نوح ( عليه السلام ) بذلك الإطار في القصيدة فقال :
يا منجيا فلك نوح مزّق السّدفا
عني أعدني إلى داري إلى وطني
أطفال أيّوب من يرعاهم الآنا
ضاعوا ضياع اليتامى في دجى شات
يا رب أرجع على أيوب ما كانا
جيكور والشمس والأطفال راكضة بين النخيلات
وزوجة تتمرّى وهي تبتسم
أو ترقب الباب تعدو كلّما قرعا
لعله رجعا
مشاءة دون عكّاز به القدم
وقال السياب في قصيدة ( رؤيا ) :
إنها عادت هشيما يوم أن أمسيت ريحا
في غيمة الرؤيا
يوم بلا ميعاد
جنكيز هل يحيا
جنكيز في بغداد
عين بلا أجفان
تمتد من روحي
شدق بلا أسنان
ينداح في الريح
يعوي أنا الإنسان
فقال (إنها عادت هشيما يوم أن أمسيت ريحا ) , تذكرنا كلمة (هشيما ) بقوله تعالى( وَاضْرِبْ لَهُم مثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ) .
السيًاب شاعرُ وضع أسس التجديد في القصيدة الحديثة إطار عصري حديث , فكان للرمز مرتكزا أساسيا في معظم قصائده إن لم يكن كلها , فهو يستحضره فيكون لكل نص رمزا أو رموزا معينة بحسب ما يطرقه الشاعر من أفكار ، والسياب واحد من ابرز شعراء الحداثة والواقعية الجديدة دون منازع , حتى قيل لم يستعمل شاعر عربي الرمز كما استعمله , وخاصة تركيزه على الرمز الديني وما نقله القران لنا .
نبوءة زائفة
ففي القصيدة ( النبوءة الزائفة ) وبأسلوب جميل ورائع أراد الشاعر أن يبلغ المجرمين بأن الوعد قادم وأستعمل له الفاظ دالة على قوته بأسلوب شعري , قد استعان فكرته من القرآن , عندما وعد الله المجرمين بالحساب , ولا رجعة لهم من دونه , فالقران يقول (يَوْمَ الْآزِفَةِ) و (أَزِفَتِ الْآزِفَةُ ) بحلول ذلك اليوم على الظالمين والمجرمين , كما في قوله تعالى ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ), وقوله تعالى ( أَزِفَتِ الْآزِفَةُ , لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ ) , فالقرآن يحذرهم باقتراب هذا اليوم ( يوم القيامة ) , والشاعر يقول ( أزف الوعد ) , أي كأنًه يمثل اقتراب وعدهم بالهلاك كاقتراب يوما لقيامة بهلاك الظالمين , ونجد ذلك في قصيدته , فقال :
الوعد لقد أزف الوعد
فيا قبضة الله يا عاصفات
ويا قاصفات ويا صاعقة
ألا زلزلي ما بناه الطغاة
بنيران كالماحقة
إنً فكرة التقيد بالأساليب والقوالب النحوية تعطي للقصيدة رونقا وجمالا , فالسيًاب ذلك الشاعر الذي نهل من بيئته ومن تراث وطنه , ومن تلك المدارس التي منحته القابلية على ان تكون له صياغات جميلة وفق إطار نحوي وتركيبة تتضمن الصورة من خلال اللفظة القرآنية والمدلول النحوي لها . ففي قصيدته ( ربيع الجزائر ) كانت عبارة (لو تستطيع الكلام —- لصبت على الظالمين حميما من اللعنات ) , فانه أستعمل اللفظة القرانية وفق تركيب الجملة مع إستعمال أسلوب التمني الذي كان واضحا في عبارته , وهذا الطرق الذي طرقه السياب مستوحى من قوله تعالى ( فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ) في قصيدته:
عيون تحدّق تحت الثرى
تحدق في عورة العاجزين
لو تستطيع الكلام
لصبّت على الظالمين
حميما من اللعنات من العار من كل غيظ دفين
ربيعك يمضغ قيح السلام
الشاعر السيًاب يجد نفسه بعيدا عن الأحياء فهو ميتً لا ينتظر إلا النشور . ولذلك نجد الفكرة عنده , وهي فكرة الاحياء والنشور , ففي قصيدته ( أم البروم ) يذكر فيها لفظة النشور فيقول :
سلام جال فيه الدمع و الآهات والوجد
على المتبدلات لحودهم والغاديات قبورهم طرقا
وطيب رقادهم أرقا
يحن الى النشور ويحس العجلات في الدرب
ويرقب موعد الرًب
ويجسد نفس المعنى في قصيدته (أبن الشهيد ) فقال :
وأضاء وجه الفوضوي ينز بالدم والصديد
وكأن في أفق العروبة منه خيطا من رغاب
وتنفس الغد في اليتيم ومد في عينيه شمسه
فرأى القبور يهب موتاهن فوجا بعد فوج
أكفانها هرئت
وفكرة النشور فكرة دينية قرآنية تتحدث عن البعث بعد الموت استخدمها الشعراء كثيرا مجازا وعلى حقيقتها وهنا يستعيرها السياب للتعبير عن عودة الحياة لموتى الحياة وترد هذه الفكرة المفردة في قصيدته المومس العمياء والقصائد
الاخرى , و قد وفق الشاعر في تصوير موتى الحياة من رواد المباغي وحوانيت الخمور اللذين يحاولون ان يهربوا من الموت فيلوذون به , وقد صرح به في أكثر من قصيدة , وذكره بوضوح في قصيدته ( المومس العمياء ) فقال :
والأعين التعبى تفتش عن خيال في سواها
وتعد آنية تلألأ في حوانيت الخمور
موتى تخاف من النشور
قالوا سنهرب ،ثم لاذوا بالقبور من القبور!
وهذه الفكرة طرقها القران الكريم (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)
وفي موضع ثان يبدع السيًاب في توظيف لفظة “قضي الأمر” , التي تستعمل في عدم الرجعة في شيء ما , لأنه تحقق الانتهاء فيه , وهذا ما ذكر في القرآن في قوله تعالى (يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ) , وقد استخدمت هذه اللفظة في القران ( 7 مرات ) , وقد جاءت لإنهاء الخلاف في أمر معين وتحديد واجهة معينة , وأستعملها السياب في حسم أمره بالسفر . في قصيدته ( يوم السفر ) :
من لقلبي على قدر
قضي الأمر بالسفر
آه لو أنه مضى
معهم يتبع الأثر
وإستعمال الشاعر للفظة ( النفخ ) عند الشاعر تدل على إيحاءات مختلفة تنسجم مع هواجسه ومشاعرها النفسية المتباينة من موقف لآخر , مما يؤدي الى التجديد بالصورة الشعرية , ليرسمها في لوحات شعرية ذات طابع حسي حيث يبعث حياة جديدة للإنسان , وفيه جانب من جوانب القوة حين صدورها , فأستعملها السيًاب من جانب القوة بأن يكون له صوت مدوًي لابد ان يسمع . وهذا ما جاء في القرآن ( وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ) , وقد ورد النفخ في الصور في القران ( أربع مرات ) . فقال السيًاب في ذلك وفي قصيدته ( هدير البحر و الأشواق) , حيث قال :
ولو أصبحت خفقا أو دما فيه أو سرّا
فإن أحببتك الحب الذي أقسى من الموت
وأعنف من لظى البركان والحب الذي يأتي
إليّ كأنّ نفخ الصور فيه فكل ذرا لميتين دم وأحياء
فذاك لأنك النور الذي عرى دجى الأعمى
إنً قضية نزوع السيًاب الى الألفاظ القرآنية هو تعزيز وغنى لتجربته الشعرية , ونجده و بحوادثه وشخوصه ، ورؤى توحد بين الأزمنة والأمكنة والماضي والحاضر ،وتفاعل مع الوقت المعاش الذي يعد الشاعر جزءا فاعلا فيه مؤثرا ومتأثرا وهذه هي مزية الشاعر الكبير الذي يشعر بجوهر الأشياء ويكشف لك عن لبابها وصلتها بالحياة .
وفي قصيدته ( قافلة الضياع ) ذكر لفظ ( المن والسلوى ) , وقد أخذت من قوله تعالى ( وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) وكذلك قوله تعالى ( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أنحيناكم مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطور الأيمن وَنَزَّلْنَا علَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ), وقول السياب في قصيدته :
من يدفن الموتى لنعرف أننا بشر جديد
في كل شهر من شهور الجوع يومي يوم عيد
فنخف نحمل من تذاكرنا صليب اللاجئين
يا مكتب الغوث في سيناء هب للتائهين
منا وسلوى من شعير والمشيمة للجنين
واستعمال السيًاب للفظة ( المن والسلوى ) كضرورة أمان وراحة للاجئين كما أستعمله القرآن كضرورة أمان وخير لبني إسرائيل .ولنلاحظ هذه الكلمات في قصيدته ( ظلال الحب ) , قال :
والعصر مخضوب البنان
وأزهار الحقل الحسان
والصبح يملأ بالندى
عطرا سلال الأقحوان
والبدر وهو مظله
لليل تمتلك افتناني
إن الفؤاد لفي ضلال
ان التأثر باللفظ لا يبدو جليا هنا لكن الجملة تأخذك مباشرة الى آية قرآنية( وَالْعَصْرِ , إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ) , فهو يستخدم اللفظة كما في ( والعصر ) ويستخدم النمط ألقراني , أي قال على نفس النمط (إن الفؤاد لفي ضلال ) , ولكن اختلفت لفظة (خُسْر ) عن لفظة ( ضلال ) . كما هو واضح في القصيدة .
إن ظاهرة الرمزية عند شعراء الشعر الحر تعني الدلالة على ماوراء تلك الرموز والألفاظ والتراكيب من معان متعلقة بحياة الشاعر أو ما يحيط به وترجمتها وفق إطار نثري أو شعري , بحيث تكون تلك الألفاظ المستعملة من قبل الشاعر مقصودة وموضوعة في مكانها الصحيح لكي تؤدي الغرض المنشود منها , ولعلها مشابهة للحركات التي يفعلها الأنسان في مواقف معينة دون غيرها , كما في حركة العين أو الشفتين التي يعبر بهما الإنسان عن مقاصد معينة في مواقف مقصودة , لذلك لا تحصل هذه الأشياء الا من خلال التراكم المعرفي الذي يكون عند الشاعر من خلال تجارب واسعة ومعمقة في حياته , سواء على صعيد التجربة الحسية الشخصية أو ما ينقل له من تجارب الآخرين , وما يخزنه الشاعر في أعمق نفسه من مواقف لا يستطيع البوح بها بصورة جلية وواضحة لأسباب قد تكون مجتمعية في بعض الأحيان أو بيئية , ويمكن القول إن ذلك يجعل من القالب الشعري للشاعر أجمل بكثير من التجارب الظاهرة التي تنقل له . لذلك نجد الناقد يكون أكثر دقة في نقده ويحتاج الى ثقافة أوسع في فهم نص الشعراء الذين يعبرون عن مكنونات أنفسهم بصورة رمزية .
ومن تأثير القرآن مضمونًا ما قاله السياب : عبر قصيدة ( المخبر ) :
وتقول: أصبح لا يراني.. بيد أن دمي يراك
إني أحسّك في الهواء وفي عيون القارئين
لِمَ يقرؤون وينظرون إليّ حيناً بعد حين
كالشامتين؟
سيعلمون من الذي هو في ضلال
ولأيّنا صدأ القيود.. لأيّنا صدأ القيود
مقطع شعري
حيث ذكر الشاعر ( سيعلمون من الذي في ضلال ) , وهذا التركيب في هذا المقطع الشعري ضمنه الشاعر السيًاب من قوله تعالى ( الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ) .
كان من الأمور التي لها مفهوم خاص عند السياب هو مفهوم (المطر) , وهو عنده رمز موحي بالحياة و الأمل , فقد تعامل في صياغة فكرة المطر بصورة سحرية جمالية , لانه يعده العطاء الذي يستمد منه الشاعر عنفوانه , فهو عنده رمزا بكل ما تعنيه هذه اللفظة . لذلك أستعمل تلك اللفظة في كل ما أراد ان يجسده في قصائده , من أفكار موحية بالأمل , والثورة ضد الظلم والطغيان .
وهذه الفكرة , أي فكرة كون المطر المنطلق لكل مدارات الأحياء في فكر الشاعر , والتي تجعله دائما يجسد من خلال اللفظة كل معاني الحياة , هذه اللفظة ومعانيها وفكرة الإحياء قد أستلهما الشاعر من القران الكريم في قوله تعالى ( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ) .
ففكرة الإحياء ذكرت في تلك الآية فأي شيء لا يمكن أن يحيى الا بوجود الماء , وهذا ما كان منطلق في فكرة الأمل والانبعاث والفرح عند الشاعر السيًاب , وقد عُدً الماء والمطر الرمز الكثير التكرار في قصائد الشاعر , فإذا تأملنا في قصائد الشاعر نجد نسبة كبيرة قد احتوت هذا المعنى واللفظ , والتي سنذكرها , فقصيدته ( أقداح وأحلام) , قال الشاعر فيها :
أنا لا أزال وفي يدي قدحي
يا ليل أين تفرق الشرب
مازلت أشربها وأشربها
حتى ترنح أفقك الرحب
الشرق عُفر بالضباب فما
يبدو فأين سناك يا غرب؟
وذكرتها فبكيت من ألمي
وذكر ذلك في قصيدته ( في انتظار رسالة ) , قال :
كالماء يصعد من قرار الارض نز الى العيون دمي
وتحرقت قطراته المتلاحقات لتستحيل الى دموع
يخنقني فأصك أسناني لتنقذف الضلوع
موجا تحطم فوقهن وذاب في العدم
وهنا يبدو ان السياب يميل الى الحزن أوقات المطر وطالما استخدم مفردة المطر كحدث و مفردة توحي بالحزن والوحدة والغربة . وكذلك نجد هذه المدلولات في قصائده (الغيمة الغريبة – يا نهر– صياح البط البري – هدير البحر والاشواق – “أسمعه يبكي” , إنشودة المطر – “غريب على الخليج”- والخليج من قاموس الماء 0وقصيدة “قارئ الدم” و”النهر والموت” و”مدينة بلا مطر”
وقصيدة “بورسعيد” الذي نجد في هذه القصيدة ان الشاعر لم يكتفي باللفظ الماء ومتعلقاته كالنهر والكأس ’ بل توسع في فكرته فأختار متعلقات أخر فهو يختار مدينة بور سعيد تلك المدينة المصرية الساحلية التي ذكر اسمها كعنوان لقصيدته فقال :
نحن الذين اقتلعنا من أسافلها
لاة و عزّى و أعليناه أنسانا
حييت بورت سعيد من مسيل دم
لولا افتداء لما يغليه ماهانا
عاناك في الليّل داج من جحافلها
نورا من الله أعماها و نيرانا
ما عاد ليل قد استخفى بأقنعة
من أوجه الناس لولا أنت عريانا
وذكر ضمير الفصل في قصيدة (سفر أيوب ) حيث قال :
وإن مسّت النار حرّ الجبين
توهّمتُها قُبلة منك مجبولة من لهيب.
جميل هو السّهدُ أرعى سماك
بعينيّ حتى تغيب النجوم
ويلمس شبّاك داري سناك
وكذلك في نفس قصيدة ( سفر أيوب ) يذكر ذلك ( جميل هو الليل) فيقول : جميل هو الليل أصداء بوم
وأبواق سيارة من بعيد
وآهاتُ مرضى ، وأم تُعيد
واستعمال ضمير الفصل للتوكيد جاء في القراآن في آيات كثير , ومنها قوله تعالى ( إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ).
ومن التعبيرات القرآنية التي وصف بها الله تعالى الجنة وما ادخره لأهلها لفظة ( حور العين ) , كما في قوله تعالى ( كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ , يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ ), وكذلك ( وَحُورٌ عِينٌ , كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ), ونجد الشاعر قد ضمنه قصائده تلك الالفاظ بصورة شعرية جميلة , وهذا ما نجده في قصيدته ( هل كان حبا ) حيث قال في قصيدته :
العيون الحور لو أصبحن ظلاً في شرابي
جفت الأقداح في أيدي صحابي
دون أن يحظين حتى بالحباب
هيئي يا كأس من حافاتك السكرى مكانا
تتلاقى فيه يوما شفتانا
في خفوق والتهاب
وابتعاد شاع في آفاقه ظل اقتراب
وكذلك في قصيدته ( رثاء القطيع ):
أما أرقت عين هذا التراب
دموع لها فوقه منسجم
من الأعين الحور ينبوعها
فهل تصبح اليوم تحت القدم
لقد زوقت تحت أيدي الأصيل
سفوح الروابي بظل القمم.























