أصفهان في عيون صحفي عراقي (2 -4)

أصفهان في عيون صحفي عراقي (2 -4)

مسجد عباس إستغرق بناؤه 62 عاماً

حمدي العطار

اصفهان

أصفهان وأثار الدولة الصفوية

أرتبطت كلمة (الصفوي) بذهنية أي عراقي كأي شتيمة أن لم تكن تهمة،يتم تداولها في الاعلام والجميع يعلم بأنها تطلق على السياسيين من الأحزاب الإسلامية الشيعية وهي تهمة ذات حدين ،الأولى تعني الولاء الى إيران كدولة (شيعية)والثانية البعد التاريخي للدولة الصفوية ومرحلة احتلالها للعراق،ويبدو عداء الطرف الآخر من المشهد السياسي (السني) للصفوية ليس سببه احتلال العراق من إيران في عهد الدولة الصفوية ! لأن العراق قد احتل أيضا من تركيا ولفترة أطول فلماذا لا يطلق كلمة (عثماني)كشتيمة او تهمة لمن يحابي تركيا ويتقرب منها !! القضية أعمق من ذلك وهم يعرفون،أن السبب هو ان الصفويين قد حولوا ايران من دولة سنية الى دولة شيعية! حينما كنت أتحدث مع احد الايرانيين من اصفهان هذا الحديث رد علي بهدوء:- كذلك حول صلاح الدين الايوبي مصر الفاطمية الشيعية الى دولة سنية،قلت له يعني وحدة بوحدة ،تعادل،علينا اذن قبول امر الواقع والتعامل مع (أصفهان) عاصمة الدولة الصفوية والمدينة السياحية التاريخية بعيدا عن التعصب المذهبي.

أصفهان قبل أن تكون عاصمة الدولة الصفوية “أواخر القرن السابع عشر الميلادي” فهي مدينة مميزة بحضورها التاريخيي  وجمال طبيعتها ومناخها وموقعها الجغرافي المنيع حيث تحيط الجبال بمدينة أصفهان وقد اتخذها البويهيون والسلاجقة عاصمة لهم ومن بعدهم   اختارها  الشاه “عباس الصفوي ” عاصمة  للدولة الصفوية بدلا من  مدينة “تبريز ” لتزداد جمالا وتألقا وحضارة ،وقد أستعان الشاه الصفوي بالعلامة الشيخ “البهائي الاصفهاني” وهو الشيخ اللبناني الاصل من بعلبك – محمد بن حسين الحارثي – المعروف بالبهائي (1547- 1621 ) ولد في لبنان وتوفي في اصفهان ونقل جثمانه ليدفن في مدينة مشهد المقدسة  بجانب الامام الرضا (ع) ،كان لهذا الشيخ لمساته الواضحة في الاثار التاريخية للدولة الصفوية،هذا العلامة بالاضافة الى كونه عالما دينيا وكاتبا ومؤلفا عظيم له اجتهادات في المعمار الهندسي هي اليوم محط اعجاب في كل دول العالم،وأستحدثت الدولة الصفوية منصب  “شيخ الأسلام”  كمرجع اعلى للشيعة وأول من تمتع بهذا اللقب هو الشيخ “البهائي الاصفهاني”،، كنا متحمسين للذهاب الى “ميدان الامام” ولتسمية هذا الميدان قصة ايضا ،ففي الدولة الصفوية كان يطلق على الميدان “نقش جيهان” وتعني بالعربية “صورة العالم” وفي عهد الشاه بهلوي كان يطلق على الميدان “ميدان الشاه” وبعد الثورة الاسلامية في ايران قالوا بأن ليس في ايران ملك او شاه نحن لدينا (امام) لهذا سمي الميدان (ميدان الامام)،كنا قد وصلنا صباحا الى ميدان الامام ،والميدان في أي وقت دائم الحركة والنشاط،أفواج من السائحين يتجمعون هنا وهناك للاطلاع على (قصر الملك وجامع الامام ومسجد الشيخ لطف الله) ويرتادون محلات التحف التراثية التي تحيط من كل جانب بالميدان ، ،محلات بيع التحف والنحاسيات والملابس التراثية والتذكارات ومحلات بيع الحلويات خاصة (الكز) – من السما – المحشي بالفستق والجوز واللوز والذي تشتهر به اصفهان وكذلك (الفالوده) الموطا التي يقبل عليها الأصفهانيون والعراقيون والسواح الاجانب،الميدان مستطيل الشكل يبلغ طوله نصف كم وعرضه 160 م على جانبيه المباني التراثية ذات المعمار الهندسي الاسلامي، تتوسطها أحواض الماء وتحيط بها الأشجار الخضر .

أبداعات الشيخ البهائي الاصفهاني

يصر مرافقنا على ذكر ابداعات الشيخ البهائي ومعجزاته في ميدان الامام،فهو يقودنا اولا الى (قصر الملك) أو الشاه ويسمى (قصر عالي قابو) وهو من المباني التي شيدت في عهد الشاه عباس الكبير في القرن الحادي عشر هجرية ،وفي هذا المبنى كانت تدار شؤون الحكم في الدولة الصفوية،ويسمى ايضا (بيت الدولة)،البوابة الرئيسة للقصر مقابلة للميدان وتسمى البوابة (عالي قابو)بمعنى (الباب المقدس)، ومن هنا نستطيع ان نرى المكان الذي وكان الملوك في الدولة الصفوية  يستقبلون  ضيوفهم لمتابعة العاب الصولجان وكذلك رؤية الشرفة التي كان الشاه وعائلته يحيون الجماهير في احتفالات أعياد نيروز ، وعند دخولنا الى القصر تواجهنا قاعتين الاولى استخدمت لرئيس المحكمة والثانية مخصصة لرئيس السدنة ،وهناك غرفتان صغيرتان تطلق عليهما  (دار المراقبة) واظن هي مخصصة لحراس القصر ،جدران القصر مزينة بالذهب والمنمنمات الرائعة الجمال ،ويشاهد على الجدران ايضا صورا لأشخاص ايرانيين واجانب،ويوجد حوض ماء في وسط القصر بني من الحجر والنحاس،ويذكر بأنه كان شاه عباس الصفوي  يقوم بنقل احد الابواب  للصحن الحيدري من النجف الاشرف الى هذا القصر ،لمسات “البهائي الاصفاني” بالاضافة الى المعمار الهندسي الجميل هناك معجزة في غرفة الموسيقى الموجدة في الطابق العلوي، في هذه الغرفة كانت الفرقة الموسيقية تأتي لتعزف مقطوعات موسيقية وتغلق الغرفة وترحل عن القصر وحينما يأتي الشاه ليحي الجماهير في اعياد الربيع (نيروز) يفتح باب غرفة الموسيقى لتصدح انغام الموسيقى برغم من عدم وجود الفرقة!

غادرنا – كاخ عالي قابو –  وتوجهنا الى (جامع الامام) وكان اسمه (مسجد جامع عباسي) ويعد من اجمل المساجد في اصفهان وحتى في ايران!يقع هذا المسجد في الضلع الجنوبي من الميدان يرجع تاريخ تشييده الى سنة 1020 بأمر من شاه عباس الاول واستغرق بناؤه 26 سنة ،صنع الباب الرئيس من خشب الصاج واللولب، وفي المسجد هناك مدرستان في زاويتي المسجد احداهما مدرسة الناصري وقد تم ترميمها في فترة “ناصر الدين شاه” والثانية مدرسة السليمانية والتي تمت في فترة “شاه سليمان” ومن عجائب الشيخ البهائي الاصفهاني  هي “الاصوات السبعة” وتعني  حينما نقف في وسط احدى قاعات المسجد ونضرب قدمنا بالارض تصدر سبعة اصوات من سقف القاعة وكذلك في حالة التصفيق! وهناك حالة ابداعية اخرى في المسجد في القاعة نفسها ،وهي حينما نتكلم بصوت منخفض في احدى الزوايا المحددة يستطيع من يقف في زاوية اخرى موازية ان يسمع كلامنا بوضوح،، خرجنا من مسجد الامام ونحن نسير للذهاب الى جامع الشيخ لطف الله وبين كل اثر تاريخي وآخر نمر الى عشرات المحلات التي نرى فها العاملين يشتغلون لزخرفة الصحون بآلآيات القرانية والاحاديث النبوية وعبارات للأمام علي (ع)،ونتمتع برذاذ ماء النافورات ،بينما تمر العربات وهي تنقل السائحين الاجانب دورات حول الحوض الذي يتوسط الميدان،مسجد الشيخ لطف الله يقع في الضلع الشرقي للميدان ، ويعد هذه المبنى من أفضل الاثار في عهد الصفويين وفي هذا المبنى هناك لمحات اثرية صينية وهناك الزخرفة القيشانية المعرقة الثمينة في داخل القبة ،وسمي هذا المسجد بأسم الشيخ لطف الله وهو من كبار علماء عصر الصفويين وهو الاخر كان من اصل لبناني ومن اهالي الجبل وهو والد زوجة الشاه عباس الصفوي  ،والمسجد من ابداعات الفنان علي رضا عباسي ،وهناك اشعار تشاهدها على نقوش الضلع الشرقي والغربي من المسجد ،أما الرسوم الجدارية فهي تمثل النباتات التي تذكر في الجنة .وفي الساحة نوجد عمارة “توحيد خانة” كان معبدا للدروايش في مرحلة تاريخية وأصبح في زمن الشاه سجنا وهناك شارع رئيس يسمى “جهار باغ” يخترق أصفهان من شمالها الى جنوبها وكذلك في جوانب الميدان هناك سوق “بازارجه بلند” وهو من أكبر الأسواق في أصفهان هناك اثران في اصفهان يبحث عنهما السائح لزيارتهما رغم انه سوف لا يرى الا ذكرى المعجزات فيهما ،هناك المنارتان اللتان يطلق عليهما “منار جنبان”  تقعان في قرية “كالالدان” وتذكر بصعوبة مكان هاتين المنارتين قبل عشرات السنين حيث كانت تحيط بها الارض الخالية من المباني والعمران بينما اليوم نرى القرية قد اصبحت (عصرية) عمارات ومحلات ومطاعم وشوارع واسعة وأشجار ، المنارتين تقعان على بناء مقبرة لأحد الزهاد ، ولهذه المنارتين خاصية التحرك !أرتفاعهما 17 مترا وتبتعد واحدة عن الاخرى 9 امتار والشيء المميز في هاتين المنارتين هي بحركة الواحدة منهما تتحرك الاخرى ويمكن ملاحظة هذه الحركة من خلال وضع اناء من الماء عليها ،في الوقت الحالي لا يسمح بتحريك هاتين المنارتين لغرض المحافظة عليهما! الاعجوبة الاخرى للشيخ البهائي الاصفهاني هي (الحمام) الذي بقي يسخن ماؤه مئات السنوات على (الشمعة) حتى جاء الانكليز الى الاصفهان وارادوا ان يعرفوا سر الشمعة التي تبقى تشتعل مئات السنين وتوفر الماء الحار بالحمام ،اخذوا الشمعة الى مختبراتهم ولم يكشفوا سرها وفقد الحمام الماء الحار نهائيا واصبح متحفا يحكى قصته للسواح!!

اليونسكو تنقذ  اثار أصفهان

في الاضطرابات السياسية ومراحل الاحتلال الاجنبي وكذلك بالحروب تتعرض الحضارات والأثار التاريخية الى التخريب والدمار،وكأن الحقد لا يكتفي بقتل الانسان وحاضره ومستقبله بل يريد قتل البلد مضروبا بقرون الماضي ومسح اثره،،وكثيرة هي الاحاديث التي تناولت المساس بالاثار النفيسة لمدينة اصفهان من  المتصارعين على الحكم أو عبث الفوضويين عند قيام الاضطرابات والثورات وكذلك من المحتلين حتى لو كانوا يدعون التقدم والتطور والعمران كأحتلال الانجليزي والامريكي ،وكذلك الهوس المجنون لقادة الحروب الفاشلة والتي تعمل على تحطيم المدن العريقة وحضارتها، ففي الحرب العراقية الايرانية عندما انحدرت الاخلاقية العسكرية في الصراع الى الدرك الاسفل واصبح هناك ما يسمى (بحرب المدن) كاد القصف الصاروخي ان يطول الاثار التاريخية لميدان” نقش جهان” في اصفهان فبادرت منظمة اليونسكو بمفاتحة الحكومة الايرانية لتضع تلك الاثار تحت تصرفها لتكون مسؤولية المحافظة عليها وتطويرها وصيانتها من واجبات هذه المنظمة العالمية لأنها اعدت تلك الاثار ليس ملكا للحكومة الايرانية أو الشعب الايراني بل هي ملك لشعوب العالم لذلك ينبغي المحافظة عليها ودراستها واستخلاص الدروس والعبر منها،وافقت الحكومة الايرانية على طلب منظمة اليونسكو ،وقامت تلك المنظمة بدورها بأنذار الجانب العراقي بعدم التعرض بالقصف أو التدمير لأي مرفق سياحي تاريخي ليس في اصفهان وحسب بل في كل الاراضي الايرانية،وبذلك ضمن الايرانيون وبالذات في مدينة اصفهان ان تظل هذه الاثار التاريخية شامخة ومتألقة حتى هذه اللحظة مع توفير برنامج علمي لتطويرها والمحافظة عليها وتنظيم افواج السياحة الاوربية اليها وتحديد اجور الزيارة الى هذه الاثار هو من اختصاص منظمة اليونسكو ،وهي بدورها تفرض اسعارا رمزية على المواطن الايراني بينما تفرض على السائح غير الايراني اجورا عالية! هذه الجزئية لم يستفد منها العراق وهو الذي دخل “حربا تلد اخرى” وبذلك تعرضت اثاره الى التخريب والسرقة والنهب والتهريب بشكل مبرمج ،وكان يمكن للعراق ان يبادر ويفاتح منظمة اليونسكو لمعاملة اثاره التاريخية ومتاحفه بمثل ما عوملت الاثار والمتاحف التاريخية الايرانية،ولكن كيف يحدث ذلك ورجال الحكم وحمايتهم كانوا قد استولوا على الكثير من التحف والتماثيل الاثرية قسم منها تم تهريبه وبيعه وقسم آخر وضعت في قصورهم وحدائقهم لتعد من المقتنيات الخاصة، حتى دخل الامريكان الى العراق ولتحدث اكبر سرقة وتخريب للمتاحف والاثار العراقية تحت انظار وتشجيع من الجنود الامريكان الذين كانوا يحثون الفوضويين والسراق على دخول المتحف وتدمير وسرقة ما فيه وكانهم (علي بابا)!! ونحن ندعو الحكومة العراقية والبرلمان  لأيجاد حالة من  التنسيق مع منظمة اليونسكو للمحافظة على اثارنا ومتاحفنا فهي لا زالت في خطر و مستهدفة من قبل قوى الارهاب والدول المعادية للشعب العراقي. وأن لا نستمر بنفس اللامبالاة تجاه  هذا المخطط  الذي حدد مسبقا لطمس حضارة وادي الرافدين وماضيه المشرق للتأثير على الهوية الوطنية العراقية واظنهم قد حققوا شيئا من هذا الهدف!!