ميثم الحربي وسجال الصور الشعرية وتتابعها
الحدث المُتخيّل في أقول آه.. فتكرر الكلاب نباحي
عباس مزهر السلامي
في مجموعة مِيثَم الحربي الشعرية الصادرة في بيروت عن منشورات الغاوون هذا العام والموسومة بـ أقول آه.. فتكرر الكلاب نباحي ، يستحضر الحربي قدرَ ماتسمح به مُخيّلته مشاهدَ غير مألوفة،حيث يتضح ذلك بدءاً بالعنوان وتلك اللازمة مابين النباح والكلاب ، التي كان من المُفترض أن تحتِّم عليه الذائقة الأدبية،ويستحثهُ التذوق اللفظي، لو استبدلها بلازمة مُسْتساغة لفظا ودلالة،لازمة لا تخدش شاعرية الشاعر، ولا ذوق المتلقي، كأن يقول مثلا أقول آه .. فتردد المسافات نحيبي ، وبذلك لا يبتعد الشاعر كثيراً عن آهاته ومواجعه،التي سيوصلها إلينا بلا صدى أو ضجيج يستحضر الحربي المشاهد تلك، ليحرك فيها الحدث عبر استعادته عن طريق الذكرى، كي يأتي الإستحضار بقوة فاعلة تتلاءم والمشاهد التي استعادها، لتتكامل الصور الشعرية، وتتماهى مع ماهية الحدث فتعطي بذلك دلالات تقترب ولو شزراً عما لم يفصح عنهُ الشاعر،كما في قوله
الدفّان في مدينتي
وهو ينظر الينا كجثث
فنتحول في جيب نقوده
إلى مقبرة طائلة
الدفّان» الجثث» المقبرة، الدفّان بحضوره الرمزي والجثث بتناثرها اليومي على الطرقات، والوطن الذي أضحى مقبرة كبيرة، تلك هي دلالات في مفاصل النصوص وهي على صلة في المتن الشعري تتكرر مشهديتها في واقعنا المرّ كل يوم، مفردات بهذا التطابق الدلالي تتزاحم لتشي بالمَوات الذي اعتادت عليه مدننا المنكوبة بالفوضى، والدمار، وبذا يردد الحربي ازاء تداعياتها همسهُ الرخوّ ليعلن ان كلَّ هذا يحدثُ.. على مرأى من غيبوبة السماء .
فالهمس هذا لم يسحب الحربي للمناطق الرخوة شعرياً على الرغم من تناوله لمفردات قد تُزلق الشاعر في غفلة منهُ بسطحيتها،أو لا جدوى من تناولها، وهنا تبرز مقدرة الشاعر في المواءمة بين المفردات المُشار إليها في نصه الشعري، نص عيد آخر..لا يأتي يقول فيه
أيّها الفرح بعدما حشوت أيامنا بفراقك
وقوله كذلك من النص نفسه أعلاه مخاطباً الفرح
ستُطربك طقطقة مسبحة
طفولتنا وهي تنفرط من
شدة الوجع
فالمفردات حشوت،طقطقة» تنفرط جاءت على سبيل ما قصدت، فترانا نتلذذ وجعاً بترديدها، فنكتشفُ الصلة الجامعة بين دلالة كل منها، ونحن نخاطب الفرح، وهو يمر بعيدا عنّا وكأننا وإيّاه على انفصال.
هناك بعض النصوص عنت بتفاصيلَ دقيقة وصلت حد تذوّيب الموضوع المُراد تناولهُ شعرياً في جزئيات حدثٍ مُتخيَّل،خاصةً والشاعر هو ابن القرية الذي لا يمت لها الاّ بخيوط واهنة حرِصَ على أن يجعلَ منها خيوطا شادّة، كما أفصح عن ذلك في نص ماوعدت بقوله ريثما أكبر
أحتفظ في ذاكرتي
بعمرٍ ضائع
يباغتني على شكل حنين مزمن ودموع لاتجفّ
وريفٍ موغلٍ في المناديل.. ،
حيث تستمر شهيّة الشاعر بالإسترسال الدقيق وهي تفلت من قبضة وعيه
ان عمري
واسعٌ كسدى
كتحديقة موّال في ثقب ناي
أتذكرهُ
غياباً غياباً..
ليتداعى في تشكيل الحدث» المُسْترجَع» المُتخيَّل
وكوخاً يرتدي أبي
ليُحسَّ بألفة البستان
ويحدّث أمي
لينسى انهُ يتيم
والنتيجة أننا لم نحظَ من هذا النص وتفاصيله الدقيقة، التي حرصت أن أذكرها كاملة، الاّ ببكائية ذلك الحدث المُتخيّل، ليوضح تلك العلاقة الحميمية الراسخة بين الأب و الكوخ» البستان ، والتوّحد مابينهما عبر محاكاة واضحة الحنين لكوخ الأب، وألفة البستان،انها تعني العودة لحضن الأرض، علَّ في ذلك دفعة بعد العمر الذي ضاع لدورة حياة جديدة. والقاريء بتمعن لمجموعة الحربي سيكتشف أن فيها من النصوص مايمكن تسميته بالنصوص المكثّفة شعرياً، والتكثيف هذا ناتج عن تواتر الصور وتتابعها لاتهويمها ضمن بنية النص الواحد، الذي عادة ماتغلب على موضوعاته سمة اعتماد الغرابة» الدهشة» والمفارقة، ويكون هذا النص قابلا لإستيعاب تقنية الشاعر في اختيارماتفرضهُ عليه شاعريته،كما يتضح ذلك في نص إنها التفاحة ، حيث يقول التفاحة قشّرتنا أمماً وجغرافياتٍ..
وأعطتنا لعنة تُسمى اللغة فالتفاحة هي اشارة للغواية المتأرجحة منذ البدء،تتدحرج كلما تنفس فينا نبضها، لندور وإياها في فلك السقوط بمستوياته المتباينة، حيث يحيلنا ذلك إلى تقبّل تلك الإشارة ببعديها الإيحائي والدلالي، ومن ثم التعامل معها على أساس فكرة نستحضرها،ونحن نتهجّى سرّهاـ تقول الفكرة أن التفاحة» الغواية قشرتنا قبل أن نقضمها، وحولتنا إلى ألسن مختلفة، هذا التناغم الخفي دسّهُ الشاعر بمخاتلة وإن بدت غائرة ، مع ماورد في القرآن اختلاف السنتكم ، ومن ثم يصف الشاعر الإختلاف هذا باللعنة.ليمنحه عبر الترميز بعداً آخر يرصد من خلاله اضطلاع اللغة في انتكاس الأمم أو رقيّها،
كما انه ُسيلحظ في بعض نصوص المجموعةانجرار الشاعر لمفاتن اللغة،والتوغل أبعد من وعي المتلقي في اغراءاتها،والعمل على تكثيف النص لغوياً، أي الإفراط في اختيار المفردة، التي يُخْضعها الشاعر لقياسات اللغة،دون أن يدعها تأتي مُنقادة لشعريته،وهذا ما أسميه بفعل خلخلة العلاقة بين المتلقي والنص، لإعتقاده بأن هذا يكفي لإستفزازه، وإثارته،ولهذا الإسلوب التقني في الكتابة مآخذ، إذ لايمكن أن يُقْرأ النص الا باستيعاب نسبي، حيث تكون القراءة هنا مؤدية لغرضها وحسب، ففي نص هياكل الغسق لا يصعب أبدا علينا تحديد مرتكز كل جملة شعرية، وأعني به الصور الشعرية، فيما لو تآلفت ما بينها مجتمعة نتيجة لتراتب الجملة لمثيلاتها في نسق النص،إلاّ أن هذه الألفة لم تتحقق، فالنص غائرٌ في سجال الصور، فالصورة الشعرية،ما أن نلحظها،حتى تبرق في اللحظة صورة أخرى لتطيح بها وهكذا
دمُنا يهدرنا هكذا قطرةً قطرة
لايسدّهُ سوى الإستمرار
نحملهُ فينا غسقاً لاينضب
يُعلِّقنا هياكل مُزاح موجع
يعبرنا وقتاً مزركشاً بأقمار خربة… .
فكل جملة ذكرتها آنفا هي عبارة عن صورة، وهكذا تُضَخ الصور الشعرية دفقة واحدة، لكننا لو أكملنا النص فلن نجد صورة بعينها تتصدر كي تتلقفها المخيّلة لتتوالى من بعدها الصور الأخرى فتنتظم في ذائقتنا حسبَ ما أحدثتهُ فيها من أثر.
هناك جملٌ تسربت في بعض النصوص عدّها الحربي شعرية، وسعى من خلالها لسحب المتلقي عنوةً إلى ماوراء رؤيته،لكنها باعتقادي لاتتعدى كونها تهويمات يصعب تتبعها ضمن بنية النص، وصعوبة تتبعها لاتتأتى من كونها عصيّة على الفهم، أو أننا نحتاج إلى شفرة لفكّ طلاسمها كي نتوصل لقيمتها الفنية، بل هي إسقاطات لانعوّل على الخوض فيها، ولايعول عليها حتى الشاعر نفسه لأنها تفلتت منهُ بلا وعي ، وليس كل ماينزفه اللاوعي، أو يطرحهُ اللاشعورنعدّهُ شعراً بدعوى أن الشعر لا يخضع للإفتراضات.والحقائق، ولاأجد على سبيل المثال قيمةً في قوله فيما البساتين نَسيَت أسماء ثمارها عندما أُصيبَ النارنج بالخَرَف نص مايقلقني أيضاً، لا أعتقد أنَّ أحداً باستطاعته أنْ يأوّل خرف النارنج، ليقترب من قصد الشاعر، هذا القصد المموّه على الشاعر أصلاً، ليس هناك وصف للجملة تلك سوى إنها لم تستجب للشعر،أو لنقل لم يطوعها الشعر إلى مرتبته. ومثلها هناك جملة مشابهة في النص ذاته وينتابني مثلما العصافير الشعورُ بالصداع وأسأل ماقول الحربي فيما لو أُصيبت البساتين كلها بالجنون؟؟ وماذا سنفعل نحن لو أصيب الغراب بداء الشقيقة، لسنا بحاجة لتلك التهويمات، فالمخيّلة مليئة بالمواجع، والروح ضاجّة بترّهات الواقع، لذا نحن بحاجة إلى مَن يخرجنا من هذا العبث،لا إلى مَن يؤطرهُ فوق أرواحنا المتعبة.
هذا لايعني أن مجموعة الحربي الشعرية على صغر حجمها 47 صفحة لم تحفل بنصوص إبداعية، بل أن فيها من الشعر مايُسحر،لستُ هنا بصدد تمييز نص بعينه،فكل النصوص خرجت من مشغل واحد، و سرت بخطاب شعري متعدد الرؤى،والدلالات، لذا فالقاريء لهذه المجموعة برأيي عليه أن يتعامل معها على إنها عبارة عن نص مفتوح إتخذ عناوين فرعية،وإن تباينت،فالمتون واحدة باشتغالاتها، وبذلك لن يكون من العسير على مخيّلة المتلقي من التقاط التنوع الذي أبدعهُ الحربي في كل مقطوعة» نص،فأمام المتلقي اذاً تراكيب ماثلة سوف يدعها تنتظم في مخيّلته وفقاً لرؤآه، وهنا يأتي التنوع الذي أشرتُ اليه فعله في تعدد القراءات واختلاف تأويلاتها. وفي اشارة أخيرة، قليلاَ ما يولد النص من مفردة واحدة شريطة أن يكتشف الشاعر بمقدرته التخيلية دالة تلك المفردة،وامتدادها، وحراكها الفاعل لتتعدى حدود لفظها التعبيري، وهذا ماجسدهُ الحربي في نص جسديّون ، اذ يعرّفنا الشاعر بالجسد» السؤآل الذي يتجعّد في المرايا ، الذي لم يتخط بعد حاجاته ورغباته المكبوتة،به وهو يتجسد حكمة كما الله رأيناه متكوّراً في جبِّة الحلاج يزاول التجسد ، جسديّون لانؤمن بأبعاد هذا الجسد نمارس الجسد رغبة في الحرّية هذا الجسد الممتد في الرغبة، المتماهي مع القداسة، جسديّون نحنُ في السرّ فمن العبث تنقيتهُ من الرذيلة، وتجنيبه الغواية المفروضة بدءاً.
/7/2012 Issue 4240 – Date 2 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4240 التاريخ 2»7»2012
AZP09























