يس‭ ‬يم

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬

العراق‭ ‬من‭ ‬اقدم‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬اعتماد‭ ‬الخدمة‭ ‬العسكرية‭ ‬الالزامية،‭ ‬فقد‭ ‬فكّر‭ ‬بها‭ ‬مع‭ ‬مطلع‭ ‬انبثاق‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1927،‭ ‬وباشر‭ ‬فيها‭ ‬في1935،‭ ‬وزاد‭ ‬عديد‭ ‬الجيش‭ ‬الى‭ ‬ثلاثين‭ ‬الف‭ ‬فرد‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الزمن‭. ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬أسهمت‭ ‬الخدمة‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬تقوية‭ ‬الجيش‭ ‬العراقي‭ ‬ورفده‭ ‬بالطاقات‭ ‬والخبرات‭ ‬لاسيما‭ ‬من‭ ‬خريجي‭ ‬الجامعات،‭ ‬والمعاهد،‭ ‬والمدارس‭ ‬الصناعية‭ ‬والزراعية‭.‬

غير‭ ‬انّ‭ ‬حرب‭ ‬الثماني‭ ‬سنوات‭ ‬بين‭ ‬العراق‭ ‬وايران‭ ‬،‭ ‬حطّمت‭ ‬سمو‭ ‬معاني‭ ‬هذه‭ ‬الخدمة‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬العراقيين‭ ‬لأنها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬محددة‭ ‬سنة‭ ‬أو‭ ‬ستة‭ ‬اشهر‭ ‬او‭ ‬حتى‭ ‬سنتين‭ ‬وأصبحت‭ ‬لا‭ ‬تمنح‭ ‬املاً‭ ‬للداخلين‭ ‬اليها‭ ‬بالخروج‭  ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬الى‭ ‬الحياة‭ ‬الطبيعية،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬الجنود‭ ‬المكلفون‭ ‬وقود‭ ‬الحرب‭ ‬حتى‭ ‬انّ‭ ‬ضابطاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬الجيش‭ ‬السابق‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬انه‭ ‬بعد‭ ‬السنة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬في‭ ‬الجيش‭ ‬العراقي‭ ‬جندي‭ ‬واحد‭ ‬متطوع‭ ‬،‭ ‬إذ‭ ‬إمّا‭ ‬أنه‭ ‬تضرّج‭ ‬بدمائه‭ ‬وتراب‭ ‬الوطن‭ ‬وعادَ‭ ‬ملفوفاً‭ ‬بالعلم‭ ‬أو‭ ‬أصبح‭ ‬نائب‭ ‬عريف‭ ‬وتدرّج‭ ‬بالمراتب‭. ‬فالجنود‭ ‬الباقون‭ ‬جميعهم‭ ‬مُكلفون،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬الجنود‭ ‬من‭ ‬مواليد1954‭ ‬وحتى‭ ‬1960‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المطحنة،‭ ‬وكان‭ ‬الناس‭ ‬يقولون‭ ‬انهم‭ ‬انقرضوا‭ ‬لكثرة‭ ‬الخسائر‭ ‬بينهم‭.‬

اليوم‭ ‬الخدمة‭ ‬الالزامية‭ ‬غائبة‭ ‬عن‭ ‬العراق‭ ‬منذ‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬لاحتلاله‭ ‬من‭ ‬أمريكا‭ ‬في‭ ‬2003‭ ‬ومجيء‭ ‬الحكومات‭ ‬التي‭ ‬استفتحت‭ ‬عهودها‭ ‬بحل‭ ‬الجيش‭ ‬السابق‭ ‬وقطع‭ ‬الطريق‭ ‬على‭ ‬اية‭ ‬خطوات‭ ‬تعيد‭ ‬بناءه‭ ‬بنسف‭ ‬روافد‭ ‬تكوينه‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬منذ‭ ‬النشأة‭ ‬الأولى‭.‬

الخدمة‭ ‬الإلزامية،‭ ‬طويت‭ ‬صفحتها‭ ‬بين‭ ‬الحكومة‭ ‬السابقة‭ ‬والبرلمان‭ ‬السابق‭ ‬ولم‭ ‬يرَ‭ ‬النور‭ ‬ذلك‭ ‬التشريع‭ ‬الجديد‭ ‬لإعادتها‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬ويبدو‭ ‬أنه‭ ‬نُسي‭ ‬أو‭ ‬انَّ‭ ‬هناك‭ ‬مَن‭ ‬ادرك‭ ‬خطورته‭ ‬على‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬المليشيات‭ ‬والفصائل‭ ‬فعمدَ‭ ‬الى‭ ‬قطع‭ ‬الطريق‭ ‬عليه‭.‬

الخدمة‭ ‬الإلزامية‭ ‬اليوم‭ ‬ضرورية‭ ‬لإيقاف‭ ‬هذا‭ ‬الانهيار‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬حياة‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد،‭ ‬اذ‭ ‬يواجه‭ ‬الانسحاق‭ ‬والتفسخ‭ ‬والضياع‭ ‬وقد‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬براثن‭ ‬التطرف‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬البطالة‭ ‬وعدم‭ ‬ادراك‭ ‬الحكومة‭ ‬خطورة‭ ‬توسيع‭ ‬ضخ‭ ‬المتخرجين‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬قواعد‭ ‬استيعاب‭ ‬تنموية‭ ‬وتشغيلية،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ضعف‭ ‬واضح‭ ‬ورؤية‭ ‬قاصرة‭ ‬تتحملها‭ ‬وزارة‭ ‬التخطيط‭ ‬كمنطلق‭ ‬لكن‭ ‬الحكومة‭ ‬تضطلع‭ ‬بالمسؤولية‭ ‬الأكبر‭ ‬وكذلك‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬برمته‭.‬

يجب‭ ‬أن‭ ‬نبدأ‭ ‬من‭ ‬نقطة‭ ‬شروع‭ ‬جديدة‭ ‬لإيقاف‭ ‬الانهيار‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬والتفكير‭ ‬بالحاجات‭ ‬المستقبلية‭ ‬لتعزيز‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية‭. ‬اذ‭ ‬ليس‭ ‬عبثاً‭ ‬ان‭ ‬تعيد‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬بريطانيا‭ ‬العظمى‭ ‬قانون‭ ‬الخدمة‭ ‬العسكرية‭ ‬باستيعاب‭ ‬أولي‭ ‬ثلاثين‭ ‬ألف‭ ‬جندي‭ ‬وبشكل‭ ‬مرن‭ ‬في‭ ‬إلزام‭ ‬الالتحاق‭ ‬حاليا‭. ‬والأردن‭ ‬أعاد‭ ‬التفكير‭ ‬بالخدمة‭ ‬الإلزامية‭ ‬كذلك،‭ ‬فالعالم‭ ‬يفكر‭ ‬بكل‭ ‬الحاجات‭ ‬التي‭ ‬تمسك‭ ‬بأركان‭ ‬الدول،‭ ‬لا‭ ‬يستكين‭ ‬لركن‭ ‬واحد‭ ‬فقط‭.‬

رئيس التحرير- الطبعة الدولية

[email protected]