المحطات الحزينة من حقول مجنون حتى اثبات براءة الضحية- قيس الدباغ

 

المحطات ماقبل الاخيرة 
قيس الدباغ

وأنا مرتدي لملابسي العسكرية متوجها في شاحنة نقل الركاب من الموصل إلى منطقة “الدير” في البصرة حيث خلفيات فوجنا في اوج الحرب العراقية الايرانية ، حريص كل الحرص على أن أصل قبل تحرك عجلة نقل الشوربة الصباحية للجنود لكي أصعد معها إلى المتقدم في قاطع مجنون.

بالتأكيد كل من خدم في تلك الأيام الحزينة يعرف تمام اليقين خلجات نفسي في تلك الساعات المريرة، اذ يعم الهدوء والصمت كأننا في مجلس عزاء، ويسود اللون الخاكي العسكري لكل الركاب لأنّ الجميع ملتحقون من اجازتهم الدورية التي مرت مرور السحاب، وفي حقائبنا جميعا قوالب من الكيك  من صنع امهاتنا مع كيس من الكليجة العراقية وكيس آخر للكرزات كل ماذكر هو هدية من عوائلنا لإخواننا القابعين على سواتر الموت والذين يتلهفون لعودة وجبة المجازين، فينعموا ببعض المرح مع أقداح الشاي.

غفوت في الشاحنة ما أن مررنا بالعاصمة بغداد، وغططت في نوم عميق وغير مريح، محذرا كل حواسي على الاستيقاظ بين الفينة والأخرى لكي أعدل من وضعية جلوسي، مع قلقي وخشيتي أن تمر الشاحنة بالدير ولا أزال غافيا فتفوت علي “عجلة” الشوربة، غططت بالنوم ولم استيقظ إلا وأنا محال على التقاعد ،وقد مضى من عمري الكثير  كيف وأين ولماذا لا أدري، فقط أذكر مقاطع من احلامي وكوابيسي.

هنا استشهد صاحبي علي من ديالى وهناك في نهر جاسم استشهد عبد الحسين من النجف الذي التحق من إجازته الدورية جالبا حلاوة النجف الدهينة لمناسبة قدوم ولده كرار الى الحياة، في خشم البحيرة فقدت إثنين من اصحابي “عبد الائمة وصاحب” أثناء تقدمنا نحن الثلاثة.

وفجأة توقفت الحرب، بعد ثواني نشبت أخرى لم تمض دقائق حتى جاءنا طوفان الحصار الظالم الذي ذبح الآلاف بسكين “الرحمة” الإنسانية والنفط مقابل الغذاء والدواء، ثم كابوس آخر  اذ سقط الصنم وتنفسنا الصعداء، هبت رياح التفجيرات الإرهابية ومعها ذيول الطائفية، وحصدت ماحصدت،ثم عاصفة أخرى هوجاء عمياء ذهبت بثلث العراق ثم انحسرت بعد ثلاث سنوات عجاف تاركة ظلالها السوداء على المظلومين الابرياء، فأينما تذهب عليك إثبات أنك ضحية ولم تكن جلادا.

هكذا تقلبنا الأمواج العاتية ،وكأننا زوارق من ورق، صدق انيشتاين عندما قال بنسبية الزمن واردفها بنظرية الزمكانية،وكأنني غادرت الأرض لربع سنة ضوئية وعدت اليها وقد اختلف كل شيء وتغير.

يارفاق سلاح الحروب  الماضيةوصحبة القتال ،للاحياء منكم ،أقول  ياليتنا ذهبنا مع إخواننا عندما رحلوا فلا عين تدمع ولا قلب يحزن، والحمد لله على ما قدر.