
إغتراب الهوية
والبحث عن الذات – علاء مشذوب
مازالت الرواية تتسيد المشهد الثقافي على مستوى الساحة الثقافية العراقية، بل وأخذت تزاحم العلوم والآداب الأخرى، لتتحول الى أكثر من مجرد فعل جمالي يغطيه السرد، بل هي عبارة عن فلسفة وفكر وتشكيل وشعر، ولعل مدينة كربلاء اسوة بمدن العراق الأخرى، يسعى مثقفوها وساردوها الى الاصطفاف جنبا الى جنب معهم في عالم السرد، ليكتبوا عن مدنهم بأشخاصها وأماكنها وأحداثها.
إذ ينبري الروائي علي لفته سعيد في روايته السادسة (مزامير المدينة) الى رسم صورة صوفية بألحان عراقية وأشجان كربلائية تعبر عن آلامها وأحزانها من خلال أزمات ظلت خزينة في تاريخ شخصياته الروائية، فقد سعى الى محاكاة امكنة المدينة القديمة، فنقرأ فيها (ساحة التربية،حي رمضان، شوارع المدينة القديمة، مقبرتها الجديدة)، كما سعى الى محاكاة شخصيات حقيقية، وان بدت لغير القريب من الروائي انها شخصيات روائية بحتة. فمن هم اصدقاؤه، مجتبى الاطلساني: الذي يعاني عقدة الأب الغني الذي نبذه كونه خرج عن إطار العائلة الديني، وهو من ابناء المدينة (ابن ولاية). يوسف: الشاب النازح الى المدينة، والذي حصل على شهادة الدكتوراه، وكما يقول الراوي، انها ساعدته على كسب احترام الناس له بسببها. جمعة: الشاب النازح من بغداد، ويعمل في مصرف أهلي، وأتم دراسته الجامعية. ويعمل ناقدا. محمود: ابن التاجر الكبير. محسن: هو الشخصية المحورية النازحة من الجنوب. هو الكاتب والمضطهد والغريب. سلوى: ظلال فتاة قتلت رجولة زوجها، وبدت على طول النص على شكل شبح يشابه كثيرا من الفتيات.
لم يبحر الراوي في الزمن القديم أو المستقبلي، وانما أختار الزمن الآني الذي نعيشه. اما المكان المركزي فكان مقبرة المدينة، وهو مكان غير أليف، ولكن هل كتب بطريقة جمالية؟ لا اعتقد او لم ينتبه إليه الكاتب ولو انتبه إليه لصاغة صياغة رائعة. يعمل بطله الرئيس محسن فيها كحفار قبور، وهو كاتب وإعلامي في الوقت نفسه يعاني عقدة (اللفوة) غير المبررة او من دون مبرر كونه ليس من ابناء المدينة، لكن اصدقاءه هم ايضا من محافظات جنوبية، ولا توجد عندهم مثل هذه العقدة، بل يتنعمون بحظوة كبيرة من الاحترام والتقدير على قدم المساواة مع أبناء المدينة، ومثل هذه العقدة لا توجد إلا في مخيلة محسن المريضة الذي يعاني عقدة عدم الانتماء.
ولو رجعنا الى الأدبيات الأوربية واستثمارها للاماكن القبيحة بصيغة جمالية، سنجد انها ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، ودفعت المفكرين الى رفض النزعة (الوجودية، والرأسمالية) والدعوة الى الرجوع الى الطبيعة من جديد بوصفها تمثل الفطرة السلمية، وكنت اتمنى ان ينبذ الكاتب المقابر ويدعو للحياة، من خلال إعادة إعمارها وبناء الحدائق وسطها، وتأجير أكشاك لبيع الورد لوضعها عليها. وتبليط شوارعها، واحترام الموتى لأننا قضينا جزءا من حياتنا معهم. إذ يذهب الدكتور جوستون الى ان اعظم مزايا الفن هي محاكاة الطبيعة، ولكن من الضروري أن تتميز جوانب الطبيعة التي هي أليق بالمحاكاة. ويقصد به ما يستحق الاستحسان والمدح.
اما من ناحية السرد فتتجلى عظمة الرواية في السرد، إذا اتفقنا جزافا ان الرواية كتبت بصيغة الراوي العليم بكل شيء؟ حيث نقرأ في ص70: (ويخرج حينئذ ذئب رجولتك عاويا في صحرائك القاحلة، يسعى لأكل خروف انوثتها.) وكذلك في ص74: (ان القبر وسيلة لعنوان الاتصال ما بين الغياب والحضور رغم ان مبتدعها الغراب الذي صار شؤما ولونه اسود يشبه رايات داعش).
كما ويمتلك النص جرأة كبيرة. حيث نقرأ في ص73: ( فالجنس الذي قتل الناس والأنبياء معا). وكذلك هو صرخة في وجه رجال الدين كما في ص72: ( حين كنت تقف امام صورة معلقة في باب المقبرة، تطلق سيل احتقارك وتلعن الزمن الذي جعل الصورة تلطخ الجدران حتى في المقابر وقد زادت على صور صدام 1000 مرة، وتلعن الساعة التي جاء بها هؤلاء وهم بالمحابس ويهيجون الناس باسم الدين والتضحية في سبيل الله والدفاع عن المقدسات، وهم جالسون في احضان الحلم على فرش منضدة ولا يشاركون حتى في دفن من ساقوهم للحرب).
لكن القارئ يتيه الأسلوب الذي كتبت فيه الرواية، ويُعدْ جدران الرواية وسقفها والطريقة التي كتب فيها، فهل كتبها الروائي بصيغة الراوي العليم بكل شيء ام المشارك ام البطل الرئيس في النص؟ وهل يجوز تبادل الأدوار إن كان في أي من تلك الأنواع الثلاثة مع الشخصية البطلة في النص. لأنني وجدت تحول في السرد؟ ام هو تقنية جديدة؟
لنطالع الآتي من جمل الرواية: في ص166: (لم يعد باستطاعتي التوقف في الشارع، والسرعة المطلوبة للحاق بجلسة المقهى البغدادي.. اهذي معك ونفسي أسيرة ذاك الحلم الذي يحدثني، فتسقط النجمة الوحيدة في سمت السماء، دخلت ظلمة شارع فرعي. النجمة التي وجدتني وحيدا استغلت الظلام لأسمع مناداتها فأجدها أسيرة الولوج إليها). وفي ص167: (تقدمت خطوات لأكون بين أشجار ياس كثيفة في الجزرة الوسطية ولم أتحدث ولم أعرف كأني أسير هلوسات من تلك التي أتخيلها في القصص والروايات التي أكتبها). وكذلك في ص168: (سمعت صوتي يقول لي: وبكيت يشاطرني صوت النشيج وأنا أدرك ان هذه النجمة الأنثى هي روحها. وبلا إرادة مني رحت اتوسلها ان تريني وجهها الغائب. ووجهها الذي لا اعرفه. قلت لها: أبي يزورني بين الحين والآخر).
ولو راجعنا بداية الرواية، سنجد ان الراوي يأخذ بزمام الروي ويسبر اغوار الشخصيات ابتداءً من محسن وحديثه مع ابيه، ومرورا بجمعة الناقد الذي يكتب من وحي قراءاته بلا شهادة اكاديمية وتقول له دوما ان افكاره خاصه به ص11. ويوسف وعلي الدفان ومحمود ومجتبى وناهض …الخ.























