

قراءة في يموتون ولا يموت لحنون مجيد
الإيجاز والتكثيف في السرد – نجاح هادي كبة
يموتون ولا يموت مجموعة قصص قصيرة جداً للقاص والروائي حنون مجيد بلغت 81 إحدى وثمانين قصة قصيرة جداً ، تراوحت بين قصص قصيرة ضامرة وومضة ، صدرت عن دار المأمون للترجمة / بغداد وترجمها الى الانكليزية الاستاذ المتمرس د. عبد الواحد محمد مسلط ، ولابد من الاشارة الى ان القصص القصيرة جداً ينظر اليها من حيث مستوى تنسيق الاشارات السردية لاعلى مستوى الاحداث لذلك تسميها الثقافة اليابانية قصص بحجم راحة اليد لان لها معايير خاصة سأتناولها من خلال القصة القصيرة جداً في مجموعة يموتون ولا يموت وعلى النحو الآتي :
1- الطول : القصة القصيرة جداً موجزة ومكثفة و يجب ألاّ تجاوز القصة القصيرة جداً صفحة قياسية واحدة الحديثي ، 2005م ، ص: 17 إلاّ أن الناقد محمد يونس يرى ان من الخطأ ادراج الومضة ضمن اشكال الكتابة في القصة القصيرة جداً التي تتعارض كلياً مع فن كتابة الومضة وان أُقحمت الومضة في كيان قصة قصيرة جداً ابطلته ” فهي سياق شعري اعتاده البناء النثري داخل كيان القصيدة يونس ، 2014م ، ص : 45-46 . وحنون مجيد في مجموعته يموتون ولا يموت اورد عدداً من الومضات كونها قصصاً قصيرة جداً تراوحت اطوالها بين السطر والسطرين او اكثر من ذلك بقليل مثل ومضة سؤال برقم 66 و ” سروح ” برقم 70 ” ولنبك معاً “برقم 72 إلاّ أن قصصه القصيرة جداً عدا قصائد الومضة يبلغ اقاصها صفحة واحدة من القطع دون المتوسط او تزيد بقليل مثل قصة تحت الشمس برقم 77 وقصة جوع كريم برقم 6 لكن ترنتول ميسيون وايت يرى يجب ان تتراوح … في الطول بين خمسمئة والف وخمسمئة كلمة إلاّ ان توماس ي. بيرنز يرى لكي ينجح القاص بكتابة قصص قصيرة جداً يجب ان يعوّد نفسه على الايجاز . ينبغي ان يطور ذوقه في ايجاز عقدته وكتابته فلا بد ان يصيب الهدف مباشرة سعد الدين ، 1978م ، ص: 41 .
عقدة وصول
وهذا ما دأب عليه حنون مجيد في مجموعته عدا القصص القصيرة جداً المصحوبة بتفاصيل العقدة للوصول الى الخاتمة مثل قصة تحت الشمس برقم 77 التي تدور حول صبي يبيع الدمى فقد وصف القاص العالم الخارجي وصفاً مسهباً من حرارة الشمس ولهيبها وازدحام السيارات والجسر وما اصاب الصبي من تعب مرهق ، وحين فرغ الجسر من المارة كانت الخاتمة بضربة غير مدهشة إذ سقطت الدمية من بين يديه وفرغ قلبه مما كان يؤذيه وعم جسده السكون واضحت الشمس لا تحتمل ، ولا ادري كيف يفرغ قلب الصبي مما يؤذيه وهو بالاضافة الى تعبه المرهق الذي جعل العرق يتصبب منه قد فقد رأس ماله البسيط الذي اعتاش عليه .
2- البناء : تبنى الكثير من القصص القصيرة جداً على المقدمة والحدث الممهد للخاتمة والمهم ان تكون المقدمة والحدث مضغوطتين اما الخاتمة فيجب اعطاؤها كثيراً من الاهتمام في القصة القصيرة جداً لانها تحتوي على الضربة المفاجئة المدهشة التي من دونها يُحوَّل السرد الى نص مفتوح وقصص يموتون ولا يموت تحوي على المقدمة والحدث والصلب ما عدا قصص الومضة فجاءت لديه ومضة بعنوان رغبة متأخرة وعلى النحو الاتي : يوماً رغب الشيخ في ان يعود شاباً فحطم اضلاعه حصان واخرى بعنوان صبح: فرّ الصبح على صياح ديك ، لكنه نام على شخـــير اسد … الخ.
تشابك الاحداث
3- الحبكة : من معايير القصة القصيرة جداً انها انسيابية وليس فيها تشابك الاحداث كأنواع القصص الاخرى وتكون على الاغلب افقية وتتصف حبكتها بالسرعة وهذا ما يميز القصص القصيرة جداً يموتون ولا يموت لكن هذا المعيار لا ينطبق على القصص القصيرة جداً ذات الصفحة الواحدة او اقل او اكثر بقليل كقصة احتفال بموت برقم 60 وقصة جوع كريم برقم 61 وقصة افراح اللغة برقم 26 وقصة تحت الشمس برقم 77 4- الوصف تبتعد القصة القصيرة جداً عن تفاصيل الوصف في انواع القصص الاخرى لان التكثيف من مستلزماتها وتكون اشبه باللقطة السريعة
Flash Back وما دامت القصة القصيرة جداً من بدايتها حتى نهايتها في عجلة من امرها فيجب ان تصوّر بسرعة ويجب ان تكون صورها صوراً متحركة سعد الدين ، 1978م ، ص: 8 وهذا ما تجده في قصص مجموعته يموتون ولا يموت مثل مداعبة برقم 7 ? و الكرادة برقم 16 و هدية برقم 7 … الخ .
5- المضمون : في القصص القصيرة جداً يجب ان يتوافق المضمون مع الاطار الفني وان تواكب القصة القصيرة جداً روح العصر الذي يتصف بسرعة ضوئية الى جانب التقدم الهائل في الاتصالات وان يبتعد القاص عن الاحداث المكررة وان تكتنز القصة القصيرة جداً بالطرافة والمفارقة والجدة وفي مجموعة يموتون ولا يموت نجد استثماراً للموروث في بعض القصص غير الملائم لروح القصة القصيرة جداً مثل قصة اسكنجبييييل التي لم تستثمر الموروث الشعبي جاءت وعلى النحو الاتي : كان يسمع به .. لم يره ولم يذقه قط ، فكان من امنياته ان يجرَّبه كما جرَّب غيره من قبل ، وكان عطشان ممحلا فأقبل على بائع الشرابت يسأله :
-الديك اسكنجبييييييل ؟ عجب البائع من سذاجته فرد عليه يجاريه – نعم لدي ولكنت ليس بهذا الثخنننننننننننننننن
الا ان القاص عبر عن وجهات نظره في هذه القصص بروح ساخرة او تهكمية او حزينة فاستطاع ان ينقل ما احس به من وجع او عذاب او فرح عابر بتلقائية وطلاقة بعيداً عن اقحام وجهات نظره … لكنه نجح في تناول قضايا الانسان المهمة المتعلقة بالموت والايمان بقدر ومصير الانسان .. ان الدعابة والحزن الطاغي غلفتا كثيراً من قصصه محمد ، 2013م ، ص :10-11 .
6- العقدة : لقد مهد القاص في مجموعته تموتون ولا يموت بأسلوب فني استطاع فيه ان يصل الى الحبكة الدرامية فالذروة ثم الحل الذي جاء في كثير من قصصه على شكل غير مفاجئ ولا مدهش لان القصة القصيرة جدا ليس بنية مقتطعة من القصة القصيرة او من الوحدات السردية في القصة الطويلة والرواية ، جاء في إحدى قصصه بعنوان مقهى السنترال برقم 48 وعلى النحو الاتي :
مقهى السنترال فارغة ، موحشة ، تثير البكاء ، غادرها الى كندا عبد الستار فنبذها السوداني فتخلى عنها الساعدي وريكان . السنترال لا صوت فيها لعراقي ولا ايقاع زهر . السنترال لم يعد يجلس فيها الا محمد مهر الدين يتكئ صامتاً على ذكريات جمدها في تماثيل .
7- اللغة: القصص القصيرة جداً جنس ادبي ابداعي فيجب ان تكون اللغة في القصة القصيرة جداً لغة شاعرية تخاطب القارئ باحساس مرهف وغير معقدة الحديثي ، 2005م ، ص :20 .
محمول ثقافي
الا ان حنون مجيد تميزت لغته بأنها ذات محمول ثقافي بعيدة قدر الامكان عن الاستعارات وتتميز بقابليتها على التأويل ، لذلك فإن المعنى لا يكون تاماً كاملاً ما لم تأخذ عمليته التلقي مداها محمد ، 2013م ، ص :8-9 . وفيما يأتي نموذج من مجموعة يموتون ولا يموت استشهد بها لدعم ما ذهبت اليه من نقد وعلى النحو الاتي :
قصة تحت الشمس برقم 77
منذ ساعاتها الاولى بثت الشمس لهبها على الرؤوس ، وعلى نقطة من رصيف الجسر اختار الصبي موقعه ، هناك ركن كيسه المنتفخ ، وافرد من محتوياته دمية ملونة رفعها عالياً ، وجعل يراوح بها بين السيارات … دمى ، دمى . وعيناه تراقب حركة السيارات وتستحثان رزقاً في مدى الغيب ، قال ، رزقك يارب كان يتمنى لو تثاقلت حركة السيارات واشتد الازدحام ليتسنى لاصحابها او ركابها ، شراء ولو عدد محدود من دماه .. كان الطريق مفتوحاً هذه المرة والسيارات تلتهم المسافات بلا هوادة او فتور ، كما لو تعطلت اشارة المرور، من يد ليد كان ينقل الدمية في تنازع محموم وجسده المعرّق يرقص في ما يشبه الفراغ ، ويستصرخ مجهولاً في المجهول .. دمى دمى . عندما حلت الساعة العاشرة وكان لا يني يتطلع نحو جهات اربع او عشر ، لم يعد يدري ، فرغ الجسر ، صار كما هو النهر الباهت تحت عينه ، عندئذ سقطت الدمية من بين يديه وفرغ قلبه مما كان يؤذيه وعم جسده السكون واضحت الشمس لا تحتمل
قصة الكرادة برقم 16
ما تزال الاسماك تسبح في احواضها ، صفوف الدجاج في الانتظار ، الاطفال على دراجاتهم الهوائية ذهاباً الى المدرسة وعودة منها ، الاسواق تفتتح للناس عند باكر الصباح ، وتغلق عند اخر الليل وهناك ما تزال المفخخات تدور في غيب الكرادة التي تنام وتصبح مثل كل مرة على يوم جديد .
قصة دم برقم 59
لفرط توهجه في حبها وهيامه فيها ، كانت تظن عاطفته الشماء رغبة فيها وانه الذئب الذي سيأكلها ، كاد يقول لها انا لست ذاك ، واني لست الذي تتوهمين بيد انه من حزنه الكثيف طوى صدره على غصته وسكت .























