المحطة الأخيرة
أتخذ الأستاذ كمال لنفسه مقعداً في الصفوف الخلفية من عربة القطار الذي اقلع متجهاً إلى وجهته البعيدة. كان كمال يلتمس بذلك شيئاً من الهدوء والسكينة بعيداً عن جلبة وصخب الركاب الاخرين، عندما لمح من بعيد شخصاً يتقدم نحوه ويشق طريقه بصعوبة وسط ركاب متزاحمين وقوفاً، عرفه كمال من بزته الرسمية ومن القبعة التي كان يعتمرها.. لم يكن هذا الشخص سوى محصل التذاكر!!
قال المحصل وقد بلغ قبالة كمال “تذكرتك سيدي”، قالها بوجه يخلو من أي تعبير.
دلفت يد كمال إلى جيبه الأيسر وأخرج تذكرته، ودفع بها إلى المحصل معقباً “تفضل”، نظر المحصل إلى التذكرة وأطرق برأسه يتفحصها ثم رفع ناظريه إلى كمال قائلاً، “آسف سيدي.. عليك أن تترجل في المحطة التالية، تذكرتك هذه لا تتيح لك السفر أبعد من ذلك!!”، ثم عالج التذكرة بمثقاب يحمله وأعادها مثقوبة إلى كمال.
قبل أن يتمالك نفسه من كلمات لم يتوقعها باغتها به المحصل، كان هذا الأخير قد اقفل راجعاً نحو ركاب في الصفوف الأمامية من العربة دون أن ينتظر من كمال استجابة ما!! بات كمال في حيرة من أمره، راودته أسئلة كثيرة، “لم علي الترجل في المحطة التالية؟”، و”ما الخلل في تذكرة السفر التي بحوزتي”، و”لماذا المحطة التالية تحديدا؟”، و”لماذا أنا وحدي علي الترّجل والاخرون يبقون ويكملون الرحلة؟” وسيل من الأسئلة تزاحمت وأثقلت رأسه دونما إجابات تشفي غليله.
أغلق كمال عينيه محاولاً الهرب من أسئلته التي صارت تطارده.. مرت وهلة من الزمن، طويلة أم قصيرة، لم يدرك ذلك، فتح عيناه من جديد.. لم يجد المحصل ولا القطار ولا المسافرين على متنه!!!
وجد نفسه بملابس قطنية بيضاء فضفاضة وهو مسجى على فراش وثير في مشفى خارج بلده!! وبينما شرع يستجمع أفكاره التي شتتتها واقعة القطار ومحصل التذاكر.. أدرك حينها أن الأمر برمته لم يكن سوى حلم من أحلام اليقظة!!!
تذكر أيضاً لقاؤه قبل ساعة خلت بالطبيب الأجنبي الذي كان يشرف على علاجه، وكيف ينسى ذلك اللقاء الذي سمع فيه أقسى ما يمكن لإنسان أن يسمع من كلام “آسف سيد كمال، لقد فعلنا من اجلك كل ما بوسعنا من جراحات وعلاجات دوائية بالأجهزة المتقدمة التي نمتلكها.. لكن كل ذلك لم ينفع في علاجك من المرض.. أيامك باتت معدودة.. وقد لا تشهد مطلع العام الجديد!!!”.
شحذ كمال ذهنه ليجري حساباً كان يبدو بسيطاً للغاية، كان التاريخ في تشرين الأول أكتوبر من العام، أي لم يبق له في الحياة سوى شهرين لا غير!!! لماذا لم يخبره الطبيب بأن المتبقي من حياته شهران؟ ثمان أسابيع أو ستون يوماً؟ ما حاجة الطبيب إلى لغة الدبلوماسية التي يؤثرها الساسة التي تناور في إجابة السؤال متى ما سؤل وتبقي السامع في حيرة من أمره؟.
عادت الذاكرة بكمال إلى أكثر من شهرين مضيا.. حين كان يعد العدة لسفرة علاجه من مرض عضال ألم به، تذكر كيف نصحه الكثيرون بالتوجه إلى بلد أجنبي.. حيث هناك الأطباء يجترعون المعجزات كل يوم!!
(صحتك بالدنيا) كلمتان قالتهما زوجته وهي تغالب دموعها وكررها من بعدها أولاده بعدما شاهدوا فيه من تردد في السفر لأسباب مادية. بعدها زال التردد وباع كمال وعلى عجل الدار الوحيدة التي يمتلكها من حطام الدنيا الزائلة، حول ثمنها من دنانير بلده العزيز إلى دولارات خضراء عسى أن تعيد خضرتها إليه صحته التي فقدها في خريف العمر.
والآن، أين انتهى به المطاف بعد رحلة شهرين من العلاج في البلد الأجنبي؟ أمواله صرفت كلها أو جلها، وها هو الطبيب الأجنبي ذو العيون الزرقاء يقولها ببرودة شتاءات البلد الغريب، إن حياته قد انتهت أو بالكاد، ماذا عساه أن يفعل في الشهرين الذين تبقيا من حياته التي أفناها في التعليم؟ ها هو سيعود بخفي حنين، كما يقال، وقد أفقده العلاج المؤلم ما تبقى من صحته، كيف يعود وقد بدد ثروة أسرته الصغيرة في رحلة علاج لم تؤت المرتجى منها؟.
أحس كمال بإحباط ما بعده إحباط وخسارة لا تفوقها خسارة.
تذكر العبارة “صحتك بالدنيا” وأدرك أنه وفي سعيه وراء سراب العافية أضاع نصفيهما معاً “الصحة” و”الدنيا”.
صديق واحد فقط نصحه بعدم السفر، وبالإذعان إلى قدره المكتوب، نصحه أن لا يتبع السراب ففي ذلك الخسران والحسرة وحسب.
تذكر كمال أنه في حينها أستهجن كلام هذا الصديق، لا وبل أسمعه كلاماً قاسياً وعتاباً شديداً، وتساءل عما إذا كانت عجلة الزمن ستعود به إلى الوراء ليستمع ويطبق ما نصحه به هذا الصديق الصدوق.
أدرك كمال أنه، كغيره من بني البشر، لا يملك سوى أن يتشبث بالحياة، وأن يحبها حتى الرمق الأخير.. ناسياً، أو متناسياً، لا فرق، أن الحياة التي يسعى الجميع في مناكبها ليست سوى “كذبة جميلة”، وأن الموت الذي يتجنبوه ويكرهونه ويتفادون، متكابرين حتى التفكير فيه، هو “الحقيقة المؤلمة” في هذه الدنيا.. وكيف لا يكون كذلك.
كوفند شيرواني
AZPPPL























