توظيف الحكمة في سطور

توظيف الحكمة في سطور
الحكمة درجة عالية من اليقظة العقلية في تدارك الأفكار وصناعتها وتوظيفها صوب واقعها حين بلورتها نوعيا من العقل الباطن لكي تصل الى مرحلة النضوج التطبيقي وضمان قبولها وسريانها وديمومتها المكرسة افتراضا لصالح الإنسان ، فالحكمة الهام متقدم من الدهاء الذهني ذات الأبعاد غير المتناهية ترسم السبل النظرية لمجمل الاجتهادات الإبداعية الإنسانية والعلمية بمختلف تخصصاتها وتفاصيلها وهي خلاصة الجهد الفلسفي في طبيعة الأشياء تنظيرا وإبداعا ومن الصعب بمكان الوصول الى هذه المراحل الإنمائية للعقل البشري ما لم يصاحب ذلك الموهبة وتفاعيلها بالتصاهر بعد تغذيتها بالتجارب المستوحاة من أصل الملّكة التي يتمتع بها الحكيم المجتهد والمتفلسف بحثيا في غموض المادة المعدة للتنظير . هنا تتمحور عناصر التوافق والاختلاف والتعارض ما بين هذا العقل البشري وذاك الذي يقابله بفيض التخلف والبلادة وفقدان المؤهلات وانعدام الملاءات الإيحائية المخزونة في الأعماق ، وقد تكون متحققة لدى الجميع ولكنها مرهونة بالتفعيل والدغدغة المحفزة لاستنهاضها وتعد تلك من اعقد المراحل التنويرية للعقل الإنساني وأصعبها على الإطلاق كونها خاضعة الى عملية التناسب المضطرد لأسباب الإسرار الغيبية الممنوحة لهذا الإنسان دون غيره ، إن نظرة من بعيد الى تاريخ الخليقة سوف نلتقي عند الزوايا الضيقة التي حفلت واحتفظت في أسفارها أسماء العباقرة والحكماء وهم القلة القليلة قياسا بالإحصائية الرمزية لسكان الكون وعندما نجري المراجعة لأوراق الماضي نجد إن الاحتكام العقلي سر غيبي حقيقة وحكما ، وفي نظرة أخرى من قريب نلتمس داخل بطون الحضارات المتزامنة والمتعاقبة زمانيا والمختلفة مكانيا متشابهات من حيث صناعة الحكمة وآفاقها التكوينية ، فعلى سبيل التشخيص والتذكير والعرفان ان الحضارة العراقية القديمة بدءاً بآلاف الرابع قبل الميلاد كانت سباقة في وضع المنطقيات والمنطلقات والمعطيات لقواعد النهوض كافة كالرياضيات بفروعها العددية والجبرية ورسوماتها الهندسية التي زارها ( فيثاغورس ) اليوناني بآلاف السابع قبل الميلاد على عصر البابليين واخذ عنها العلوم الرياضية مثل المثلث والمربع والمستطيل والجبر والهندسة كما أعقبه في الزيارة ذاتها الفيلسوف أفلاطون القرن الرابع قبل الميلاد الى وادي الرافدين ومصر وتحديدا مكتبة الإسكندرية الشهيرة ونقل عنها الكثير من العلوم العقلية . ومما لاشك فيه إن الفلسفة والحكمة اليونانية احتلت الصدارة من بين حضارات الأمم لاحتضانها المع عقول الحكمة أمثال فيثاغورس وهيدروتس وسقراط وأفلاطون وأرسطو وهيرقريطس وغيرهم وإذا ما تعرجنا شرقا بذات النظرات سوف نجد الحكيم الوضعي كونفوشيوس بألف والخمسمائة قبل الميلاد صانع للحكمة قل نظيرها ومرورا بعصر النهضة العباسية التي ازدهرت بالحكماء والمبدعين والفلاسفة العقليين والروحانيين الذين اثبتوا حضورا متميزا في المسيرة الإنسانية واثروا الحضارة بما تريد وتتطلب من إبداع واجتهاد في الحكمة والفلسفة وان الرازي وابن سينا والغزالي وابن الهيثم والفارابي وابن رشد وابن خلدون ما هم إلا فيض من كم هائل للحكمة العربية ثم جاء عصر النهضة الأوربية التي أفرزت حكماء يشار لهم بالبنان مثل ميكيافلي وآدم سميث وهيكل وجون لوك وتوماس هوبس ومنتسكيو ونيتشه وانشتاين وتوماس اديسن وغاليلو والكثير من أمثالهم العظماء المخلدين بأحرف من الأنوار على مدى العصور كلها . إن لهذه السطور المقيدة بالسلاسل المحصورة في دائرة العددية دلالة على أن مقومات الحكمة حكرا منسوبا إلى المقدرات الربانية الأكبر من كل كبير أو صغير وإنها هبة يحظى بها المفضلون والمتميزون الموهوبون بإرادته سبحانه . إذا الحكمة تبقى دليلا رافد لأية صناعة عقلية في العلوم كافة وإنها لا تستثني أحدا إلا المكبلين بالاضمحلال وفقدان الصواب والتوازن والمهزوزين في دواخلهم لمسوغات لا ترتبط بالحكمة بأي من الروابط الخلقية ؟
سفيان عباس
AZPPPL