الإفتراق بين الشكل والمضمون

الإفتراق بين الشكل والمضمون
تتمظهر كل فكرة و ترتدي شكلا معبراً بالضرورة عما تحتويه من مضمون ورغم ثبات الجوهر للفكرة فان الشكل يتلبس بمظاهر متعددة تتنوع باختلاف الفهم و القراءة من شخص لأخر ومن مجموعة لأخرى و هذه القراءة تخضع للضروف الذاتية والموضوعية والملابسات المحيطة بالنشوء ومن ثم الأطر الزمكانية المؤثرة وتداخل العناصر المضافة والطارئة والتصاقها بالشكل ونموها و تبرعمها وتفرعها لتغدو فيما بعد جزءاً لا يتجزء من القضية وربما تختزل القضية برمتها رغم طفيليتها.
عاشوراء ولدت ثورة ضد ظلم تقمص سلطة الخلافة النبوية و أتسمت بصفة الإصلاح (انما خرجت لطلب الاصلاح) في مقابل الفساد الذي كاد أن يكون هو القاعدة و أثرت في الفهم المجتمعي للاسلام فتبعتها ثورات ونهضات عدة كثورة التوابين وثورة المختار الثقفي وانتفاضة أبناء الحسن (ع) و ثورة الزنج و غيرها الكثير حتى باتت شعاراً يرفعه كل مظلوم و يخشاه كل ظالم على مدى التاريخ فكان التوافق بين الشكل والمضمون يكاد يتطابق للقرب الزماني المباشر بلا تقطعات و تقارب الضروف وتشابهها ببقاء الصراع بين الجبهتين جبهة السلطة المتقمصة لباس الدين وتتمتع بنعم السلطان وجبهة المعارضة التي ترزح تحت سياط الظلم والاستبداد ولكن مع اتساع المساحة الزمنية وشراسة ردة الفعل ووحشيتها من قبل السلطة التي اباحت دم كل من يشك في انتمائهِ الى مسمى (الحسين) الذي بات رمزاً لرفض الظلم في كل زمان و مكان فحاول المتسلطون محي كل أثرٍ للحسين فقام المتوكل الخليفة العباسي مثلاً بتجريف وتهديم قبر الحسين و منع زيارته وعاقب من يحاول زيارت قبره بأشد العقوبات أهونها قطع اليد فتحول القبر وزيارته الى مظهر من مظاهر الرفض الظالم وسياسته ومكاناً لتجمع الثوار المناهضين للسلطة الغاشمة وهو ما يحدث اليوم من التحدي الكبير للتفجيرات و القتل الذي ينتهجه التكفيريون ضد زوار قبر الحسين (عليه السلام ) مما يزيد من همة و حماسة وتحدي محبي الحسين لزيارة القبر الشريف ولكن بمرور الزمن تحولت (الزيارة وكل ما يرافقها ويتفرع عنها من مستلزمات كالمواكب والطبخ وما الى غير ذلك) من وسيلة للتعبير عن الثورة والرفض وإبراز هوية الجبهة المنتمي اليها الشخص الى غاية بحد ذاتها وتداخلت معها الكثير من الطقوس الشكلية التي بدأت تجتاح الشكل وتتمحور حوله وتأخذ لها مكانتها وتمد جذورها مبتعدة عن المضمون والجوهر الحقيقي لثورة الإمام الحسين فأستغرق الناس بالشكل والمظهر وبدأوا يلبسونه ويسقطون عليه طبائعهم وانطباعاتهم و جروا اليها القدسية التي تمتعت بها القضية الحسينية لما للحسين (عليه السلام) من منزلة في الإسلام فكلما أُنتقدت ظاهرة و طقس الصق بالممارسات التي ترافق القضية الحسينية وضع خط أحمر بأنها من (الشعائر الحسينية) وأتهم المنتقد بأنه ضد الحسين ويحارب الشعائر الحسينية وربما يخرج من الملة و يكفر و كلما واجهتهم مشكلة الافتراق عن مباديء الاسلام التي تتعارض مع بعض التصرفات أوجدوا لهم التبريرات النصية التي تتهاوى بسهولة أمام النصوص الاسلامية الثابتة حتى وصلت الحالة الى تحليل ما حرم الله كالمقولة المشهورة (لا رياء في قضية الحسين) رغم إن الرياء شرك في الله لا يغتفر أو التبذير والبذخ والإسراف في أيام عاشوراء بينما هناك افواج من الفقراء لا يذكرهم ذاكر في باقي أيام السنة ولو أعطوا ما يفيض عن الحاجة في هذه الايام لكفاهم ولأسعد الامام الحسين (عليه السلام) أن يشبع جائع بسببه وبثوابه بدلاً من أن يرمى في الطرقات إن تحول الكثير من الشعائر والطقوس المرتبطة بالقضية الحسينية من وسيلة وسبيل الى غاية وهدف أفرغ هذه القضية وهذه الثورة من محتواها الحقيقي فعندما تحولت زيارة قبر الإمام الحسين (عليه السلام ) الى غاية تأتي الملايين للزيارة وبكل هذا الثقل والتحشيد سواء على المستوى الذاتي والنفسي للزائرين أم على مستوى الحضور الإعلامي البارز ينتهي كل ذلك (كبالون يفرقع في الهواء) بمجرد أن تنتهي الزيارة بلا أدنى أثر وعلى كلا المستويين فلا نتلمس التغيير السلوكي عند الزائرين بما يتناسب مع الاقتياد بالامام الحسين وأتخاذه كقدوةٍ ومثلاً أعلى فتجد المخالفات والمعاصي قبل الزيارة وأثنائها وبعدها أما على مستوى الحشد الاعلامي الكبير الذي يستطيع أن يفرض الكثير من المطالب السياسية والاجتماعية والدينية التي تتوافق مع القضية الحسينية وجوهرها الاسلامي فكل زيارة توصف بالمليونية تذهب معطياتها بعد انتهائها أدراج الرياح رغم أن هذه (المليونية ) كلفت وتكلف البلد والعباد ما تكلفه من أعباء وتعطيل للمصالح ومشقة كبيرة وكل هذا عندما يحقق نتائجه المرجوة يكون زهيداً في سبيل القضية الحسينية أما الا يحقق شيئاً بالمطلق لا بل يحقق سلبيات تضر بالدين وبالعباد فهذا غالي جداً نعم علينا أن نقف وقفة تفكر ونراجع أنفسنا بعد ان ننزع النظارات المعتمة وننتقد ذاتنا و تصرفاتنا ونرشد الشعائر الحسينية مما الصق بها ونشذبها من الزوائد التي تتنافى مع مباديء الإسلام الحقيقية لنرجع بها الى مضمونها الحقيقي ليكون الشكل والمضمون متوافقين مع أهداف الإمام الحسين (عليه السلام) من ثورته ضد الظلم ونعرض هذه القضية وننطلق بها الى العالم الرحب فهي تملك مقومات العالمية والقضية الاممية لا تتقيد بالطقوس بل تستلهم منها الدروس ونحن نحبسها في قنينة مغلقة رغم إيماننا إن الحسين عندما قام بثورته لم يوجه رسالته الى طائفة معينة أو فئة معينة فقد حمل الإسلام على كفيه ونادى للإصلاح في أمة جده المصطفى (صلى الله عليه واله).
علي فاهم – بغداد
AZPPPL