غاندي والحسين

غاندي والحسين
عندما يقف الإنسان على أعتاب عاشوراء لابد له أن يسترجع ذاكرة التاريخ ليبحث عن سر ذلك العشق المتجسد في شخص الحسين (ع ) وعلاقة المحبين به وما أكثرهم على مر العصور والأزمان ولكنني وقفت متحيراً في أمر ذلك الزعيم الهندي غاندي وسر علاقته القوية مع الحسين ع وهو يحدث نفسه عن ذلك الفيض المتدفق من سيد الشهداء في نفسه مما جعله واقفاً عند أعتاب عاشوراء يسبر في أغوارها ليأخذ من معينها الذي لا ينضب المثل ويستلهم منها القوة والثبات باتجاه السمو ، وجدته يتأمل في كربلاء وهو في صراع مع خلجات النفس عن سر ذلك الخلود الأزلي وتلك الحرارة المتوقدة في نفوس محبيها فبادرته بالسؤال ماذا تعني لك كربلاء فأستغرب من سؤالي هذا وقال كربلاء تعني الشيء الكثير لمن يبصر بحقيقتها ويتمعن بسمو أهدافها تعلمت منها الكثير فهي دروس من نوع خاص لا تعطيها لك الجامعات ولا رجال الفكر والعلم لأن الكثير منهم لم يتعلمها والبعض الأخر ما زال تلميذاً صغيراً ، ويستطرد قائلاً من كربلاء تعلمت أن الحياة موقف ولابد لي أن أخرج من الصمت وأمزق ثوب السكوت لأعلن للعالم أجمع أنه سيقف برمته ذليلاً صاغراً أمام عظمة الأهداف التي ترجمتها ثورة الأمام الحسين في نهضته المباركة حتى أينعت ثمارها واشتدت أغصانها فأصبحت شامخة أمام مرأى ومسمع العالم كله عندها تعلمت من الحسين كيف أن الرهان على الكثرة هو رهان مادي ودنيوي لا يراعي حقيقة حب الكثرة للدنيا وبالتالي قبولها دائماً بالمستوى الأدنى مع الله وأن رسائل الله لطالما تكفلت بإيصالها القلة فقلة صادقة العهد خير من كثرة متذبذبة لا تحسم أمرها أبداً تعلمت من كربلاء أن قيمة عمل الإنسان لا تقاس بمستوى انجازاته ومكاسبه الواقعية الملموسة بل بمستوى سمو أهدافه وبمستوى قيمته عند الله وبمستوى تطابق عمله مع أمر الله تعلمت من الحسين أن ثورته لم تقم لتسقط الحكم في تلك المدة بل قامت لتسقط خنوع الأمة واستسلامها للحاكم الظالم ، تعلمت من الحسين أن ثورته استهدفت تغيير أخلاق المحكومين ولم تستهدف تغيير شكل الحكم، تعلمت من كربلاء الحسين أنه هو وأصحابه لا يملكون مشروعاً للدنيا بل يملكون مشروعاً دائماً للعلاقة الأفضل مع الله فهم مشروع ينشد للآخرة تعلمت من الحسين أن ما بينه وبين كربلاء عقيدة الثورة الحقيقية فأنصاره بسطاء لا يحتاجون إلى عقيدة صعبة بل حتى لا يحتاجون إلى ثقافة الكتب بل أنهم يحتاجون إلى عقيدة حب الله والأيمان بالغيب ولا يخافون أحداً لأن الله معهم ، تعلمت من كربلاء أن الحياة ليست إلا تحضيراً لوقفة أباء تتكسر بها السهام على الأكفان ويتحول الأيمان إلى صرخة في سكون الذل ، تعلمت من كربلاء أن أكبر هبات الله للإنسان أن يختار الموت بعزه على الحياة بذله ، تعلمت من كربلاء أنها صلاة من نوع خاص لا يقيمها غير الحسين ، تعلمت من كربلاء أن الحسين لم يكن ضياءً بل كان نوراً، تعلمت من كربلاء أن الحسين لم يكن مدرسةً بل كان جامعةً ، تعلمت من كربلاء أن الحسين لم يكن شخصاً بل كان شاخصاً ،تعلمت من كربلاء أن الحسين لم يكن فرداً بل كان أمةً ، تعلمت من كربلاء أن الحسين لم يكن نهجاً بل كان منهجاً ، تعلمت من كربلاء أن الحسين كان طهراً مطهراً، تعلمت من كربلاء أن الحسين لم يكن موتاً بل كان حياة ، تعلمت من كربلاء أن الحسين كان كلمةً أحيت من خلالها عوالم، تعلمت من كربلاء أن المقتول هو الغالب والقاتل هو المغلوب، تعلمت من كربلاء أن فيها كرامة الإسلام وكرامة القرآن ، تعلمت من كربلاء أنها إنسانية الإنسان ، تعلمت من كربلاء أن الحسين هو ذلك العاشق المفتون بالذات الإلهية المقدسة ، تعلمت من كربلاء أن الحسين هو لحن الخلود و نشيد الحياة تعلمت من كربلاء أنها لم تكن أرضاً بل قيمةً ورسالةً ،تعلمت من كربلاء أن أكون مظلوماً فأنتصر، تعلمت من كربلاء الشجاعة فقلت لا للجهل ، لا للتخلف ، لا للظلم ، نعم للتطور ، نعم للتقدم فأسست دولة ً عظيمة ولكنها تصاغرت أمام عظمتك يا حسين .
ناجح سفاح الصفراني
AZPPPL