كربلاء تحتضن مهرجان النهج السينمائي الدولي الثاني.. أحكام مخيبة للآمال والتوقعات
نزار شهيد الفدعم
مع أعلان نتائج مهرجان النهج السينمائي الدولي انطوت الصفحة الثانية منه وانتهى التوتر والشد الذي رافق صناع الافلام المشاركة في المهرجان خصوصا عندما بدأ العدد التنازلي لأاعلان النتائج حتى تم تتويج الفيلم الايراني “رجل الملح” للمخرج “سجاد الموسوي” بالجائزة الاولى منه .
على مدى خمسة ايام شاهدنا بواقع جلستين يوميا اكثر من 45 فيلما مابين روائي قصير ووثائقي ورسوم متحركة تم اختيارها وفرزها من بين 191 فيلما” شاركت بالمهرجان .
لجنة التحكيم التي تكونت من د.خالد الزدجالي العماني رئيس مهرجان مسقط الدولي والمصري أمير اباظه رئيس مهرجان الاسكندرية الدولي والروائي الجزائري سمير قسيمي والمخرج الايراني مجتبى راعي والعراقي رئيس لجنة التحكيم حكمت البيضاني كانت ملتزمة بالضوابط التي وضعتها ادارة المهرجان المستمدة من النهج الحسيني .
وجاءت الاحكام مخيبة لاآمال بعض الذي كان يتصور في الخطاب السينمائي المباشر بدلالته واشاراته وسيلة له كي يمرر فيلمه ويثير التعاطف معه ، رغم أجتهاد البعض في تناول قضايا وطنية معاصرة او دينية تاريخية تستمد من السيرة الحسينية موضعاتها لكن بمستوى فني اقل جهدا”وفي بعض الاحيان اكثر ارباكا” رغم نبل الافكار المطروحة فيها .. لجنة التحكيم استمدت من العنوان الروحي للفكر الحسيني باعتباره صراع الحق ضد كل اشكال الظلم والصراع من اجل حياة افضل عنوان لكي تمنحها جوائزها الثلاثة وجائزة لجنة التحكيم وجائزة افلام السيناريو ..وقد كانت على حق وبمقياس فني فكري يلفت الانظار اليه ..ويؤكد ان الافلام المرشحة والفائزة كانت مادة خصبة للنقاش الفني في جلسات النقد وبين كواليس المهرجان ..
الفيلم الفائز بالجائزة الاولى رجل الملح هو من النوع ديكودراما للمخرج سجاد الموسوي وهو يتناول حياة فنان هاجر المدينة والناس ويعيش مع عائلته في مملحة بعد ان وجد ان الناس الذين يحيطون به لم يقدروا فنه رغم هناك اعتراف اوربي بفنه من خلال الجوائز التي حصل عليها والشهادات وبلحظة يأس يقوم بدفن كل جوائزه وشهاداته التي حصل عليها ووصلته في الارض ويقرر العيش في عالمه الذي اختاره في مملكة الملح المترامية الاطراف وحيدا مع ابنته …امتاز هذا الفيلم بجمالية تكويناته البصرية وبرموزه الدلالية السيمائية حسب مفهوم بيرس باعتبارها كيانا” ثلاثي الابعاد يلمس ويحس ويؤول وبالاقتصاد في حركة الممثل وتوظيف حركة الكاميرا حتى تكشف ابعادا” اخرى للموضوع والشخصية والشكل ..القطع كان سلساً وبشكل انسيابي انسجم مع ايقاع الفيلم بشكل متوازن اضافة الى التصوير الجميل الذي استفاد من المكان برسم تكوينات جميلة لاتنسى خصوصا عندما يستخدم الظل والضوء الطبيعي في رسم كادرات سينمائية اخاذة …السينما الايرانية كانت ايضا حاضرة في العام الماضي من خلال فيلم اشتي اسماعيل الحائز على جوائز عالمية عديدة والذي منح الجائزة الثانية والذي رسم خطوط وظلال اثارها لازالت عالقة بذهن المشاهدين ..هذا الفيلم لم يحالفه الحظ ان يخطف ثمار الجائزة الاولى واكتفى بالجائزة الثانية في حينها …وكان على السينما الايرانية ان تنتظر عام حتى تقطف الجائزة الاولى من مهرجان النهج وتضعها بخزائن متحفها من خلال فيلم رجل الملح . الفيلم الايراني الاخر الذي جذب الانتباه اليه هو “مليكه في النار” للمخرج محمد باقر شاهين الذي تناول بشكل وثائقي مباشر قصة قرية سورية يتعرض رجالها الى ابادة شاملة من قبل الدواعش ولايبقى فيها سوى الاطفال والنساء الذي هربوا وتركوا القرية ..هذا الفيلم الذي نال 7 جوائز عالمية وشارك باأكثر من 33 مهرجانا” فضح بشاعة الجريمة من خلال شهادات الاطفال والنساء والصخر والحجر الذي تيبس عليه دماء الابرياء …امرلي وصمودها لم تكن بعيدة ايضا” عن السينما الايرانية فقدمت لنا فيلم المدافعون عن آمرلي للمخرج مهدي خوش نجاد الذي حاول ان يوثق جانب من صمود هذه البلدة بوجه هجمات داعش لكنه لم يوفق خصوصا والفيلم يعرض بمهرجان عراقي وامام جمهور عراقي .. هذا الفيلم حمله الجمهور كثيرمن النقد لانه لم يوثق صمود هذه البلدة بشكل متوازن وحيادي ولم ينقل لنا المعاناة التي عاشها المقاتلين الصامدين ولا اهل البلدة بشكل متميز حتى انه اهمل نساء أمرلي ولم نجد لهن دوراً في هذا الصمود وهذا عكس الواقع ..حسن النوايا لايصنع فيلم جديداً واذا كنت تملك فكرة نبيلة وقضية عادلة فعليك ان تناضل وتعمل بشكل مضاعف حتى توصل رسالتك الى هدفها ولاتتكئه على القضية وهذه النقطة تجرنا الى افلام كثيرة مشاركة بهذا المهرجان لم تحسن عرض قضيتها بشكل فني خصوصا الافلام الوثائقية التي تناولت الحشد الشعبي وبعض القضايا الاخرى ..
من الافلام التي لفتت انظار الجمهوراليه هو فيلم العراقي حسام عباس “صقور في سماء الكنانة ” الذي تناول مشاركة الطيارين العراقيين في حرب اكتوبر 1973ضد اسرائيل وهذا الفيلم نال جائزة المهرجان الثالثة …وكانت المشاركة العراقية واسعة داخل المهرجان حيث شارك اكثر من “25” فيلما” مابين روائي قصير ووثائقي وهي التي اثرت على مستوى المهرجان العام لاافتقاد اغلبها معيار المشاركة لطابع الحماس والعاطفة الذي يطغي على توظيف الفكرة خصوصا في الافلام الوثائقية التي اعتمدت في الغالب على الارشيف وعلى المونتاج الصوري السردي الاعتيادي او تصوير المراسلين الحربيين والتعامل معه كمادة وثائقية بدون ابتكار افكار خلاقه تدهش المشاهد ..لكن على صعيد الفيلم الروائي القصير كان العراق حاضرا وبشكل قوي باعمال اثارت الكثير من النقاش منها فيلم الفرصة وبائعة البخور للمخرج سعيد العصامي وفيلم ليلة دافئة لحسام الشطري وجاري الاتصال لبهاء الكاظمي وفيلم انه الامس للمخرج وثاب محمد صكر الذي نال جائزة افلام السيناريو التي اعلن عنها المهرجان وتم انتاج خمسة نصوص من قبل ادارة المهرجان وهذه خطوة داعمة للمهرجان لانها اقرب لروح المهرجان وتوجهاته واشتراطاته وتم اختيار هذه النصوص لتفرد موضاعاتها اولا” وافقها الانساني الواسع . عيب الافلام العراقية الروائية القصيرة هي افتقاد اغلبها الى ايقاع صوري صوتي منسجم على طول الفيلم ومحاولة تركيز المخرج والقاء كل جهده على مشاهد ماستر يتصورها هي التي سوف ترفع من قيمة الفيلم مثلما شاهدنا في فيلم بائعة البخور المخرج سعيد العاصمي قدم لقطات جميلة وحركة كاميرا رائعة في بداية فيلمه لكن بعد ذلك تلاشى بلقطات وزوايا وانتقالات عادية ونفس الكلام يقال على المخرج سالم شدهان اجاد في الجزء الاخيرمن فيلم “الشهيد الطائر” من نقل الشهيد مصطفى داخل مدينة الفلوجة بلقطات معبرة من وجه الممثل بشير الماجد وهو يتفرس بهم الى قطعات سريعة وموحية للقطات رد الفعل ومن ثم شنقه ومقتل الشخص الذي دفنه لكن في البداية لم يكن موفقا بتقديم مشاهد السيناريو بتسلسل منطقي ينقل معاناة الشهيد وهو يحاول ان ينقذ نفسه او يجد مكان يحمي نفسه فيه حتى الهجوم الداعشي على وحدته لم يكن مقنعا” بتصويره ..
من المشاكل الاخرى التي رافقت بعض الافلام العراقية عدم الاحساس بالمكان لعدم اعتباره محور او الاطار الذي يحيط بالصراع ويمكن ان يعبر عنه لذلك لم يتم توظيف المكان بشكل يخدم السيناريو ويصنع الحدث وهذا يقودنا للحديث عن فيلم اغلى المهور للمخرج محمد الميالي تم تصوير الفيلم في لبنان لكننا لم نجد لبنان الا في لقطات معدودة بمكان منعزل وعلى شاطى البحر واغلب لقطات الفيلم داخل غرف مغلقة لاتوحي بأي تفصيلة تخدم الحدث وكان من الممكن توفير الانتاج والتصوير بكربلاء حتى يتم الاستفادة من امكانيات قنوات كربلاء التقنية ..البعض يعتبر ان السينما هي فن المكان لان الحدث يستمد قيمته من خلال المكان والمكان يستمد قيمته من خلال الحدث وهذا المشكل وقع فيه ايضا فيلم الشهيد الطائر عندما اختار قناة كربلاء كموقع تصوير لمنطقة عسكرية وزارة دفاع او موقع عسكري وشاهدنا بناية جميلة وانيقة من الخارج لكن خاليه من اي مظاهر عسكرية ..كان المخرج ممكن يضع سيارات عسكرية ..او جنود بنوبة حراسة حتى يشعرني الفيلم اني في موقع عسكري او ينتقل المخرج مع كادره الى اي موقع عسكري يرتئيه معبرا عن نصه .عدم السيطرة على الممثل والقدرة على ارشاده هي من المشاكل التي تواجه المخرجين الشباب في افلامهم الاولى وهذا الذي لاحظنه في فيلم “الفرصة ” الذي ضيعه الممثل الاول بانفعالاته المبالغ بها ورغم ان المخرج دافع عن اداء ممثله الا أنه لم يوفق بذلك لان اغلب الجمهور والنقاد لم يكونوا مع هذا الاداء الانفعالي المبالغ فيه …يجب ان تكون هناك شفرة بين الممثل والمخرج اثناء الوقوف امام الكاميرا وكلما كان الاداء طبيعيا كلما استطاع الممثل ان يعبر عن جوهر الشخصية ..فيلم الفرصة الاخيرة فلت من بين يدي المخرج بسبب الممثل رغم الجهد الكبير في التصوير والاخراج والانتاج ..
الاضاءة ارادت ان تقتل فيلم جميل مثل “أنه الامس ” لضعف الانارة المستخدمة خصوصا واحداثه تدور خلال ليلة واحدة ورتابة هذه الاضاءة رغم ان الممثل تنقل بين اكثر من موقع تصوير لكن الفيلم نجح من خلال تماسك جزئيته الصورية والصوتية وسلاسة التعبيروالانتقالات الذي فيه وتوظيف زوايا الكاميرا بشكل واقعي مع الرمزية الكبيرة في نهايته من ان يحصد جائزة مسابقة السيناريو واتصور ان مرد ذلك ان المخرج تعامل مع روح النص وهذبه وشذبه حتى يصل بالصورة الى لغة تعبير عالية ذات مصداقية وبدون تكلف بدراما تصاعديه حتى حقق الاثر المنشود بالضربة الاخيرة منح (طاسة الماء ) التي يحملها لااجل ايصالها الى ابنته الى جارته التي سمع انينها وهو يمر عبر شباكها في طريقه للبيت ، ومع سقوط المطر الذي حمل دلاله واضحه أن السماء كانت تكافئه على فعله الجميل .المشاركة المصرية كانت مميزة هذا العالم ..شاركت بثلاثة افلام روائي واحد من انتاج مركز علي بدرخان المستقل تحت اسم نوار للمخرجة مروة تمام واثنان وثائقيان فريسكا للمخرج ليلان رأفت وام اميرة للمخرج ناجي اسماعيل الذي حاز على جائزة المهرجان الثانية وهو امين على الاسلوب الوثائقي الذي بدأ مع اواسط سبعينات القرن الماضي والذي ارسى اسسه خيري بشارة في طبيب في الارياف وداود عبد السيد في وصية رجل حكيم في شؤون القرية ووالتعليم ومحمد كامل القليوبي وعطيات الابنودي في فيلم الحصان ..فيلم ام اميرة يرصد حياة ام اميرة وهي تحاول ان توفر ثمن علاج ابنتها من خلال بيع شطائر البطاطا المقلية لكن موت ابنتها حطم احلامها لكن الذي سجل على هذا الفيلم ان موت ابنتها لم يغير شيء من اسلوب حياتها… المشاركة السعودية كانت بفيلمين للمخرج محمد سلمان الفيلم الاول قأري الذي فاز بجائزة لجنة التحكيم والفيلم الثاني المخيال .. تركيا شاركت بفيلم وثائقي بعنوان بدو الماء للمخرج يازو بولو كجو وعمر كونيس يتناول السدود التي تقيمها تركيا وتأثيرها على الحياة في الاهوار وهذا الفيلم ابرز ضخامة المشكلة التي تعاني منها مناطق الاهوار بفعل انحسار تصريف المياه وموجة الجفاف التي تعاني منها هذه المناطق والحقيقة ان العراق يعاني كله من الجفاف بفعل السدود التي اقامتها تركيا باارضيها على نهري الفرات ودجلة .























