القلم المسكون بحب الوطن
تجربة صحفية
سوف أترك كل متابعتي وما سجلته من ملاحظات وأنا جالس أستمع وأستمتع بتلك الأمسية الفريدة في نادي الكتاب في كربلاء وبما حملته من وجود قامات شامخة من الأدباء والمثقفين والإعلاميين الكربلائيين ، وأيضاً بما قدمه الدكتور محمد عبد فيحان الأستاذ التدريسي في قسم الصحافة كلية الآداب جامعة أهل البيت في كربلاء بمقدمة رائعة وهو يصوغ ويرتجل كلماته الراقية بحق الأستاذ الكاتب القدير عبدالهادي البابي ، ولا أخفي عليكم أني قد تمنيت ألا تنتهي مقدمة الدكتور الفيحان بما تحمله من معلومات قيمة وصوت يدخل شغاف القلب وأنت تصغي اليه . نعم أنا كنت أتمنى أن تطول المقدمة ، ويكون يوماً آخر للبابي لكي يأخذ كل الوقت في تقديم كتابه القيّم (مقالات في ذاكرة الصحف)..
البابي ..هذا الإنسان الخلوق ، الهادئ الطباع ، الذي تقرأ طيبة قلبه على ملامحه رغم سمة الحزن الطاغية على وجهه والتي تشعرك بأنه يحمل هموم وطن جريح ..! البابي .. الصحفي الذي منذ طفولته وهو يحلم كيف يملك قلماً له وحده بعد أن أتعبته الكتابة على الأرض والجدران ، وأصطبغت أصابعه الصغيرة باللون الأسود لأنه كان دائماً يحمل معه قطعة من الفحم ليكتب بها على الجدران ،حباً بالكتابة وعشقاً لها ، وغالباً ما كان يكرر كتابة لفظ الجلالة..الذي تعلم رسمه وهو صغير ،كان لدموع والده الأثر الكبير في دخوله إلى المدرسة وهو دون السن القانونية لأنه يراه دائماً يحب أن يكتب ، فتعاطفت أدارة المدرسة مع دموع أبيه وقيدوه طالباً في الصف الأول ، وكانت هناك مكتبة لبيع الصحف والمجلات لصاحبها المرحوم الأستاذ عطية في الكراج الموحد في كربلاء وهي قريبة من منطقته وكانت عيونه لا تبارح تلك الألوان والصور الموجودة على الأغلفة وهو يعلقها على حبال رفيعة في واجهة المكتبة وكم تمنى أن يحصل على واحدة من تلك الصحف أو المجلات وهو يمر عليها يومياً في طريق الذهاب إلى مدرسته ، فتحققت أمنيته ذات يوم ولعبت الصدفة دورها في رسم مستقبل الفتى الحالم عبد الهادي البابي لأن الإستاذ عطية صاحب المكتبة قد طلب مساعدته في جلب الصحف من مكان توزيعها في الدار الوطنية ، وأهداه مقابل ذلك مجلة (مجلتي) التي كانت تعني بأدب وثقافة الطفل وقد أعجبته المجلة من حيث المواضيع والقصص ، فكانت أول قصة يقرأها ويحب التأريخ من خلالها هي ملحمة حصان طراودة ، وهذه أول قراءة له وكانت في عام 1976 …
أما بداية كتاباته ففيها ألم وحزن وذكريات مؤلمة ذهنياً وجسدياً ، حيث قاده تمرده على الواقع السياسي آنذاك الى السجن لأنه كان دائماً ينتقد وينتقص من النظام الفاسد ومن ظلمه فكان سجيناً سياسياً أكثر فترات شبابه ، وكانوا يحجرون على السياسين في سجن (رقم واحد) وعندما يخرجونهم كل شهر مرة من الزنازين للتشمس لذهاب العفونة والأمراض منهم ، هناك وجد البابي علبة سكائر فارغة معلقة على السياج الحديدي في السجن فاخذها وأخرج قلم رصاص صغير يحتفظ به وجلس يكتب كلماته وأفكاره فيها وقد أعجبته الفكرة فنسى نفسه رغم هول الموقف وبقي يكتب فسرقة الوقت ولم يدرك أن زملاءه في السجن قد تجمعوا ليدخلوا كل واحد منهم الى زنزانته ولم يسمع صوة السجان وهو ينادي بأسمه حتى شعر بأن ضربة قوية من كيبل كان بيد السجان وقعت على ظهره وحطمت بعض فقرات عموده الفقري أفقدته الضربة وعيه أكثر من عشرين ساعة متواصلة ، وما زال تأثير تلك الضربة بادية عليه ويعاني من آثارها الى يومنا هذا ..! سخّر البابي قلمه وما زال لخدمة الوطن ، وهو يأمل أن يصل صوته الى أبعد مدى ممكن رغم أن جّل أحلامه أن تصدر مجلة للأطفال بمستوى وأفكار مجلة (مجلتي) ومواضيعها التثقيفية الشاملة و التي كانت أول مطبوع يقرأه .. والآن هو الصحفي اللامع والمعروف بكتاباته للمقالات الصحفية ذات الفكرة الفريدة والأسلوب الذي يحمل بصمة البابي فكتب في الكثير من الصحف الراقية كالزمان والمدى والشرق والنهار وغيرها .. وربما لا يعرف الكثيرون أن لديه كتابات في القصة القصيرة والشعر …!! وملخص ما شعرت به طوال فترة حضوري للأمسية الرائعة هي أني كنت أسمع بالأغنية الحزينة والقصيدة الحزينة والرواية أو القصة الحزينة لكني اليوم وجدت الحزن كله يتكلم ويبدع .. حتى في أبتسامته تشعر بأن هناك وجع يمتد من قطعة الفحم السوداء مروراً بأيام السجن السوداء الى يومنا هذا وهو يجد ويشاهد أحلام الفقراء تسحق بأكذوبة لعينة أسمها السياسة والمحاصصة ومايمثلها من السياسيين والإنبطاحيين والنفعيين ..!! شكراً أستاذنا البابي لأنك قدمت لنا مأدبة لذيذة وشهية من مآدب الصحافة والإعلام ، فكانت أمسيتك رائعة بكل المقاييس .. وشكراً للدكتور محمد عبد فيحان لأنه قد أضاف الشيء الكثير في تقديمه للأمسية .. وشكراً لنادي الكتاب في كربلاء لأنه فتح قلبه الكبير لأستقبالنا .. وشكراً لكل من حضر من مؤسسات إعلامية أذكر منها مؤسسة رؤية للصحافة والإعلام ومؤسسة القيثارة للصحافة والإعلام ، وشكراً لكل الإدباء والمثقفين والصحفيين على حضورهم الرائع الجميل ..
فاضل المعموري – بغداد























