لا مفر منهما

قصة قصيرة

لا مفر منهما

مقلبا سنوات عمره متوقفا عند الساحات الشعبية الرياضية التي كانت تجمعه مع أولاد محلته حافظا أسمائهم حتى الذين غيبهم الموت وأصبحوا تحت الثرى وعلى جانبه هدايا وكؤوس تجعله يتباكى على شبابه ذاكرا الحلاق والمصور الوحيدان في محلتهم مارا بالحرب التي أنشبت وفرقتهم وصاروا في ساحات ليست للهو وللعب بل قتال وموت لا يلتقون ألا بالصدفة تحيتهم جعلوها مختصرة سلامات سلامات دموعهم تغطي خدودهم كل شيء عندهم حزين حتى الغناء لا يطربهم ألا بحزنه وبدا يستذكر مكالمته مع ابنه الصغير آنذاك

كيف حالك يا ولدي؟

ـ الحمد لله بخير سمعنا من المذياع قطعاتكم انتصرت على العدو.

ـ أجل يا ولدي لكن رفاقي ماتوا وماتت أحلامهم وعرائسهم.

ـ أخبرنا جدي أن كل إنسان له أجل ثابت.

ـ إنا لله وإنا إليه راجعون.

ـ نسيت أن أقول لك جارتنا الأرملة قد تزوجت بعد موت زوجها بالحرب.

ـ آه يا ولدي هكذا الحرب تقتل شخصا وتزف آخر.

ـ يا أبي سألت معلمنا من الذي يشعل الحروب بقي صامتا لم ينطق.

ـ كان محقا في صمته سؤال كبير علينا.

راح يعيش لحظات وقوف الحرب كان الفرح والحزن موجودين كل منهم له نصيب في الحرب وعودته إلى باب بيتهم الخشبي الثقيل مستجمعا به كل آهــــات الزمان ووقوفه أمام المرايـــــا مرحّبا بالشيــــب خير شاهد على أوجاعه أهلا بك لكنك أحلـــــــــلت قبل أوانك بالأمس كنــــــــتُ جنديا أضع سلاحي على كتفي واليوم حمال أحمل حنطة وشعيرا على ظهري وقلبي على أهلي من نائبات الدهر….

ضاحكا مع نفسه بعد منتصف العمر قائلا الحرب والشيب كالموت لا مفر منهما.

طالب العكيلي – بغداد