
يوماً سمعت أن العارف بالله العالم المتصوف عبد الكريم بيارة المدرس انقطع عن مجلسه في الحضرة القادرية. تحت أفياء منارة القطب الغوث الشيخ عبد القادر الكيلاني. بعدما غدا جثة هامدة فوق تخته الخشبي. يؤذي صحته حتى فلاش التصوير. وقد بلغ من العمر مائة عام وعاماً.
في العام 1999 حرصت أن أزوره في مستشفى التمريض الخاص ببغداد فوجدته نائماً في سريره لا يقوى على حركة. كان مغطّى ببطانية من الصوف، تظهر من تحتها الملاءات البيض. وقد أومأ إليّ بعينيه. وفي عينيه بريق شديد. وتبادلنا النظرات. وتكلمنا بالأعين ما لم تستطع أن تبوح به الألسن.
في السنوات الأخيرة كان الشيخ المدرس يتكلم كما لو أن الملل أصابه. يقول كلمة ويسكت. أو يقتضب مقطعاً دون أن يكمله. كان يضغط على كلماته ضغطاً وفي صوته نبرة من حزن عميق، ومرة سألته:
هل كنت محظوظاً في دنياك يا مولانا؟.
قال: حظي من الدنيا أني قلت بسم الله الرحمن الرحيم، وأني جاملتُ الصالحين من أهل العلم والدين.
قلت: وماذا أعددت ليوم الفزع الأكبر؟.
قال: العمل بقدر الإتيان.. والتوكل على الله المنّان.
قلت: بعد هذه السنوات المائة التي عشتها.. ماذا تريد؟.
قال: إذا أبقاني الله سالماً، أشتغل بالتوبة من الله وحسن العاقبة.
قلت: لقد عشتَ قرناً من الزمان.. فهل يقلقك الموت؟.
قال: كل ذي حياة يخاف من موته، ولا يعجبه موته، ولا بُدّ لكل إنسان أن يخافه. لا بُدّ من تحسين الصورة بما ينفع عند اللقاء.
سألته: لكن آخرين يشتاقون إلى الموت عملاً بقوله تعالى: “وعجلت إليك ربي لترضى”؟.
قال: هذا اشتياق في حسن الأدب.
سألته: وكيف تمضي يومك الآن؟.
قال: كما تراني بين اليقظة والنوم، والخلوة إلى الله.
سألته: ما الحقيقة التي وصلت إليها بعد هذا العمر الطويل؟.
قال: ليست هنالك حقيقة أعظم من قول لبيد بن ربيعة:
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطلُ
وكلّ نعيـــمٍ لا محـالة زائـــلُ
ثم رفع يديه إلى السماء، وكان يدعو بالبكاء: اللهم جنّبنا مصارع السوء.
قلت: ما الذي يُبكيك يا مولانا؟.
قال: إنها وحشة الشيخ عندما يشعر بدنو أجله. وما كنت أبكي من خشية الموت، لكني أضرع إلى الله فإنه يحبّ من عبده أن يدعوه تضرعاً وخفية.
كان الشيخ عبد الكريم المدرس يعيش في تلك الأيام شبه وحشة. أو لعلها غربة الفقيه الذي لم يأخذ مكانته في مجتمع انقطعت فروعه عن أصوله. وأوائله عن أواخره. والأحفاد عن ميراثهم. والدين عن جوهره. وتحولت كثير من شعائره إلى مجرد ممارسات طقوسيّة. وأصبحنا جميعاً في حاجة إلى أن نقرأ في سيرة القرون الأولى.. كنت أشعر أننا التقينا لقاء غرباء. ولسوء الحظ كان آخر لقاء!.
























