يوسف العاني فنان الشعب 2-2
المسرح العراقي الأصيل بدأ سياسياً
عبد الخالق كيطان
ب.محور الإخراج المسرحي:
1.لابد لكي يكون الجواب دقيقاً أن أنطلق منذ بداياتي المسرحية أولاً، ثم أنتقل إلى مراحل تلت تلك البدايات ثانياً، وحتى اليوم. كلنا دون استثناء تعلمنا من أستاذنا حقي الشبلي، ومن الرواد الذين تعرفنا على أعمالهم المسرحية. حقي الشبلي علمنا “أخلاقية المسرح”. الضبط والالتزام. الدقة في كل تصرفاتنا على المسرح. علمنا كيف نلقي الكلمات ونحرص على ما نقول على خشبته. حقي الشبلي كان البداية، وبعدها، سرنا في درب المسرح الواسع كي يضيف كل منا إلى ما تعلم، الشيء الجديد المنفتح على عالم المسرح ولاسيما الإخراج.
في بداية المرحلة الثانية، ونحن بعد في معهد الفنون الجميلة، وبالتحديد منذ 1951? كان ابراهيم جلال هو التجربة الغنية التي مست أحاسيسنا وطموحنا. كنا شباباً، كلنا كنا شباباً، مع اختلاف نسبي في سنوات العمر. ابراهيم جلال كان يفتح أمامنا آفاقاً جديدة، احياناً لا يدري هو نفسه ما هي. وأحياناً نكتشف نحن فيها ما يريد هو وما نريد نحن. وسافر ابراهيم جلال إلى الولايات المتحدة وعاد، وخلال تلك السنوات كان هو يتقدم نحو ابداعات جديدة وكنا نحن نزداد معرفة وتجربة وثقافة. وحين عاد، تلاءمت الرؤيتان برؤية كونت تجربة ظلت تتجدد نحو الأرحب والأعمق حتى آخر سنوات عمر ابراهيم جلال.
تلامذة جلال
من تلامذة ابراهيم جلال برز سامي عبد الحميد وقاسم محمد. وهما ما كونا، بالنسبة لي، حالتين من حالات الإبداع المتجدد عند كليهما. فكانت معظم المسرحيات التي شاركت فيها بعد ابراهيم جلال هي من اخراج سامي عبد الحميد وقاسم محمد. عملت مع جاسم العبودي، وكنت سعيداً بذلك العمل، فحين عاد في أواسط الخمسينيات حمل معه الفكر الأكاديمي المثقف في رؤيته الإخراجية أنذاك، وقد ظل حتى آخر سني حياته يحمل هذه االروح ويحرص عليها.
أما بهنام ميخائيل، قديس المسرح، فقد ترك في النفس عمق القدسية لكل خطوة يخطوها في المسرح، مخرجاً أميناً ممتلئاً بالثقة والحب في كل ما قدم على خشبة المسرح.
- 2. لم يقدمني مخرج معين كاتباً في المسرح، بل قدمت نفسي، كما أشرت، في بداية تجربتي المسرحية منذ العام 1944 وما بعد ذلك في نشاطي المسرحي بكلية الحقوق. لكن هنالك تجربة، أو أكثر من تجربة، كانت مع خليل شوقي. فقد تعرفت عليه مصادفة ونحن نعمل في حفلات “جبر الخواطر” بكلية الحقوق، فإذا به يقدم نفسه أحد الدارسين في معهد الفنون الجميلة، فرع التمثيل، لكنه لم يكمل الدراسة. انه يحمل تجربة مسرحية أكثر منا. فكان مخرج تمثيلياتنا التي قدمناها: “محامي نايلون”، “في مكتب محامي”، “جبر خاطر قيس”، وكان مصمم الديكور وموزع الانارة وأحياناً يتولى الماكياج! خليل شوقي وفي أول مسرحية كتبتها من مسرح اللامعقول، ولم نكن نعرف أنذاك معنى اللامعقول، وأول مسرحية تكتب في المسرح العربي في المونودراما، هي مسرحية “مجنون يتحدى القدر”، والتي أكدت الدكتورة نهاد صليحة أنها فعلاً أول مسرحية عربية للمونودراما تكتب عام 1949 وتقدم عام 1950 من قبل جمعية جبر الخواطر على مسرح الفنون الجميلة، كانت من اخراج خليل شوقي. إذن، أنا أعتبر أول مخرج قدمني كاتباً هو خليل شوقي. أما أول مخرج قدمني في الحالتين، اي كاتباً وممثلاً، فقد كان ابراهيم جلال بعد أن كونا أو اسسنا فرقة المسرح الحديث عام 1952 فكانت أكثر من تجربة وأكثر من عمل مسرحي بل كانت حياة مسرحية غيرت وجه المسرح الحديث الذي عملنا من أجل أن يأخذ دوره فناً وثقافة وفكراً.
- 3. دون شك كانت هناك مناهج اخراجية متعددة. فإذا أخذنا على سبيل المثال ابراهيم جلال والذي تحول من حالات الابداع الذاتي المتأثر إلى حد ما بمدرسة ستانسلافسكي إلى منهج برشت في الإخراج، ثم تجاوزه كما يقول في منهج يجمع بين التطهير والتغريب. يمكن أن نضع ابراهيم جلال في منهج خاص به. لننتقل إلى جاسم العبودي، طالب ستانسلافسكي برؤية فيها تأثير من المسرح الأميركي لنجد قاسم محمد المتعمق بمنهج ستانسلافسكي مع التأثير البين والواضح بأساطين المسرح الروسي. أما سامي عبد الحميد فتظل تأثيراته رصينة. يستلهم من مدارس الاخراج العالمية دون أن يعزل نفسه في أكثر الحالات عن المسرح الذي درسه عن كثب وأعجب به أي المسرح الانكليزي. 4. ابراهيم جلال غادر الحياة لكنه لم يغادر الساحة المسرحية وترك طلاباً تأثروا به، لكن ظرف المسرح العراقي، مع الأسف، لم يترك تواصلاً دائماً لكي نجد الجسر الذي يربط الصل بالفرع، فضاع ذاك التأثير. العملاق ابراهيم جلال بما ترك سوف يفجر ذات يوم آخرين هم في الساحة ولكنهم لم يأخذوا بعد، كما قلت، تواصلهم واستمراريتهم ليكونوا عمالقة.
- 5. تجارب التسعينيات في بعضها اشراقات حميمة وعميقة وفي بعضها الآخر ومضات لا تكاد تظهر حتى تخبو، وهذا ما يدل على أن تلك الومضات عابرة فعلاً لا تتكئ على أساس متين من الرؤية والعلمية والابداع العميق. فنحن نشير لكلا الظاهرتين بصراحة وحرص، وقد تأكد لنا ذلك، اي تأكذت صحة رؤيتنا، لا من باب التعالي بل من الفهم الأمين كي لا يضيعوا، وقد ضاع بعضهم فعلاً وما زال البعض الآخر يغذ السير بنجاح. أذكر ثلاثة فقط: غانم حميد، عواطف نعيم وكاظم النصار. وأعتقد أنك تشاطرني الرأي!
ج.التمثيل المسرحي
1.لا لم انسحب من خشبة المسرح، لكنني لم أمثل منذ سنوات، والسبب أنني مقل اصلاً في الظهور على المسرح، وانني أنتقي المسرحية التي أمثل فيها سواء كانت من تأليفي أو لكاتب آخر. وهذا ما لم يحصل مع الأسف بسبب طغيان العروض المسرحية الرديئة التي أشرت إليها. مازلت أكتب المسرحية الشعبية العراقية، ولأقل المسرحية العراقية ذات البعد الإنساني الأصيل، لكن أسلوب الكتابة أو المعالجة تختلف بين واحدة وأخرى. فالمفتاح مثلاً ليست مثل الخان، وليست مثل الجومة، أو المكوك، أو ليست كل هذه المسرحيات مثل “زعفران” التي من المتوقع أن تقدم هذا العام من اخراج عواطف نعيم. ابتعادي عن التمثيل في المسرح ليس انسحاباً بل اقتراباً إليه حين يكون الظرف الملائم لأن أرسم دوراً جديداً لا يكرر ما قدمت عبر سنوات طويلة من الشرف الكبير الذي منحته لي خشبة المسرح.
- 2. أولاً أنا لا أؤيدك بتعبير “التمثيل الواقعي”. ربما نكون نحن ممن عكس الواقع عبر فن التمثيل، بأصالة وفهم وإقناع، أما أن نقول تمثيلاً واقعياً فهذا قد يعطي فهماً خاطئاً في أننا ننقل الواقع كما هو، وهذا، كما قلت، ليس فناً، بل فوتوغرافية لا تضيف شيئاً لذلك الواقع.
ثانياً ان هذا التيار، وبكلمة أدق هذا الاتجاه الفني مازال موجوداً. أذكرك بمسرحية “إلى إشعار آخر” و”الكفالة” وأخيراً “شكراً ساعي البريد” (ثلاثية مسرحية قدمت في التسعينيات من تأليف عبد الكريم السوداني واخراج سامي عبد الحميد كانت مثلت محاولة جريئة لاستعادة المعنى الحقيقي للمسرح الشعبي) التي قدمتها فرقة المسرح الفني الحديث أوائل عام 1999 هذا الاتجاه في الحقيقة، ما زال يحمل امكاناته وحقيقته الواقعية الفنية، أما ما يسمى في بعض الأعمال المسرحية الرديئة الفهم والصنع، بالمسرح الواقعي، فهو سطح الواقع وشكله، أما جوهره وعمق الفكرة فقد استلبته أساليب التسطيح والاستســــــهال والبحث بواسطته عن الاسفاف المضحك والانحطاط حتى في سلوك الشخصيات.
مسرح سياسي
ثالثاً، لابد أن أؤكد لك أن المسرح العراقي الأصيل بدا سياسياً ولم يسيس. هذه حقيقة لابد أن نؤكدها. فمنذ فترة العشرينيات، ومنذ مسرحية “وحيدة” لموسى الشابندر كان المسرح العراقي يحمل انتماءه السياسي فهو يعبر إذن عن الفهم السياسي للظواهر التي يضج بها المجتمع من خلال صراعات تجري من حوله تارة وهو عارف بها ومن خلاله هو أي الكاتب والممثل والمخرج، لأنه هو عنصر في هذا الصراع. وهكذا من خلال واقع كهذا الواقع ظهرت المسرحية الواقعية العراقية، والتي تسمى تارة بالمسرحية الشعبية وأخرى بالواقعية، وهي في الحقيقة مسرحية اصيلة المنبع وان اختلف الأسلوب. فـ”الخرابة” مثلاً، تبدو ليست واقعية، لكنها تعكس الواقع بكل ابعاده، واقع الحياة المعاشة والتاريخ القريب والبعيد. وأود أن أضيف نقطة تبدو هامة بتقديري الشخصي، ذلك أننا في كل أعمالنا المسرحية العالمية التي قدمناها قبل عشرين عاما، مثل “بيت برناردا ألبا”، أو مسرحية “الزيارة” لدورينمات والتي قدمت بداية عام 1998 حاولنا ان نقرب الفكرة والحدث بل وحتى المعالجة لكي تكون غير غريبة عنا. فيها واقع ملموس ومحسوس في حياتنا، وهذا عامل من عوامل اقتراب المشاهد لكل صنوف المسرحيات، ولاسيما العالمية منها.
3.طبعاً اشعر بالرغبة بالتمثيل، بل أنني ومن خلال البروفات المسرحية للمسرحيات التي نقدمها أو اشارك مع المخرج، وأحياناً أقف على الخشبة كي أؤدي جزءاً من مشهد وكأنني أدغدغ مشاعر رغبتي في أن أقف على المسرح ممثلاً في مسرحية قادمة سواء من تأليفي أو من أي كاتب آخر، وسوف أفعل حين يكون الدور وتكون المسرحية متلائمة مع الطموح الذي أريد، وفي أن أضيف شيئاً أو قيمة جديدة لما قدمت، وأن يكون الدور متلائماً مع عمري، فقد شعرت في أكثر من مناسبة أن المخرج يفكر أن يشركني في مسرحيته لمجرد أن أكون فيها، وهذا ما أرفضه. أما من هو المخرج الذي سأعمل معه، فهو الذي يقنعني بأن المسرحية وشخصيتي فيها يناسباني، وكما قلت، وتضيف قيمة جديدة لما قدمت. أما الممثلون الذين سيقفون إلى جواري فأشترط أن يكونوا أكفاء وجديرين بالمسؤولية سواء أكانوا من الرواد أو الشباب.
د.الفكر والنقد والصحافة
- 1. أنا أدرك جيداً أن التجربة المسرحية متسعة الجوانب متعددة الوجوه، وأفترض دائماً أن من واجبي أن أعكس ما يضمر في نفسي من أحاسيس واستنتاجات لابد أن أسجلها وأقدمها للآخرين، فذاك هو جزء من مسؤولية كبيرة أشعر بها، ومن اللازم علينا وقد قطعنا شوطاً طويلاً في المسرح وفي الفن عامة اللا نغلق الأبواب على ما نملك بل أن نهب ذلك أو بعض ذلك إلى الغير كي يتعلموا وينتفعوا منه. صحيح أن الرؤية قد تختلف، ولكن الاختلاف في الغالب حالة صحية. هذا بالنسبة للمسرحيات التي تقدم في العراق ويشاهدها الكثيرون، لكن هنالك أعمالاً مسرحية شاهدتها في الكثير من الأقطار العربية الشقيقة ومسرحيات أخرى في العالم من فنلندا إلى ألمانيا غلى فرنسا إلى اسبانيا وغير ذلك، هذه الرؤية نقلتها بكثير من الحرص تحقيقاً لهاجس مخلص وأمين هو المركز والمنطلق لكل ما كتبت.
- 2. كتاب “شخصيات وذكريات” حصيلة مواقف من الوفاء لناء أعتز بهم سجلته أو دونته خلال ثلاثين عاماً. كنت في كل شخصية أو ذكرى أسجل جزءاً من مرحلة أو صورة لحالة مرت وقد لا تعود، ولابد من أن أثبتها كي لا تضيع ومع ضياعها نفقد أكثر من حقيقة، وهكذا تحقق لي تسجيل وتصوير أكثر من 128 شخصية جمعني بها المسرح، أو الفن والأدب، وأعتقد أن الشخصيات كلها والذكريات محطات لناس أكثر من الذين رحلوا، وكثيرون من الذين على قيد الحياة تربطهم علاقة أو صداقة أو ذكرى معهم، أعني من كتبت عنهم، وهكذا وجد الكتاب طريقه الرحب غلى قلوب ونفوس الكثيرين. (صدر الكتاب في جزأين، الأول عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 1999 والثاني صدر عن ذات الدار عام 2012).
3.الغريب أنني ولدت ومنذ 24 شباط 1944 كاتباً وممثلاً في آن واحد. فأنا كتبت كما أشرت أول نص مثلته، وما زلت حتى اليوم أعتبر الكتابة جزءاً يسيراً متوازياً مع التمثيل، لكنها، اي الكتابة، ليست بديلاً عن التمثيل بل هي في الوقت نفسه جزءاً مني، من طموحاتي ونشاطي وممارستي الفنية، إنها تشعرني بحق أنني لست بعيداً عن المسرح.
فالكتابة ممارسة مسرحية بصيغة أخرى، أعني تشكل اقتراباً من فن التمثيل حين يقوم به واحد ممن أحبهم وأراقبهم وأرشدهم وأحلم أن يحققوا ما يريدون، تماماً كما كنت أنا في بداية شبابي.
- 4. المركز العراقي للمسرح واجهة ثقافية ترتبط بالمركز العالمي للمسرح. نشاطه يعكس صلته وحضوره بنشاط الأصل. منذ سنوات لم نعد نحضر مؤتمرات المركز العالمي للمسرح والتي تقام كل عامين بسبب الحصار وعدم القدرة على تغطية تكاليف السفر والحضور. لهذا السبب صار نشاطنا محصوراً في اللجان المسرحية التي تسهم في مهرجانات عراقية أو اشراف على فعاليات ذات علاقة بالمسرح. لقد كان حضور الوفود العراقية ذا أثر كبير في تلك المؤتمرات، بل حاولنا أكثر من مرة أن نوفر زيارات لبعض المسرحيين الشباب لحضور ندوات ودورات قصيرة الأمد.
وحاولنا وبامكانات متواضعة تقويم الأعمال المسرحية العراقية، الآن تعددت الجهات التي تقوم بهذه المهمة، وصار المركز العراقي للمسرح مساهماً في ذلك. اننا ننتظر صدور القانون الجديد للفرق المسرحية، حيث تعود الفرقة إلى موقعها الذي يحترم مسؤوليته، أنذاك نعيد ترتيب المركز بكفاءات جديرة بالمسؤولية التي من خلالها نحاول أن نعود إلى الموقع الذي كنا فيه، وأن نبذل المستحيل في أن نعود للمشاركات الدولية لنشاطات المركز العالمي للمسرح.
- 5. حركة النقد المسرحي عندنا تتشكل من وجوه. الأول: مجرد آراء ذاتية تبتعد عن العلمية وحسن القصد. الثاني: وجهات نظر تغرق في أكاديميتها وتفصيلاتها المدرسية بحيث تصبح عصية على القارئ الذي يريد أن يفهم ويتعرف على جوهر الحقيقة. الثالث: نقد ينطلق مع علميته من واقع الحال الذي يسهل للقارئ الوصول إلى المعرفة الصحيحة كي يحدد موقعه وموقفه مما يعرض عليه من مسرحيات تتباين وتختلف.
- 6. كثيرون علموني…
منذ أن كنت صغيراً كنت أتعلم من الكبير والصغير، وما زلت. عمي توفيق، رحمه الله، كان معلمي الأول في الحياة، بل معلم عائلتنا كلها. علمنا معنى أن تكون الحياة ساحة لمباراة الخير والمحبة والعدل، لا الشر والكره والظلم. بعده كان أخي الكبير عبد الغفور وأخي الثاني، وأمي وزوجتي وابنتي وأصدقائي وأساتذتي وكل من قرأت لهم أو شاهدت مسرحية لهم أو اقتربت من شاشة أفلامهم. والناس الطيبون البسطاء… الله… كم علموني أن أكون بسيطاً سهلاً مع الآخرين ولكن قوياً وصعباً مع من يسيء للإنسان، هذا الكيان العظيم، أو يسيء للوطن الغالي وأرضه المقدسة. كل هؤلاء، وربما غيرهم، أنظر إليهم الآن بعين الشكر والعرفان، فلولاهم لما رضيت عن نفسي وأنا أتجاوز السبعين من عمري (حين الحوار).
























