الخاولي‭ ‬والوزير

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

في‭ ‬هذا‭ ‬الشهر،‭ ‬آيار،‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬وفي‭ ‬الخامس‭ ‬والعشرين‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬،‭ ‬مناسبة‭ ‬غير‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬لكنها‭ ‬قائمة‭ ‬منذ‭ ‬ربع‭ ‬قرن‭ ‬في‭ ‬الأقل‭ ‬،‭ ‬تُعرف‭ ‬بيوم‭ ‬“المنشفة”،‭ ‬يعني‭ ‬يوم‭ ‬“الخاولي”‭ ‬بالعامية‭ ‬العراقية‭ .‬هناك‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬محتفلون‭ ‬يعبرون‭ ‬عن‭  ‬اعتزازهم‭ ‬بهذا‭ ‬اليوم‭ ‬ويحملون‭ ‬طوال‭ ‬اليوم‭ ‬المنشفة،‭ ‬ويصنعون‭ ‬منها‭ ‬أشكالاً‭ ‬متعددة‭ ‬أليفة‭ ‬وغريبة‭ ‬عبر‭ ‬لفّها،‭ ‬أو‭ ‬طيها،‭ ‬أو‭ ‬عقدها،‭ ‬أو‭ ‬التلويح‭ ‬بها،‭ ‬أو‭ ‬ارتدائها‭ ‬على‭ ‬الخصر،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الرأس‭ ‬أو‭ ‬نشرها‭ ‬على‭ ‬النافذة،‭ ‬وحين‭ ‬تنتفي‭ ‬الحاجة‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬تنشيف‭ ‬الوجوه‭ ‬تنتقل‭ ‬الى‭ ‬وظيفة‭ ‬أخرى‭ ‬ذات‭ ‬أهمية‭ ‬تدركها‭ ‬ربة‭ ‬المنزل،‭ ‬وهي‭ ‬الاستخدام‭ ‬كممسحة‭ ‬لأرض‭ ‬المنزل‭. ‬

إنّها‭ ‬المنشفة‭ ‬وليس‭ ‬شيئاً‭ ‬آخر،‭ ‬المنشفة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬ينتبه‭ ‬الى‭ ‬وجودها‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يزاول‭ ‬حياته‭ ‬ولا‭ ‬يبدأ‭ ‬يومه‭ ‬او‭ ‬ينهيه‭ ‬الا‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬القطعة‭ ‬القماشية‭ ‬او‭ ‬النسيجية‭ ‬القطنية‭ ‬المعروفة‭ ‬بالمنشفة‭. ‬وكانت‭ ‬هذه‭ ‬الالتفاتة‭ ‬الشعبية‭ ‬الاحتفالية‭ ‬مستنبطة‭ ‬من‭ ‬احدى‭ ‬روايات‭ ‬الكاتب‭ ‬البريطاني‭ ‬‮«‬دوغلاس‭ ‬آدامز‮»‬‭ ‬ذات‭ ‬السخرية‭ ‬المرّة‭ ‬والمُحببة‭ ‬للنفوس،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬توفي‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2001،‭ ‬اخترع‭ ‬محبو‭ ‬رواياته‭ ‬هذه‭ ‬المناسبة‭ ‬وباتت‭ ‬تقليداً‭ ‬احتفالياً‭. ‬لا‭ ‬ندري،‭ ‬ربّما‭ ‬يتوسع‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بهذه‭ ‬المنشفة‭ ‬ويومها‭ ‬السنوي‭ ‬لينتقل‭ ‬أنصارها‭ ‬الى‭ ‬تكوين‭ ‬حزب‭ ‬لهم‭ ‬ينشط‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬مُبشراً‭ ‬بقضية‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالمنشفة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬سبب‭ ‬مزدوج‭ ‬في‭ ‬النظافة‭ ‬ونقل‭ ‬الامراض‭ ‬التنفسية‭ ‬إذا‭ ‬تلوثت‭ ‬وتعدد‭ ‬مستخدموها‭ ‬عن‭ ‬دراية‭ ‬أو‭ ‬بدونها‭.‬

من‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬أسباب‭ ‬منطقية‭ ‬في‭ ‬المقارنة،‭ ‬وجدت‭ ‬نفسي‭ ‬أقارن‭ ‬بين‭ ‬المنشفة‭ ‬والوزير‭ ‬المغادر‭ ‬منصبه،‭ ‬الذي‭ ‬يتحول‭ ‬الى‭ ‬دور‭ ‬آخر‭ ‬مجهول‭ ‬تماماً،‭ ‬هو‭ ‬ببساطة‭ ‬اللادور‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬وكأنه‭ ‬كان‭ ‬نسياً‭ ‬منسياً‭ ‬او‭ ‬انه‭ ‬عاد‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الصدفة‭ ‬نسياً‭ ‬منسياً،‭ ‬اذ‭ ‬لا‭ ‬يفيد‭ ‬البلد‭ ‬منه‭ ‬بعد‭ ‬مغادرة‭ ‬المنصب‭ ‬في‭ ‬شيء،‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يفد‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬خلال‭ ‬وجوده‭ ‬بالمنصب‭ ‬إلا‭ ‬مَن‭ ‬رحم‭ ‬ربّي‭ ‬من‭ ‬القلة‭ ‬النادرة‭ ‬المعرضة‭ ‬للانقراض‭. ‬

فقد‭ ‬جاء‭ ‬ليصبح‭ ‬وزيراً‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬يدري‭ ‬في‭ ‬ركب‭ ‬صُدف‭ ‬المحاصصات‭ ‬والصفقات‭ ‬وسيغادر‭ ‬في‭ ‬ركابها‭ ‬الى‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬فائدة‭ ‬منه،‭ ‬تاركاً‭ ‬وراءه‭ ‬مجالاً‭ ‬أغبرَ‭ ‬مُتسخاً‭ ‬يحتاج‭ ‬الى‭ ‬مليارات‭ ‬المناشف‭ ‬لتنظيفه،‭ ‬ولا‭ ‬ينظف‭.‬

أو‭ ‬انه‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬الى‭ ‬منشفة‭ ‬واحدة‭ ‬،‭ ‬اذ‭ ‬انّ‭ ‬هكذا‭ ‬جبين‭ ‬لن‭ ‬يحتاج‭ ‬لمنشفة‭ ‬أبداً‭ ‬لأنه‭ ‬ببساطة‭ ‬لا‭ ‬يتعرق‭  ‬خجلاً‭ ‬إزاء‭ ‬التقصير‭ ‬بالواجبات‭ ‬الوطنية‭ ‬والتساهل‭ ‬مع‭ ‬تبديد‭ ‬ثروات‭ ‬البلاد‭ ‬بحجج‭ ‬العجز‭ ‬وقلة‭ ‬الحيلة،‭ ‬اذا‭ ‬احسنّا‭ ‬الظنّ‭ ‬ببعضهم‭.‬

[email protected]

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية