وخز الحواس في مجموعة الهجرة إلى مملكة الثلج

وخز الحواس في مجموعة الهجرة إلى مملكة الثلج

صور إجتماعية نابضة

 سمير الخليل

عبر اهدائه الأنيق سردياً، وبطرح غير مباشر في حرفية واضحة، يُعلن “الزاملي” (الهجرة إلى مملكة الثلج)(1)، أمام ملأ الأحبة المصطفين، من خلال بياض القلب احتواءً.. إلى بياض ناصع ينشده رايةً رمزية عالية في مملكة قد تتحول في يوم ما إلى مخلوق سيّال إذا هاجمته رماح اشعة شمس قد تبزغ في أية لحظة.. مملكة هي في خيال السارد، رمزية اللون والوشاح، مملكة ربما لا يصل إليها إلا في ذرى يقظة حالمة أو إغفاءة تنتهبها فجاءة صحوة على غير موعد , لأن التي ضيّعها كانت معه (2).

تتلوها مقدمة وجيزة يختصر فيها رحلة العمر من الولادة إلى السعي لنشدان الحقيقة التي على الرغم من نصاعتها لا يلتمس الوصول اليها؛ فيعلل النفس بالمطالعة والكتابة والحب والعيش علّه يتلمّس أثرها… ولكن المتأمل لما بين السطور لا يرى أملاً نابضاً يتشبث به في عزم للوصول إلى مرافئها… لا بل يتنسَّم عبيرها.. فهي هي.. وليست هي…

وحين نتلمس صفحات هذه المجموعة القصصية (الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2012 للقاص حميد الزاملي)، نلمح في قصة (عندما يأتي المطر) انسيابية هادئة وأحداثاً متتالية يحكمها ترابط تواصلي يجمع بين العودة إلى الذاكرة بمرارتها الأليمة، وواقع أكثر ايلاماً تعيشه ذات السارد، وبوصف لا يمازحه الإطناب يعمد إلى توليفه تمتزج فيها ثنائية التذكر والواقع المعيش، والفقدان والاجتماع، والتوافق والأفول بين الحبيب المغادر والمحبوبة الآفلة، بمشتركات الخسارة والانتظار المر، فكأنه يعمد إلى ((مطاردة الخيال في لقطاته الواقعية))(3).

والموعد المنتظر تحت زخات المطر، وتشخيص واهم من الطرفين، إذ أن (((العشق لا يعلن أسراره بسهولة))(4)، ليصل إلى نتيجة مفادها أحلام واهية بين زخاته مطر واهية وبرمزية آسرة يصرح بانها: ((كانت تستل أحلامها من المطر))(5)، على أمل أن يلتقيا ثانية:

((- ربما

– ومتى؟

– عندما يأتي المطر.))(6) .

فهما فاقدان، كل منهما يبحث عن صنوه.. فهي تبحث فيه عن (ماجد)، وهو يبحث فيها عن (نوال):

(((- لا عليك ربما أكون نوال وتكون أنت ماجد…

قاطعها:

-وكيف يكون ذلك؟

-لا أدري))( 7).

* * * * * *

وفي قصته التي عنونها بـ (الطائر حسن) يعيش البطل في صلب ذاكرته يستّل منها أحداثه التي تلقي بظلالها عليه، يترقب صدى الأرواح التي تحيط بقلبه والمكان، يقلب بصره في الوجوه، مرةً في الصورة الموشحة المعلقة على الجدار، ومرة في المرآة المتربة، وأخرى في ذكرياته مع أصدقائه (الملك والطائر والرمية)، وثالثة في الساحة الترابية التي ما أنفك يحاورها وتحاوره، ورابعة مع روح زميله حسن، مفكراً في حلول لحياته التي تمر مرّ السحاب، مركزاً على جملة أثارها في جواب السؤال أمه:

((- إلى متى؟

– كل شيء يروم الوصول يا أمي، والانتظار يجلب المفاجآت.))( 8).

لكنه بتكرار صوت مذيع الأخبار، كأنه يريدنا أن نتابعه معه لعلّه يفاجئنا بخبر يكتمه عنا، أو إنه يريد أن نقول: استمعوا إلى الأخبار لتروا معي مصير جنان التي عشقها مع “الطائر حسن” الذي غادر قبل الأوان، وإن كان أحد أصدقائه قد أعلن أن: ((حسن الطائر ربيع دائم يجب المحافظة عليه))(9)، ولكن ليس باليد حيلة، فالحلول للمشاكل مشرعة ليس في ذاكرة الأصدقاء بل في حوادث الأيام وتقلباتها.. إنه في الأنتظار حتى (حسن الطائر) الذي ينتظر الحلول من مهدي لم يجد بدّاًً من أن يضع له حلاً أخيراً ليختار جنان الى ((ازمنة مختلفة تملكها أنت فقط، لعلك تقصد من رحيل جنان سراً مضافاً يوثق اعترافاتي المتأخرة ويعيد الأماني إلى ذاكرتي الممزقة، ويقنع أمي المنتظرة أمام حركة البندول وزجاج الصورة الموشحة))( 10).

بطل القصة ترك الأيام والأحداث تعبث به، من دون تفاعل، فكان انتظاره سلبياً، وظل مستمراً واقفاً بصمت وأمه تنشر دخان البخور حوله… أنها نظرة متوافقة بشدة مع ذات السارد، إذ أنه ألقى بظلال انسحاباته على أبطاله لينظر من خلالهم إلى روحه الواقفة وقفة تسمّر من دون حراك.

ونلحظ في النص القصصي –مدار الدراسة- طرحاً مباشراً من السارد لم ينتبه اليه، إذ شغلته فكرة إيصال المعلومة إلى المتلقي متأملاً أن يشاركه حزنه الطاغي، وحتى في اعلان وفاة “جنان” حين يقول:

((الله أكبر… الله اكبر

رحمك الله يا جنان، رحمك الله يا جنان.

تعالت الأصوات من الزقاق المؤدي إلى جنان، ها هو يقترب من الهمسات ويتعالى مع ارتفاع الأكف. لم تأخذه موجات الماشين خلف الجنازة بين الذهول والأصوات المكبرة فقط بل تنهد بألم مع صدى خساراته المتكررة، مستذكراً نبرات قارئ الأخبار وهو يعلن ضحايا التفجيرات الارهابية.))(11 )، فنجده هنا لم يوظف الرمزية في اعلان الحدث والتعبير عنه بِحرَفَية، إذ أنها ستكون أبلغ عبر ترميز مبسّط بمفردات معبرّة، فهو بحاجة الى لغة ((تتردد في وسط تنوع كلامي، وأنه يجب حمايتها وتنقيتها والدفاع عنها وتعليلها.. فيحدد بذلك الوقع الخاص للكلمة))( 12).

ولعل في تصدي الزاملي لقصته ((الطريق)) تتراءى أمام المتلقي انثيالات الذاكرة المتدفقة التي تغطيها بتاريخ الوداع بين البطل وحامد في حوارية تضع النقاط على الحروف الشائهة، مع وقفة تأمل واسترجاع لحوادث مرت بينهما، لم يتم التعمق بتفاصيلها وأسبابها… فالقصة لا تعدو عن لقاء ووداع… لقاء يستذكره عبر وصيه والده: ((عندما تغادر يوماً، تذكر أنك ستعود))(13 )، وها هو يعود محملاً بذكريات الماضي ((مستنشقاً دفق الدخان المتصاعد من معامل الطابوق الثمانية المتجاورة منذ الأزل، تاركاً لسخامها إكمال ما تبقى من انثيالات الصعود إلى يقين المدينة المحتقن، والرسو مع هيبتها بانتظار وصول أحبتها المحتمل))) (14)، جامعاً حياته وذكرياته وامنياته تخالط دخان معامل الطابوق… كسراب بقيعة، أو كقابض على ماء لا يلوي على شيء سوى خيط دخان من ذكريات آفل…

القصة بحاجة إلى وعي لغوي نشط أدبياً يوجد صوراً تعبيرية متجددة لتكون اشد عمقاً وتنوعاً في داخل اللغة الأدبية كما في خارجها ( 15).

مقهى عام

أما في قصة (الساق والمسبحة) فيعرض لنا الكاتب صوراً اجتماعية متباينة لثلاثة من الجلساء في مقهى عام تتباين ردود أفعالهم تجاه ما يقوم بتوزيعه ذلك الشاب الذي لا يجد غير هذا العمل الذي يقوم به من توزيع الاعلانات والمصورات… إلا أن هذا الشاب بروحه الشفافة… يفكر بين أداء عمله وتماهيه ((بأحلامه المؤجلة منتظراً آفاق العمر المغطاة بستائر الحرمان))(16 )، فهو يفكر في صدق أداء عمله ولا يكترث برؤية ((الأمزجة المتقلبة وتنوعها بين التمزيق والإخفاء والاهمال، فإنه أدى ما عليه وأكمل تراتيل روحه)) (17)، إذ أنه يحمل هماً قد برّح فكره حتى لتلك ((الوجوه المصورة التي لم يلتقِ بها أحد من قبل. ربما كان التحفز في أعماقه قد تجلى مع ما تأتي به اللحظات، خافياً أساه بين ثنايا الأشياء وحبال الآخرين، منهياً بذلك طقوساً ظلت تنتظرها أفكاره. ربما اخطأ في جعلها في غير مواضعها، لكنه في النهاية ساهم في نشر ما يريد مع تلك الوجوه المصورة وبقي على مسافة واحدة منها.))( 18).

فهذا الشاب يحمل احساساً رقيقاً، متفكراً في جدوى هذه الاعلانات والمصورات التي يوزعها.. ليحكم عليها بقهقهة صاخبة منه ومن النادل.. لا غير..

صورة اجتماعية

إن الفنان الناثر حين يعمد إلى نقل الصور الاجتماعية النابضة بالحيوية والتدفق، إنما ينتقل بالموضوع الفني إلى مرتبة الصورة الناجزة المخترقة بامتلاء الأصداء الحوارية والرد المحسوبة فنياً على كل أصوات هذه الشخصيات وتعبيراتها ونغمات أدائها ( 19)، وهذا ما حاول أن يؤديه الكاتب في هذه القصة؛ لينقلنا إلى أجواء شخصياته وعوالمها الداخلية..

* * * * * *

لا يتفوق الشعر بايقاعه الوزني ونغمه المتواسق على الدوام، بل أن ما نراه من حياة وموسيقى حالمة في بعض النصوص النثرية ما يضفي عليها ايقاعاً لا يتخلف عن ايقاع الشعر، مزداناً بصور حية نابضة يؤطرها وصف أخّاذ ممتع، هذا ما نجده في (شقائق الحلم) التي طغى الوصف فيها على الحوار برومانسية لافتة تنتابها لحظات خوف من مستقبل حالم ورؤية مخيفة، غير أنها تنساب أخيراً انسياب الزورق العاشق بين جنبات نهر رقراق: ((غفوت، فمشت روحي في دروب تبحث من معترك لأحلامها المتراكمة. تسلل النوم قليلاً إلى رموشي ورحت بين أجنحة شفافة وضعتني فوق قمة جبل، تحتل قمته أغصان شجرة كبيرة، تتزاحم ثمارها مع المكان القليل. استفزني الخوف والتشبث ورحت أبحث عن البقاء المضمحل في فزعي وأرتجاف أنفاسي، تذكرت وصية معلمنا إذ قال ذات يوم: “عندما يشتد الأرق أنظروا إلى السماء وأمسكوا ما تستطيعون من نجومها))( 20).

ويمضي في رؤاه الحالمة راسماً بالكلمات اهتزازات الجبل وصرخات الوادي وصدى وقعها، ثم ((استفاقت أوصالي على مراعبات خيوط الشمس وظلال الشرفة التي تتراقص تحتها العصافير وزقزقتها المتناثرة مع خطوات اطفالي الفرحة. تسللت في أمل الصباح الخالي من الأرق، متفقداً شقائق النعمان وشجرة الزيتون الوارفة في حديقتي الصغيرة))(21).

* * * * * *

السارد في قصة (أفق آخر) يعتني باختيار مفرداته حد الإمعان، ببداية تتفجر بصمت حكمة متناهية، أو خلاصة تجربة مريرة ينتابها قرار مكين من العذوبة اللامتناهية بافق غير مرئي إلاّ عند من يتفاعل مع أسراره الدفينة في سحائب الكلمات مستمطرة رؤاها صدى لذكريات آفلة.

فهو على اعتقاد راسخ: ((أن الأشياء المهمة لا تندثر مهما حدث، بل أكثر من ذلك، إن أهمية الأشياء وجمالها صادقة دائماً مثلها مثل الزهور أو خطوط اليد…))( 22).

إنه يحاول جاهداً بحوارياته الهادئة اقناع المتلقي بصواب مواقفه أياً كانت… راسماً لها تعبيرات نابضة، موشاة بتشبيهات حسية يأتلفها القارئ باندهاش واقعي، وبأحداث متتابعة، نحو نهاية يرسمها بمنطقية يمتزج فيها الدليل الاقناعي الممزوج بتجربة متحفزة ورومانسية شفافة حيث ((كانت اللحظات الأخيرة تلفظنا إلى توحد كأنه الصراط، وشيئاً فشيئاً اخذتنا رهبة السكوت))( 23). الحبيبة هنا متشبثة بالأرض، وهو مصرٌّ على الرحيل –الهروب إلى المجهول-، وإن كان يعمل جاهداً لتقديم المبررات عبر قوله: ((لم يعد هنالك سبيل، إنهم يسحقون كل شيء.. وأنا الآن في مفترق يحتاج الرحيل..)))(24)، فلكلٍ منهما قرار، وشتان بين قرارها وقراره.

في القصة التي عنونها بـ (الياسمين) يشرع الكاتب في محاور أندلسية لاستنطاق الرياض والازهار والفراشات، ويدور الحوار على لسان الحيوانات كالفراشة والدبور والعصفور بعفوية واضحة، ووصف دقيق لدروب ومسالك الأزقة والأمكنة التي مرت بها الفراشة- الرسول في بحثها عن العاشقين:

((- لقد تأخرت الفراشة، ربما ضاع منها أحد الاطواق

– ما بك ايها الدبور، لم ارك متشائماً من قبل، قال الياسمين ذلك وهو يتوسط اللوتس والجوري والصبير والشبوي والنرجس، قبالة النخلة المزدحمة بالاعشاش.

– أين هما؟ إنهما يستحقان العناء، لقد اتفق الجميع على أنهما أجمل العشاق وها هو الربيع على الأبواب لكنهما لم ياتيا بعد…))( 25).

هذان العاشقان اللذان ما عادا كذلك، إذ أن المعشوق غادر عشه (في اشارة رمزية وامضة) تتبين عبر الفتاة صاحبة الخمار الأسود والأنف الدقيق والعينين الذابلتين، لتلثم الطوق المتأرجح في يدها، وهو ما تبقى من ذكرى الأحبة؛ لتنطلق الفراشة ((محلقة خلف رفرفة العصفور المتوجه إلى جهة الجنوب المتوجس بالصمت والانتظار)) (26). في رحلة أبدية مع الزمن.

ففي عبارات رمزية يحاول الكاتب ايصال أبعاد أزمة الانسان في هذا العصر عبر اللابطل الجديد الذي يعيش عالماً جفت فيه ينابيع التفاؤل والبراءة، وتقلصت داخله امكانات الشعور بالقيم الإنسانية الحقة؛ ليكون القالب الذي يصب فيه العالم كشمع منصهر ( 27).

وفي تمكن لافت يسيطر الكاتب على أدواته، يحركها على وفق دراية تامة، ومهارة ودربة عبر رحلة الكتابة الشاقة، وعذاباتها المستملحة، وألمها المحض، وعنفوانها المتألق، وولاداتها المتجددة.

رثائية سردية

في قصة (الطابور) قد نستطيع أن نطلق عليها رثائية سردية؛ لأنها تعبير واضح عن بكائية صامتة على أوجاع ثابتة، ثبات عمود الكهرباء الذي ظل غير آبه بما حدث لأعضاء الطابور وحارس المصرف المنفعل الباحث عن أهميةٍ ما، ولو كاذبة ليجسدها بطريقة فظّة، ومتحسساً عصاه، مستغلاً أحلام المتقاعدين المتلفين للحصول على الراتب الحلم…:

((ألم أقل طابور منتظم؟

قال ذلك حارس المصرف المنفعل متفحصاً استقامة الطابور، ممسّداً بعصاه امتداد ساقه المتربعة على دكة باب المصرف بقسوة، عيناه الجاحظتان تستلان بوقاحة لذة الوجوم المستشري في الوجوه الهرمة))( 28).

لقد كانت علاقة حامد مع الطابور تحمل ذكريات جميلة آفلة في طابور التسجيل في الجامعة، ووقوفه خلفها:

((لقد كان ذلك الطابور يتماهى بانسيابية حالمة قادته إلى الحب فيما بعد، ربما كانت تلك الشقراء السبب الرئيس في علاقته المستديمة مع الطوابير واحترام الأجواء المشعة من انتظامها))( 29).

ويبدو أن ذات السارد تعمد إلى توظيف فكرة لطالما ترددت حول عدم انتظام العرب في حياتهم اليومية، بحيث وصلت السخرية بهم من لدن الآخر إلى التندر بجملة وظّفها الكاتب في قصته، عندما تمتم حامد مع نفسه مبتسماً: ((يبدأ الخوف على اسرائيل عندما يقف العرب في الطوابير لركوب الحافلات))(30). لإيمانهم الراسخ بأن هذا الأمر سيطول مدى تحقيقه، بينما مع حامد الطابور منتظم وإن كان ذيل الطابور معقوفاً بخيلاء.

وكأنه يريد أن يرسل مقولة مفادها أن المحن والصعاب وزخم الآلام المتتابعة، وتربّص الإنسان والحدَثان، آتت أُكُلَها في تنظيم الصفوف كتأثير المغنطة على الجزئيات لتترتب وتنتظم بقوة الحث والتأثير، ولو تركت لأخذت لنفسها سبيلاً ترتئيه؛ لعدم تعودها على الضبط الذاتي. وقد لخص هذه الأفكار بقوله:

((لا تسخر منا أيها اليهودي، ها نحن نقف في الطوابير، عليك إذن أن تخاف. لقد أجبرتنا مقولتك على تذكر الطوابير دائماً، وأتخاذ وجهاتها المختلفة والدخول إلى ثقافتها وأنتشال المعوقات المترسبة في معانيها))( 31).

من هنا تتأتى دلالة الكلمة في النص الأدبي لتحيل إلى أكثر من معنى، ولتصبح مركز استقطاب لعلائق عديدة، عبر مجازيتها في الصورة الأدبية التي هي بدورها عالم كامل من الاشعاعات والرؤى الفياضة والانثيالات لا يصل إلى ادراك كنهها إلا الفَطِن النبه.

وكان السارد يُلمح إلى خيط اشتراك بين اليهودي وما آل اليه مصير الطابور: ((أن نور تنتظر، وها هو الطابور يسفك من السنين اعمارها بلا رحمة))( 32).

في التفاتة رائعة أنّ قَدَر الطابور ومصيره المحتوم، لم يأخذ من الناس أعمارَها، بل أن الطابور يسفك من السنين أعمارها، ورمزية لفظة (يسفك) المعبرة عن انبثاق الدم بتدفق غريب يجتر مصير البشر بلا رحمة، وإن لم يصرح بالبشر بل بالسنين –في اشارة موحية- لاشتمالهم على العمر الزمني المحسوب بالسنين.

لكن المؤلم حقاً –المعبِّر عن سخرية القدر- أن يد العدالة لا تنال القتلة، بل تأخذ حيفها من المظلومين المقهورين الذين لا يلوون على شيء؛ ليترك الفاعل طليقاً يعد العدة لمحاولة أخرى ليظل ((وحده عمود الكهرباء منتصباً وقد تلون اسفله ببقايا الشاي))(33 )، شــــــاهداً على طابور كان هنا قبل حين.

في القصة التي تحمل عنوان المجموعة القصصية (الهجرة إلى مملكة الثلج) والتي تبدو أنها الأبرز، إذ حملت الاسم لتتفرد به لأسباب منها رمزيتها الباهرة، وتداعياتها الآسرة، وانسيابيتها اللافتة في عرض تسلسل الأحداث والذكريات التي انتابت العلاقة الحميمة بين جليل وجاسم، المبنية على اعتداد كل منهما بآرائه التي آمن بها، ورؤاه التي حرص كل واحد منهما على اعتناقها وتسيّدها “خارطة الطريق” التي يسيران على هديها، بايمان راسخ واعتقاد جازم؛ ليفترقا كلٌّ تجاه وجهة هو موليّها ((غير مبالين بالاصدقاء الذين تداولوا افتراقها المريب بسخرية فجة. فقد تمسك جليل بفكرة عدم الرحيل، مقتنعاً بتناسل الحلول مع دوافع البقاء التي توفر الحسم في النهاية. وتشبث جاسم بطروحاته المتزمتة الداعية إلى المغادرة، والبحث بروية عن مناخات تكون نتائجها المستقبلية أكثر اطمئناناً. لقد تعلقا بجناحي موجة مفعمة، وافترقا على أمل سوف يعود يوماً، حاملاً معه انثيالات اكثر ايغالاً من ذي قبل..)) (34).

هذه العلاقة مبنية على أسرار لا يعرف الآخرون ماهيتها، ولا الخوض في كينونة صحوها، على الرغم من محاولات السعي لإصلاح ما فتر من علاقتهما.

نلحظ في هذه القصة انسيابية السارد الضمني فيها عبر تحليل هذه العلاقة بحكمة متوازنة، وتجليات مرئية حين يقول:

((إن انجرارهما بين المد والجزر مع تقادم الأشياء لم تغيّر من علاقتهما، بل صارا يتعاملان مع الفراق بكل انسيابية وعنفوان، لذلك استمرا يطيران بأجنحة صغيرة وصولاً للصحو من الخطايا واستيعاب الثوابت والمتغيرات في آن واحد)) (35).

ويستمر في وصف جلسة اللقاء الحار بعد الابتعاد المر بينهما لتتماهى ذكريات السهرات السابقة مع مسارات ذبالات الشموع المتغيرة بفعل تلاحق الشهيق والزفير السريعة…

((في تلك اللحظة كان المنظر القدسي فوّاحاً برائحة الصمت. انساقت الأصابع مع رهافته وفق انسيابية تصنع نفسها بكل هدوء، كانت مديات النشوة تشارك مكعبات الثلج المترقرقة في الدلو الفضي الجاثم بخيلاء وسط الطاولة المستسلمة بعفة مطلقة….))( 36).

لتستمر الأحداث بالتتابع بهدوء لا يقطعه إلا استذكارات الأيام الخوالي، وأمنيات الأيام الآتية، وقلق المستقبل الذي يلقي بظلاله على حركات وسكنات جاسم وجليل منساباً مع أغنية فيروز (حبيتك بالصيف… حبيتك بالشتي)، مع ومضات كنائية موحية لا يدركها المرء إلا بعد حين، حين يتمعن صورتها الفنية الآسرة بتشبيه بليغ يتراءى في (عيونك الصيف) التي جف ماؤها بقساوة وحرارة الصيف اللاهبة المحتدمة مع قساوة قلب الحبيب، بينما تعترف الحبيبة بـ (وعيوني الشتي) التي لا تفتأ منهمرة على ابتعاد الأحبة ولوعة الذكرى إذ أن عيونها تظل ندية طرية منسابة كعيون الشتاء مدرارة. وهذا ما نلمحه في حوارية جليل مع جاسم حين يقول الأول:

((… مع ذلك إنه أروع اعتراف بتقاسم الأدوار بين العيون، تصور يا عزيزي طيلة الفترة الماضية، تبعثرت عيون الصيف والشتاء امامي، لكن النهاية لم تكن بمستوى الحدث))( 37).

وتتنامى الأحداث بسرعة عجيبة إذ يخترق المكان أصوات الانفجارات والرصاص التي بدأت تقترب أكثر من ذي قبل، وانتشرت رائحة البارود في كل مكان، توقف جاسم ((رافعاً يده محاولاً ايقاظ جليل… لكنه لم يستطع… كل شيء جرى بسرعة عجيبة، وبلا خجل امتزجت عيون الصيف والشتاء، وتشظى الليل مع بعثرة الأجساد، وأضافت فجاعة القذيفة العمياء متاهات ما كان الزمن بكل قسوته يرغب في الوصول اليها…))(38).

كان جليل قد أخفى خبر وفاة امه عن جاسم، إذ اجبرته الظروف المحيطة حينذاك، وبقاء جثتها في المشرحة بحجة التشريح…

وأخيراً .. وبعد هذه الأحداث.. ((سكتت أخيراً لغة الصمت المترقبة وتثاءب السكون النهائي، واندلق صوت فيروز بين النجوم المضرجة بالدموع ولم تكتمل صحوة مكعبات الثلج بعد.

ها هما جليل وجاسم معاً يواجهان الجميع بلا أسماء أو عناوين، ها هما قبل الأوان ينبلجان في فجرهما الأخير بجوار والدة جليل المنتظرة في مشرحة المستشفى… وأعلنوا الهجرة إلى مملكة الثلج)) (39).

تتراءى في (الهجرة إلى مملكة الثلج) الرمزية الوامضة إلى الأفق المترامي عبر مملكة بلا رعية غير الثلج المهدد بالانسياح والذوبان والتلاشي، المتواسقة مع لون الثلج الطافح بالبراءة والنقاء رغم الآلام التي تعتصر القلب أسىً وشجىً.

هي هجرة قسرية تلك التي هاجرها الأحبة… إذ لا زال في العمر بقية، وفي دفتر المذكرات مواعيد للقاءات لم تنعقد بعد… انها صدمة الرحيل التي لا تزال مرارة تذوقها في عبق الخيال السرمدي اللاهث إلى الانعتاق.

قصص الزاملي القصيرة وامضة تنتظمها مفردات جميلة موحية ومعبرّة عن إرادتها، لكن لا يعوزها حرفية الحبكة القصصية، والأحداث التي تشد القارئ لتجلبه إلى مناطقها، مع مسيس الحاجة على نَفَسٍ أطول في متابعة الانثيالات؛ ليتراءى في مخيّلة القارئ تزاحمها في ذهن المبدع، فضلاً عن رغبة جادة لكسر أفق التوقع بأحداث تدهش المتابع لتجبره على المتابعة والتفكر بانسيابية رائقة ومقنعة.

الهوامش:

(1 ) مجموعة قصص قصيرة، حميد الزاملي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط 1 2012م.

( 2) من قصيدة (العنقاء) لـ(ايليا ابو ماضي)، 59.

(3 ) معرفة الآخر (مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة)، عبد الله ابراهيم، سعيد الغانمي، بيروت، لبنان، ط1? 1990 67.

(4 ) المجموعة القصصية، 11.

(5 ) المرجع  نفسه ، 13.

(6 ) المرجع  نفسه ، 13.

(7 ) المجموعة القصصية 12- 13.

(8 ) المرجع  نَفسُه 15.

(9 ) المرجع  نَفسُه 19

(10 ) المرجع  نَفسُه 19.

(11 ) المرجع  نَفسُه 20.

(12 ) الكلمة في الرواية، ميخائيل باختين، ترجمة يوسف حلاق، دمشق- سوريا، ط1 1988م، ص108- 109.

(13 )  المجموعة القصصية، 24.

( 14) المرجع  نَفسُه 24.

( 25) ينظر: الكلمة في الرواية، 56.

( 16) المجموعة القصصية، 25.

( 17) المرجع  نَفسُه 28.

( 18) المرجع  نَفسُه 27.

( 19) ينظر: الكلمة في الرواية، ص33.

(20 ) المجموعة القصصية، ص29.

(21 ) المرجع  نَفسُه 31.

(22 ) المرجع  نَفسُه 40.

(23 ) المرجع  نَفسُه 39.

(24 ) المرجع  نَفسُه 40.

(25 ) المرجع  نفسه ، 45.

( 26) المرجع  نَفسُه 48.

( 27) ينظر: المرايا المحدبة، د. عبد العزيز حمودة، 66 سلسلة عالم المعرفة 232 (د. ط)، الكويت ذو الحجة 1418هـ- نيسان 1998? 66.

(28 ) المجموعة القصصية، 72.

(29 ) المرجع  نَفسُه 74- 75.

(30 ) المرجع  نَفسُه 75.

(31 ) المرجع  نَفسُه 75.

(32 ) المرجع  نفسه ، 75.

(33 ) المرجع  نَفسُه 76.

(34 ) المجموعة القصصية، 82.

(35 ) المرجع  نَفسُه 84.

(36 ) المرجع  نَفسُه 85.

(37 ) المرجع  نفسه، 89.

( 38) المرجع  نَفسُه 91.

 (39) المرجع  نفسه ، 91- 92.

قائمة المصادر

1-      الكلمة في الرواية، ميخائيل باختين، ترجمة يوسف حلاق، دمشق- سوريا، ط 1 1988.

2-      المرايا المحدبة، د. عبد العزيز حمودة، 66  سلســـلة عالم المعرفة 232د. ط)، الكويت ذو الحجة 1418هـ- نيسان 1998.

3-      معرفة الآخر (مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة)، عبد الله ابراهيم، ســـــعيد الغانمي، بيروت، لبنان، ط 1 1990 .