هند القاسمي في وهج اللهيب
المعنى من خلال أنسنة الطبيعة
وجدان عبد العزيز
ضمن جدول قراءاتي ان اعيد قراءة بعض الكتب المهداة من الاصدقاء والزملاء ، فوقع اختياري على ديوان الشاعرة الاماراتية هند بنت صقر القاسمي (وهج اللهيب) ، الذي تعددت قصائده مع تعدد الرؤى والمعاني ، والتي حاولت الشاعرة طرحها ، وكانت قصيدة (المليك المتوج) العتبة الاولى في الديوان محطتي الاولى ، حيث اخذتني الى اجواء البيئة المحيطة ، اقصد بيئة الشاعرة نفسها ، ورغم الطرز الحضارية المتقدمة التي احاطت بدولة الامارات العربية المتحدة ، الا ان انسانها ولاسيما الشعراء ، يهربون احيانا الى الطبيعة ، ويستلهمون منها رموزا معينة ، لتحميلها رؤاهم وما يبغون الوصول لطرحه ، فاعطت شاعرتنا لعنوان قصيدتها بُعدا ، واخذت تبني معناها من خلاله ، فسمت القصيدة المليك اي انها صفة مشبهة تدل على الثبوت ، ثم اردفته بكلمة المتوج اي الملك المتوج ، الملك المنصب ، وتقصد النسر ، والنسر له اشارة الى القوة ، بعد هذا استعرضت الشاعرة ثقافتها الخاصة ، وهي تعيش اجواء حياتها مع المحيط بهواجس الانسان الناقد ، الذي يمتلك الاداة الفارزة بين الصالح والطالح ، واحيانا كثيرة ، قد لاتسمي الاشياء بمسمياتها ، انما تحاول ان تكني عنها ، بسبب انها شاعرة ، والشاعر ادواته البلاغة والرمز ، والرمز معناه الإيحاء، أي التعبير غير المباشر عن النواحي النفسية المستترة ، ولهذا فان الشعر دوما يتنامى في مناطق اللاممكن ، فالحقيقة الشعرية ذاتية، مفعمة بالخصائص العاطفية، ترى الأشياء وكأنها تمتلك بعداً إنسانياً، ومحاطة بجو عاطفي يفيض بالفرح.. أو الحزن.. أو العذاب.. أو الأمل.. أو اليأس…. وهذه تتحدد حسب قصدية الشاعر ، والشيء بالشيء يُذكر فان القصدية ، هي محل اشتراك بين النص ومبدعه ومتلقيه في مجالاتها الادبية ، ففي اللغة نجد ان عناصر هذا الموضوع تتعلق بمنشأ الحرف والتعاقبات الصوتية وما تنتجه من ألفاظ وفق تسلسل معين وعلاقة الدلالة بالمدلول .. الخ ، وهنا لاتوجد عصمة للنص، فالتطابق بين “الدلالة والمدلول” وهو جوهر “القصد” في اللفظ بكل ما ينتج عنه من قواعد تضبط فهم اللفظ ، وبالتالي العبارة وانطباق مفهوم “النظام” القصدي على النصوص لا يمكن أن يطبق بحذافيره ، إلا على نص معصوم لأنتفاء الذاتية مطلقاً في كل الموضوع . وهذا الامر لايمكن ان يكون ، فكل شعر يحمل قدرا من الذاتية فيه ، وكذلك يحمل غنائية معينة ، أي بمعنى ان الانسان الشاعر لايتعامل بالكشف المباشر الفج ، انما يذهب الى التخفي والبحث عما وراء الحقيقة ، وبما ان الشاعرة القاسمي ، ذات بيئة تحمل الكثير من السمات التي تميزها عن غيرها ، فهي تعيش اميرة باجواء ذات طرازات خاصة ، أي هناك اكتفاء ذاتي وموضوعي ، بيد انها تعيش ايضا اجواء الاخر ، الذي يفتقر لما هي عليه ، وهذه قصدية عمدت لها الشاعرة ، كي تعطي كتاباتها الصفة الانسانية الموضوعية ، وبالتالي خلقت انموذجا من الموضوع الشعري الخالد ، بعلة معاناة الشاعرة نفسها لما يعانيه الوضع العام للمجتمع الانساني ، والخاص للمجتمع العربي ، باعتباره المتبني لافكارها ورؤاها ، تجاه امور الحياة بعامها وخاصها ، لذا فهي تشكو في كثير من حالاتها ، الا انها تبقى تحمل حالة التحدي ، ومحاولة كشف استار الحقائق ، ثم تذهب في حالاتها الاخرى ، ان تعيش حالة التصوف ، وتتمنى في قرارة نفسها ، ان تكشف عن ما هو قبيح ، وجمالية ماهو جميل ، دون الكشف المباشر ، كما اسلفنا ، لذا اخذت قصيدتها (المليك المتوج) ، التي عاشت فيها الشاعرة اجواء الطبيعة والنسر ، تعيش مع المعنى بعيدا عن الضجيج وبهرج الحضارة ، اولا كي تهذب ذائقتها ، وثانيا تمتلك حرية التعبير عن خلجاتها ، فالنسر كونه يحلق في الاجواء حرا طليقا ، لكنه في الناحية الاخرى ، يمتلك قوة الافتراس ، وكما هو معروف عن الاجواء الخليجية وخاصة في اراضيها الشاسعة الصحراوية المترامية الاطراف ، وكيف ان انسان هذه البيئة ، بذل جهدا لترويض هذه الطبيعة ، وجعلها طائعة لارادته في البناء والاعمار ، ومن ثم تهيئتها لتكون مرتعا حياتيا وملائما للعيش ، وتكوين حياة جميلة قابلة للتطور في بعدها الاخر ، فاخذت الشاعرة النسر الطير الحر الطليق والذي يمتلك شهوة الافتراس ، ووضعت قبالته انسان هذه الطبيعة ، الذي قام بدوره في ترويض هذا الطير ، وجعله طوع بنانه ، بل وجنى منه الفوائد ، والفوائد على نوعين ، فوائد مرئية وحسية والحسية تمثلت بالصيد ، والمرئية تمثلت في كسب القوة والقدرة على الترويض .. ، فهي تخاطبه قائلة :
(يانسر حزت حصافة الحكماء
وعشقت قلب القمة الشماء
فبنيت وكنا شامخا متألقا
لم تخش عاتية من الارزاء)
والنسر في حقيقة الامر لا يمتلك حصافة الحكماء ، لكنه من خلال ترويض الانسان له ، اكتسب بعضا من صفات ذلك الانسان ، وعملية الترويض ، ولاسيما مع الحيوان ، ليست بالعملية السهلة ، كما يبدو لنا ، انما تحتاج الى زمن ومزاج المروض ، أي الانسان الخليجي ، ذلك الانسان الذي عركته الحياة الصعبة ، وجعلته ذاحكمة وصبر في مطاولة الحياة .. وهناك معنى ايضا مختفي في هذا ، وتقصد الانسان نفسه المكني عنه بالنسر ، ذلك الانسان الحاكم ، وكل اهلها اصلا حكام و امراء ، …
اذن اجواء الحياة التي عاشتها الشاعرة هند القاسمي ، كونها انسانة شاعرة ، جعلتها تحمل حساسية مثقفة تجاه الظروف ، فهي ذات قدرة على التقاط جماليات الحياة ، ومن ضمن حالة المطاولة وقدرة الامتلاك بالترويض .. واعطت صفة قوة النسر الى الحاكم الامير بدالة الحكمة وصلابة الفؤاد ومنطق اللسان .. تقول :
(حر اللسان فلا تهاب ملامة
تدلي بحر القول والاراء
زلق العيون محدق ببصيرة
ورؤاك كم سحرت من الحكماء
صلب الفؤاد وللمخاطر عاشق
تغشى عرين الاُسد في الاضواء
انِف تُذل القيد نهوى كسره
لم ترض الا ميتة العظماء)
اذن خلطت بين صفات النسر وصفات الانسان ، بذكاء وبانت معرفتها بالنسر عن كثب ، بل ودراية .. وهذا ما يُعرف بالانسنة ، يقول أ.د.احمد اسماعيل النعيمي : ((الانسنة) شكلت اتجاها مستقلا بنفسه، بصياغة فنية تخلب الالباب وتأسر القلوب وتتسم بالايجاز لا بالاسهاب، وبالمجاز لا بالحقيقة المجردة وما يعين على تحقيق ذلك بابداع-مؤثر وممتع ومفيد- موهبة خلاقة، وحواس متفردة، واخيلة جامحة تمكن من اللغة واسرارها ووعي متميز في سبر اغوار ما لا تدركه عقول الناس وعيونهم! وهذه الرؤية للشاعر وتجاربه الشعرية تنحّي جانبا الراي القائل ان الشعر انعكاس او مرآة او سجل للبيئة فحسب، حتى يبدو مغايرا لما نراه او نحيا بظله، وهنا مكمن جوهر الشعر والشاعر على السواء، بخاصة ما صلته بأنسنة الطبيعة، بوصفها احد المصطلحات الادبية والنقدية التي اقرها-مؤخرا- مجمع اللغة العربية في القاهرة نقلا عن الترجمة الانكليزية humanize او humanisati وفحواه بايجاز: من يخلع صفة بشرية او يمثله في صورة بشرية او يعدله ليلائم الطبيعة البشرية بكلمة اخرى تعني (الانسنة انزال غير العاقلين من الحيوان او النبات او الجماد او المعاني المجردة منزلة العاقل نطقا وصورة وحركة اي ان يغدو غيرالعاقل انسانا او على صورة انسان وهذا المصطلح الادبي يتوافق كل التوافق مع معناه اللغوي في المعجمات العربية انطلاقا من جذريه الثلاثية (انس) او (ونس) المفصحين عما يلحق بالانسان من صفات الابصار والسمع والاحساس والعلم بالشيء فضلا عن (النطق) المتفرد به عن سائر المخلوقات والجمادات فاذا انزلت هذه الصفات نفسها على الحيوان والجماد والمعاني المجردة، مع الحاق النطق بها-في بعض الاحايين- تبلور لنا فحوى مصطلح (انسنة الطبيعة) .. ) ، ومن هذا شكلت قصيدة (المليك المتوج) للشاعرة هند القاسمي معنى من خلال انسنة احدى مكونات الطبيعة ، وقالت معناها بعيدا عن الكلام المباشر الفج ..
هوامش البحث :
1 ـ ديوان (وهج اللهيب) للشاعرة هند بنت صقر القاسمي /مطابع البيان التجارية /دبي الطبعة الاولى 2000م
2 ـ مقالة للاستاذ الدكتور احمد اسماعيل النعيمي /جريدة المؤتمر 2014
























