هل كانت الفيدرالية تقي من حرب الأنبار؟
فاتح عبدالسلام
في الدستور العراقي الجديد نواقص تحتاج الإكمال ومواد يلزمها التعديل أو التطوير لكن الأهم من ذلك كله أن الدستور برمته يلزمه التطبيق أصلاً في الروح والنص، وتلك هي المعضلة الأكبر والتي تتوالد من رحمها مشكلات سياسية ماتلبث أن تتحول الى أزمات فانهيارات أمنية ثم معارك وجود بين مكونات المجتمع كما يحدث في الأنبار اليوم ومن الممكن جداً أن تتحول المعارك الى نينوى أو إلى نطاق سامراء وتكريت وسواها أيضاً.
المادة التي تنص على هوية الحكم الفيدرالي كصفة أكيدة ومستقرة تشبه صفة الجمهورية في النظام الجمهوري أو صفة الملكية في الأنظمة الملكية، هي مادة أساسية لا اجتهاد فيها، يقوم عليها بنيان النظام السياسي كله، وان الإلتفاف عليها والتنكر لها وتجاهلها بل العمل الميداني وتحريك القوات المسلحة ضدها إنما هي ممارسات لا لبس فيها للعمل خارج نطاق مفهوم الدولة وحكمها المقر دستورياً لصالح أجندات أحزاب أو أشخاص أو استخبارات دول أخرى.
لم تتعرض مفردة سياسية للتشويه والدس كما تعرضت الفيدرالية في العراق وأصبحت في التفكير والتعاطي السياسي باباً لاتهام الآخرين بالخيانة والعمالة للأجنبي ثم لتقسيم العراق.
الذين يطعنون في مادة الفيدرالية علناً أو تلميحاً كانوا قد اشتركوا في كتابتها واقرارها والإستفتاء عليها ن بيد أن المآرب السياسية الدفينة جعلت بعضهم يسكت عن اعتراضاته العلنية حيناً من الوقت حتى يتمكن بمساعدة مرجوة من المكون الكردي من تحيق أهدافه في الوصول الى السلطة ومن ثم يكون كل شيء خاضعاً للتسويف والمساومة من دون وضع اعتبار أخلاقي أو وطني الى إن التسويف والخداع والمراوغة تمارس ضد الدستور الذي يقوم عليه النظام السياسي والاجتماعي للبلد وليس هو بيان أو خطاب سياسي قد يتم القبول به أو رفضه.
هذا السلوك السياسي المراوغ المتأرجح في العلن والخفاء أزاء الفيدرالية وما يترتب عليها من استحقاقات، وهي طبعاً إستحقاقات شعب أو جزء من شعب أولاً وأخيراً، سيقود ذات يوم الى الإنقلاب على كل ما هو شرعي في المحصلة لاسيما عندما تتوافر لسلطة المركز القدرات العسكرية لتنفيذ ذلك. لأن هذا السلوك الرافض للفيدرالية وفعلياً والمعترف بها شكلياً هو عدم اعتراف صريح بحق الآخر في تصريف شؤونه السياسية والإجتماعية وفقاً لإرادة مستقلة مستمدة من عمق الإنتماء التأريخي لشعبه.
الفيدرالية دواء لعلل العراق الكثيرة التي تحتاج الى حلول جذرية وليس ترقيعية كما يجري الآن.
والفيدرالية حماية ذاتية للمدن العراقية من كل إختراق خارجي لأن أبناء فيدرالية الأنبار فيما لو كانت موجودة كانوا سيقاتلون أي تهديد خارجي أو تسلل من الخارج اليهم لأن أمن الأنبار سيكون من مسؤولية فيدراليتهم، وبذلك يخففون الأعباء على المركز إلا في الحروب الكبيرة.
الفيدرالية بهذا المعنى إلتزام لحماية العراق كوحدة سياسية كبيرة قائمة على تنوع الوحدات الأصغر. وهذا مصدر قوة للمجتمع على العكس من تصنع رفض الفيدرالية في حين يتجه البلد للتفكك تحت أوهام سياسية لم يعد لها وجود إلا في أذهان من لا يرون أبعد من خطوات أقدامهم المرتبكة المتعثرة.
لو كانت الفيدرالية قائمة في الأنبار لما تولد شعور القتال دفاعاً عن الذات ضد سلطة المركز وبالإستعانة طوعاً أو كرهاً بمجاميع قتالية من سوريا مثلاً.
سيدفع العراق أنهاراً من الدماء كما دفع أصلاً قبل أن يرتقي الى تطبيق مفردة واحدة من الدستور تخص قيام النظام الفيدرالي ألا يمكن تفادي ذلك كله بالحكمة والواقعية.
أي دستور هذا الذي يتسبب في كل يوم بهذا الكم المرعب من الضحايا.
رئيس التحرير
لندن























