
منحوتات متنوعة؛ منها المألوفة ومنها الغريبة تلك التي توزَّعت على ساحل مصيف كوتسلو في مدينة بيرث الأسترالية؛ ولكي تراها جميعاً؛ أنت بحاجة إلى أكثر من ساعتين سيراً على قدميك، بعضها تراها على عجلٍ لبساطتها؛ وبعضها الآخر تدعوك إلى تأملها لدقائق، ومنها ما ترغمك للوقوف طويلاً أمامها لبراعة الفنان في تنفيذها؛ ولا أظن أنَّ أحد زوَّار المعرض لم يتمعَّن مليَّاً في نصب العملاق الصيني المصنوع من البرونز؛ هذا المنجز الفني المتقن الصنع، إذْ وجدت صعوبة بالتقاط صورة تذكارية مع هذا النصب المثير؛ بسبب زحام المتفرجين والذين حرصوا جميعاً على التقاط الصور التذكارية مع هذا العملاق الصيني الأحمر، والذي أنجزهُ أشهر النحاتين في الصين ويدعى “ Chen Wenling “ والبالغ من العمر واحد وأربعين عاماً والقادم من قرية صغيرة في مقاطعة فوجيان، ولذا ليس عجباً فوز هذا النصب الذي كان بعنوان ذاكرة الابتسامة الحمراء باستفتاء الجمهور الذي حضر إلى المعرض والذي تجاوز عدده النصف مليون زائر. لكنَّ المفارقة أنَّ هذا النصب نتيجة سعره الباهض الثمن والذي يصل إِلى مئتي ألف دولار؛ ظلَّ ينتظر من يشتريه، والنصب تتجلَّى به براعة الفنان الذي أنجزه، إذ تجد ناظريك تقف أمام نصب بقامة عملاقة وبوجه صيني طفولي تغطيه ابتسامة مضيئة و محبَّبة لدى الناظر، وقد عمد الفنان على تقويس ظهر النصب حتى يبدو لنا بوادعة وحنو أكثر، لكنك تبقى تشعر بضخامة ذلك النصب وبراعة الاشتغال في مفاصله وتسخير العظمة إِلى تواضع؛ تدعك تهجسُ كما لو أنَّ النصب يريد أنْ يحتضنكَ برفق ولهفة؛ للحد الذي تؤمن أنك أمام طفل عملاق يشبه الحياة بعظمتها وبساطتها في ذات الوقت. بعدها مررتُ على نُصبٍ كثيرة منها عبارة عن مجموعة مراوح ملونة توزَّعتْ على رمل الساحل، أو زوارق ورقية صغيرة بالمئات تزاحمت فيما بينها للنزول إِلى منحدر الماء، أو أحذية مشيَّدة من الفخار منتشرة في رقعة صغيرة؛ يبدو أنَّ بعضها قد تهرَّأ من كثرة الاستعمال، أو مجموعة أكفٍّ بقفازات رمادية مزروعة على أوتاد من الحديد في رمل الساحل، كما لو أنها تلويحة الغرقى الأخيرة قبل أنْ يبتلعهم اليم في تخوم عميقة. بعد مشاهدتي لتلك النصب الغريبة، جذبت نظري ثلاثة جِمال من البرونز تريد النزول إِلى البحر، أبدعها الفنان الأسترالي “ Neil Jones’s “ كأنَّها عازمة على الانتحار؛ لأقف أتأملها؛ وقد سرحت إِلى صحراء السماوة حيث قطعان الأبل وخيام البدو المتنقلة بحثاً عن الكلأ، وتذكَّرتُ جنديَّاً بدويَّاً في وحدتنا العسكرية خلال حربنا مع إيران؛ كان في كل إجازة يحصل عليها لا يجد خيمة عائلته في مكانها؛ إذْ يكتشف إنها انتقلت إِلى موضع آخر يجهله في تلك الصحراء الشاسعة، وهكذا تمضي أيام أجازته السبعة بحثاً عن أفراد أسرته بلا جدوى؛ فيعود خائباً ومنكسراً وحزيناً لأنَّهُ أخفق بالعثور على عائلته، ليت الجندي البدوي «ريكان» كان معي الآن ليرى مشهد هذه النوق الهائمة التي تركت الصحراء وجاءت لتغرق في المحيط الهندي. يتبع…
حسن النواب
























