تطواف‭ ‬الغريب‭ (‬16‭)‬- حسن النواب

منحوتات‭ ‬متنوعة؛‭ ‬منها‭ ‬المألوفة‭ ‬ومنها‭ ‬الغريبة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬توزَّعت‭ ‬على‭ ‬ساحل‭ ‬مصيف‭ ‬كوتسلو‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬بيرث‭ ‬الأسترالية؛‭ ‬ولكي‭ ‬تراها‭ ‬جميعاً؛‭ ‬أنت‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ساعتين‭ ‬سيراً‭ ‬على‭ ‬قدميك،‭ ‬بعضها‭ ‬تراها‭ ‬على‭ ‬عجلٍ‭ ‬لبساطتها؛‭ ‬وبعضها‭ ‬الآخر‭ ‬تدعوك‭ ‬إلى‭ ‬تأملها‭ ‬لدقائق،‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬ترغمك‭ ‬للوقوف‭ ‬طويلاً‭ ‬أمامها‭ ‬لبراعة‭ ‬الفنان‭ ‬في‭ ‬تنفيذها؛‭ ‬ولا‭ ‬أظن‭ ‬أنَّ‭ ‬أحد‭ ‬زوَّار‭ ‬المعرض‭ ‬لم‭ ‬يتمعَّن‭ ‬مليَّاً‭ ‬في‭ ‬نصب‭ ‬العملاق‭ ‬الصيني‭ ‬المصنوع‭ ‬من‭ ‬البرونز؛‭ ‬هذا‭ ‬المنجز‭ ‬الفني‭ ‬المتقن‭ ‬الصنع،‭ ‬إذْ‭ ‬وجدت‭ ‬صعوبة‭ ‬بالتقاط‭ ‬صورة‭ ‬تذكارية‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬النصب‭ ‬المثير؛‭ ‬بسبب‭ ‬زحام‭ ‬المتفرجين‭ ‬والذين‭ ‬حرصوا‭ ‬جميعاً‭ ‬على‭ ‬التقاط‭ ‬الصور‭ ‬التذكارية‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬العملاق‭ ‬الصيني‭ ‬الأحمر،‭ ‬والذي‭ ‬أنجزهُ‭ ‬أشهر‭ ‬النحاتين‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬ويدعى‭ ‬‭ ‬Chen‭ ‬Wenling‭ ‬‭ ‬والبالغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬واحد‭ ‬وأربعين‭ ‬عاماً‭ ‬والقادم‭ ‬من‭ ‬قرية‭ ‬صغيرة‭ ‬في‭ ‬مقاطعة‭ ‬فوجيان،‭ ‬ولذا‭ ‬ليس‭ ‬عجباً‭ ‬فوز‭ ‬هذا‭ ‬النصب‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬بعنوان‭ ‬ذاكرة‭ ‬الابتسامة‭ ‬الحمراء‭ ‬باستفتاء‭ ‬الجمهور‭ ‬الذي‭ ‬حضر‭ ‬إلى‭ ‬المعرض‭ ‬والذي‭ ‬تجاوز‭ ‬عدده‭ ‬النصف‭ ‬مليون‭ ‬زائر‭. ‬لكنَّ‭ ‬المفارقة‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬النصب‭ ‬نتيجة‭ ‬سعره‭ ‬الباهض‭ ‬الثمن‭ ‬والذي‭ ‬يصل‭ ‬إِلى‭ ‬مئتي‭ ‬ألف‭ ‬دولار؛‭ ‬ظلَّ‭ ‬ينتظر‭ ‬من‭ ‬يشتريه،‭ ‬والنصب‭ ‬تتجلَّى‭ ‬به‭ ‬براعة‭ ‬الفنان‭ ‬الذي‭ ‬أنجزه،‭ ‬إذ‭ ‬تجد‭ ‬ناظريك‭ ‬تقف‭ ‬أمام‭ ‬نصب‭ ‬بقامة‭ ‬عملاقة‭ ‬وبوجه‭ ‬صيني‭ ‬طفولي‭ ‬تغطيه‭ ‬ابتسامة‭ ‬مضيئة‭ ‬و‭ ‬محبَّبة‭ ‬لدى‭ ‬الناظر،‭ ‬وقد‭ ‬عمد‭ ‬الفنان‭ ‬على‭ ‬تقويس‭ ‬ظهر‭ ‬النصب‭ ‬حتى‭ ‬يبدو‭ ‬لنا‭ ‬بوادعة‭ ‬وحنو‭ ‬أكثر،‭ ‬لكنك‭ ‬تبقى‭ ‬تشعر‭ ‬بضخامة‭ ‬ذلك‭ ‬النصب‭ ‬وبراعة‭ ‬الاشتغال‭ ‬في‭ ‬مفاصله‭ ‬وتسخير‭ ‬العظمة‭ ‬إِلى‭ ‬تواضع؛‭ ‬تدعك‭ ‬تهجسُ‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنَّ‭ ‬النصب‭ ‬يريد‭ ‬أنْ‭ ‬يحتضنكَ‭ ‬برفق‭ ‬ولهفة؛‭ ‬للحد‭ ‬الذي‭ ‬تؤمن‭ ‬أنك‭ ‬أمام‭ ‬طفل‭ ‬عملاق‭ ‬يشبه‭ ‬الحياة‭ ‬بعظمتها‭ ‬وبساطتها‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭. ‬بعدها‭ ‬مررتُ‭ ‬على‭ ‬نُصبٍ‭ ‬كثيرة‭ ‬منها‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مجموعة‭ ‬مراوح‭ ‬ملونة‭ ‬توزَّعتْ‭ ‬على‭ ‬رمل‭ ‬الساحل،‭ ‬أو‭ ‬زوارق‭ ‬ورقية‭ ‬صغيرة‭ ‬بالمئات‭ ‬تزاحمت‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬للنزول‭ ‬إِلى‭ ‬منحدر‭ ‬الماء،‭ ‬أو‭ ‬أحذية‭ ‬مشيَّدة‭ ‬من‭ ‬الفخار‭ ‬منتشرة‭ ‬في‭ ‬رقعة‭ ‬صغيرة؛‭ ‬يبدو‭ ‬أنَّ‭ ‬بعضها‭ ‬قد‭ ‬تهرَّأ‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬الاستعمال،‭ ‬أو‭ ‬مجموعة‭ ‬أكفٍّ‭ ‬بقفازات‭ ‬رمادية‭ ‬مزروعة‭ ‬على‭ ‬أوتاد‭ ‬من‭ ‬الحديد‭ ‬في‭ ‬رمل‭ ‬الساحل،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬تلويحة‭ ‬الغرقى‭ ‬الأخيرة‭ ‬قبل‭ ‬أنْ‭ ‬يبتلعهم‭ ‬اليم‭ ‬في‭ ‬تخوم‭ ‬عميقة‭. ‬بعد‭ ‬مشاهدتي‭ ‬لتلك‭ ‬النصب‭ ‬الغريبة،‭ ‬جذبت‭ ‬نظري‭ ‬ثلاثة‭ ‬جِمال‭ ‬من‭ ‬البرونز‭ ‬تريد‭ ‬النزول‭ ‬إِلى‭ ‬البحر،‭ ‬أبدعها‭ ‬الفنان‭ ‬الأسترالي‭ ‬‭ ‬Neil‭ ‬Jones’s‭ ‬‭ ‬كأنَّها‭ ‬عازمة‭ ‬على‭ ‬الانتحار؛‭ ‬لأقف‭ ‬أتأملها؛‭ ‬وقد‭ ‬سرحت‭ ‬إِلى‭ ‬صحراء‭ ‬السماوة‭ ‬حيث‭ ‬قطعان‭ ‬الأبل‭ ‬وخيام‭ ‬البدو‭ ‬المتنقلة‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬الكلأ،‭ ‬وتذكَّرتُ‭ ‬جنديَّاً‭ ‬بدويَّاً‭ ‬في‭ ‬وحدتنا‭ ‬العسكرية‭ ‬خلال‭ ‬حربنا‭ ‬مع‭ ‬إيران؛‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬إجازة‭ ‬يحصل‭ ‬عليها‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬خيمة‭ ‬عائلته‭ ‬في‭ ‬مكانها؛‭ ‬إذْ‭ ‬يكتشف‭ ‬إنها‭ ‬انتقلت‭ ‬إِلى‭ ‬موضع‭ ‬آخر‭ ‬يجهله‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الصحراء‭ ‬الشاسعة،‭ ‬وهكذا‭ ‬تمضي‭ ‬أيام‭ ‬أجازته‭ ‬السبعة‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬أفراد‭ ‬أسرته‭ ‬بلا‭ ‬جدوى؛‭ ‬فيعود‭ ‬خائباً‭ ‬ومنكسراً‭ ‬وحزيناً‭ ‬لأنَّهُ‭ ‬أخفق‭ ‬بالعثور‭ ‬على‭ ‬عائلته،‭ ‬ليت‭ ‬الجندي‭ ‬البدوي‭ ‬‮«‬ريكان‮»‬‭ ‬كان‭ ‬معي‭ ‬الآن‭ ‬ليرى‭ ‬مشهد‭ ‬هذه‭ ‬النوق‭ ‬الهائمة‭ ‬التي‭ ‬تركت‭ ‬الصحراء‭ ‬وجاءت‭ ‬لتغرق‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬الهندي‭.   يتبع‭…‬

حسن‭ ‬النواب