نيسان شهر النكبة والحراك في عربستان ـ يوسف عزيزي
تصادف هذه الايام الذكرى الثامنة لانتفاضة الشعب العربي الاهوازي في عربستان عام 2005، والذكرى الثامنة والثمانين للاطاحة باخر حاكم عربي لهذا الاقليم الواقع في جنوب غرب ايران. اذ يعتبر البعض هذا احتلالا ايرانيا لكيان عربي كان قائما برئاسة الامير خزعل بن جابر الكعبي حتى عام 1925. فأي توصيف اطلقناها على هذا الوضع، يمكن القول ان الشعب العربي في عربستان ومنذ ذلك التاريخ اخذ يعاني من اضطهاد قومي مشفوع بتمييز عرقي وثقافي ولغوي واقتصادي وسياسي. وعرف اقليم عربستان في القرون الستة الماضية عهودا من الاستقلال وشبه الاستقلال والحكم الذاتي المطلق حتى ان فقد سيادته الوطنية واصبح اسيرا مغلوبا على امره على يد الشاه رضا البهلوي متعرضا لشتى المؤامرات من اجل تغيير ديمغرافيته العربية خلال العهدين الملكي والجمهوري. وقد ذاق الشعب العربي الاهوازي النكبة في العام 1925 قبل ان يذيقها الشعب العربي الفلسطيني في العام 1948.
اعتقال أكثر من 300 شخص
لقد اعلنت منظمات حقوق انسان ايرانية واحوازية عن اعتقال اكثر من 300 عربي في اقليم عربستان الذي يوصف ب خوزستان فارسيا منذ مارس الماضي وحتى الان. وقامت السلطات الامنية بذلك كعمل استباقي خوفا من اندلاع مظاهرات واحتجاجات في مدن الاقليم في ذكرى تلك الواقعتين التاريخيتين. لكن ورغم ذلك شهدت الاهواز عاصمة الاقليم وبعض المدن الاخرى ك كالحميدية مظاهرات تم قمعها بسرعة.
وتقول هذه المنظمات ان الاعتقالات شملت شعراء وفنانين ومعلمين ومثقفين ونشطاء سياسيين ومدنيين واشخاصاً عاديين. وقد افرجت السلطات الايرانية عن اليافعين والاطفال المحتجزين لديها غير انها لاتزال تعتقل المئات منهم. ووفقا لاحصاءات ايرانية يحتل اقليم عربستان المرتبة الاولى في الاعدامات السنوية في ايران، وهناك احكام اعدام صدرت بحق مجموعات عدة عربية اهوازية لا ذنب لها غير مطالبتها بحقوقها اللغوية والثقافية والسياسية.
انتفاضة 2005 المجيدة
خرج المئات من العرب يوم 15 نيسان»ابريل من العام 2005 الى شوارع الاهواز للقيام بمظاهرات سلمية احتجاجا على رسالة موقعة من قبل محمد علي ابطحي مدير مكتب الرئيس السابق محمد خاتمي تنص على ضرورة تغيير النسيج الديمغرافي للشعب العربي في اقليم عربستان. غير ان قوات الامن واجهت المتظاهرين بالحديد والنار، وقتلت نحو 50 شخصا واعتقلت المئات، منهم كاتب هذه السطور رغم اني لم اكن في الاهواز انذاك. وقد عمت المظاهرات والاحتجاجات مدن الحميدية والحويزة والخفاجية وميناء معشور واستمرت لمدة عشرة ايام. فلم يسبق لهذا الحراك مثيل منذ سقوط الامير خزعل، وقد وُصف بانتفاضة نيسان. ويصفها المحللون باللؤلؤة في تاريخ نضالات الشعب العربي الاهوازي. اذ يحتفل كل عام بهذا الحدث التاريخي ولم تتمكن الاعتقالات وعمليات البطش والاعدام ان تحول دون ذلك.
الرسالة التي أشعلت
نار الانتفاضة
تسربت في مارس عام 2005 رسالة تحمل توقيع محمد علي ابطحي مدير مكتب رئيس الجمهورية انذاك محمد خاتمي تحمل تاريخ 1998 وتنص على ضرورة تغيير النسيج السكاني لإقليم عربستان لصالح غير العرب، اذ كانت كالشرارة التي اشعلت نيران الانتفاضة في الاقليم في 15 نيسان 2005. وتطالب الرسالة المؤسسات والوزارات المعنية كوزارتي السكن والاستخبارات ان تقوم باجراءات خاصة لتشجيع هجرة غير العرب الى اقليم عربستان والهجرة المعكوسة للعرب الى سائر مناطق ايران كي يتحولوا خلال عشر سنوات الى اقلية في الاقليم. اذ نفى ابطحي انذاك وجود مثل هكذا رسالة، واعتبرها الاصلاحيون من ألاعيب خصومهم المتشددين لحرمان مرشحهم من اصوات العرب الاهوازيين في الانتخابات الرئاسية عام 2005 والتي خرج منها في النهاية مرشح المتشددين محمود احمدي نجاد فائزا. لكنني اعلنت انذاك ان وجود او عدم وجود هذه الرسالة لم يغير من حقيقة المساعي التي بذلها نظام الشاه ومن ثم الجمهورية الاسلامية لتغيير خريطة السكان لصالح غير العرب في عربستان.
خطط تغيير النسيج السكاني العربي في إقليم عربستان
تعود اولى المحاولات الايرانية لتغيير النسيج السكاني لاقليم عربستان الى اواسط القرن التاسع عشر حيث قدم المفكر الفارسي ميرزا آغاخان الكرماني مشروعا الى الشاه ناصر الدين القاجاري يقضي بشراء الاراضي الخصبة للاقليم من سكانها العرب الاصليين وبيعها الى الفرس الزرادشتيين الذين كانوا يشكلون جالية متمولة وفاعلة في الهند القابع تحت الاستعمار البريطاني. وحمل المشروع عنوان ابتياع عربستان ، غير ان الشاه ناصر الدين رفض المشروع ولكن بقيت الفكرة حية في اذهان القوميين الفرس ليتمكنوا من تطبيقها بعد سقوط الامبراطورية القاجارية وفي عهدي البهلوي والجمهوري الاسلامي.
وقد عاش ميرزا آغاخان الكرماني في اواسط القرن التاسع عشر ولفترة في اسطنبول حيث زارها في تلك الاونة تيودور هرتزل صاحب الفكرة الاصلية لتأسيس اسرائيل على الاراضي الفلسطينية. ولم استبعد لقاء هرتزل بالكرماني او تاثره بما كتبه الاخير حول ابتياع عربستان لتنفيذ خطته الرامية الى تهجير اليهود الى فلسطين.
وقد اهتمت غرف الفكر التينك تانك في العهد الملكي البهلوي وبعدها في العهد الجمهوري الاسلامي بموضوع تغيير النسيج السكاني للشعب العربي في عربستان بسبب اهمية هذا الاقليم الاستراتيجي والثروات المائية والنفطية الكامنة فيه. اذ كنا ولايزال ينظر حكام طهران الى السكان الاصليين من العرب بعيون امنية وليس من منظر حقوق الانسان. وتعد حقبة الستينيات من القرن الماضي نقطة انعطاف في هذا المجال، اذ اعدم نظام الشاه السابق 3 من قادة الحركة الوطنية العربية في اقليم عربستان وهم محيي الدين آل ناصر ودهراب شميل آل ناصر وعيسى المذخور النصاري واعتقل المئات من الكوادر واعضاء ومؤيدي الحركة في كل مدن الاقليم. وقد شعر النظام الايراني من تاثير المد الناصري على الشعب العربي الاهوازي واخذ يشجع الهجرة الى مدينة الاهواز و يقيم المستوطنات الفارسية في المناطق الحدودية من الاقليم وهي مستنسخة من المستوطنات اليهودية في فلسطين.
وقد جاءت الثورة الايرانية عام 1979 لتحد من هذه المخططات الشيطانية غير ان مالبثت الجمهورية الاسلامية وقامت ــ بعد ان عززت سلطتها بخطوات في هذا المجال تحاكي الخطوات الشاهنشاهية. اذ سحب الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني في اواخر الثمانينات من القرن المنصرم، الملفات الخاصة بالقضاء على الوجود العربي في اقليم عربستان من ادراج نظام الشاه وقام بتطبيقها، ومنها مصادرة نحو 250 الف هكتار من اراضي القرويين العرب الواقعة على ضفتي نهركارون، بدءاً من مدينة تستر وانتهاء بمدينة المحمرة. اذ قاوم الفلاحون والقرويون العرب ولسنوات هذه المشاريع الاقصائية المعادية للعرب مما ادى الى مصرع العشرات واعتقال المئات منهم في مواجهات مع قوات الامن الايرانية. وتنوي سلطات الجمهورية الاسلامية استئصال القرويين العرب من اراضيهم وتحويلهم الى سكان صفائح في المدن الكبرى لتفريسهم. كما قامت السلطات الايرانية باقامة مستوطنات غير عربية داخل المدن الكبرى كمدينة الاهواز لتنفيذ خططهم غير الانسانية لتغيير النسيج السكاني لصالح غير العرب. ناهيك عن اقامة مستوطنتين كبيرتين لاستيطان غير العرب المهجرين من المدن الايرانية الاخرى تسمى بلدة شيرين شهر الواقعة بين مدينتي الاهواز وعبادان، و بلدة رامين بالقرب من مدينة ملاثاني العربية.
فإذا اضفنا الى هذه الخطط الاقتصادية المعادية للوجود العربي في اقليم عربستان، خططاً تعنى بقمع الثقافة واللغة والادب والموسيقى العربية في الاقليم نرى صعوبة الحالة التي يعيشها الشعب العربي الاهوازي ونضاله الاصعب من اجل الوجود ، ولاريب انه سيخرج منتصرا على كل العنصريين ومخططاتهم المعادية للعرب وذلك بتكاتفه مع سائر الشعوب الايرانية التي تناضل هي ايضا ضد الاضطهاد القومي ومن اجل حقوقها القومية المشروعة.
AZP07

















