من يقف وراء أزمة العمل الثقافي؟

من يقف وراء أزمة العمل الثقافي؟

 

معتصم السنوي

 

بغداد

 

كان من القضايا الهامة التي شغلت – ولا تزال تشغل – الذين يعملون في حقل الثقافة والأدب ، مشكلة العمل الثقافي بين الفكر والتنفيذ ، بين التصور والتطبيق. ولقد أتيح لبعضهم بحكم اشتغالهم الطويل بالأدب والثقافة ، كمنتجين للثقافة ، ومشرفين على بعض الأجهزة التي تدعم العمل الثقافي ، أن يقفوا بأنفسهم على أبعاد تلك المشكلة وأن يتعرفوا على آراء كل الأطراف المعنية بها. فالذين ينتجون الثقافة ، ويبدعون الأدب والفن، يتصورون أن على أجهزة النشر والتوصيل – وفي مقدمتها المجلات الأدبية والثقافية بالطبع – أن تقوم فوراً بطبع ما يكتبون، وتوصيل ما يبدعون للناس ، معتقدين أن الأدب والثقافة والفن غذاء روحي ومعنوي لازم لجماهير الشعب لزوم الغذاء المادي وضرورات الحياة . ولا شك أنهم محقون في هذا كل الحق. فالثقافة والأدب والفن، هي التي تكون عقل المواطن وضميره ، وتصوغ ذوقه وهي التي تطور الحياة ، وترسم آفاق المستقبل . والمجلات الأدبية والثقافية وغيرها من أجهزة النشر ، وسائر الأجهزة التي تعمل على توصيل الكلمة المطبوعة أو المسموعة ، أو المرئية إلى الجماهير، تحكمها قوانين واعتبارات مختلفة . فقد أصبحت كل هذه الأجهزة – مع التطور الحضاري الذي ساد عصرنا – مؤسسات تقوم في عملها على أساليب علمية ، وتراعي في تقديراتها طبيعة المشروعات، وقوانين الربح والخسارة . ولا أريد أن أقول ، أن هذه الأجهزة- خاصة تلك التي لا تعاونها الدولة وتشرف عليها – على غير حق في أتباع هذا الأسلوب . فلا شك أن من حقها أن تمارس العمل الثقافي كمشروع ناجح ، يوفر لها ما يضمن لها الاستمرار. ولكن على الدولة أن تحمي الأعمال الثقافية الرفيعة. وأن تدعم الأعمال الجادة . وأن تبذل لها من الرعاية والعناية المادية والمعنوية ما يضمن فاعليتها . من هنا .. تجيء المشكلة . وخاصة عند الدول النامية والعربية منها المشغولة بالمتغيرات التي حدثت في العالم ومواكبة الحضارة الإنسانية . فهناك ظروف واعتبارات، تجعل لبعض الأشياء المهمة ، الأسبقية على بعض الأشياء الأخرى ولو كانت هامة. ولقد تجسد هذا الأمر ، من خلال تصور مسؤولية المجلات الأدبية والثقافية ، في المرحلة التي أعقبت حصول معظم بلادنا في أفريقيا وآسيا ، على استقلالها ، وانطلاقها نحو مرحلة إعادة البناء الاقتصادي والاجتماعي . فلا شك أننا مطالبون بعمل جاد خلاق يتلاءم مع تلك المرحلة الجديدة من حياتنا . فقد كانت الانتصارات التي انتهت بتحقيق التحرر الوطني، عبوراً مجيداً إلى آفاق المستقبل الرحب . كانت عبوراً بها من أعباء الكفاح العاجلة الملحة ، إلى ساحات العمل والبناء ، التي ترفرف عليها رايات الأمل والرخاء. ولا شك أنه في مقدمة واجباتنا ومهماتنا – في هذه المرحلة – مواصلة التعبئة المعنوية ، والحشد   الفكري ، لمواجهة أي احتمال للتسلسل الاستعماري الجديد، وعودة النفوذ الامبريالي ، في الميادين الثقافية أو الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية على السواء، وتستغل فيها كل الوسائل الثقافية لإبراز أمجادنا الحضارية والنضالية على مر العصور ، والتأكيد على أن معاركنا مستمرة عبر تاريخنا العريق. وفي هذا المجال أعتقد أنه من الواجب ، أن نؤكد العلاقة العضوية بين أطراف ثلاثة ..  هم :

 

أولاً : منتجو الثقافة والأدب والفن . وهم المفكرون والأدباء والفنانون ، ولا شك أن هؤلاء هم أصحاب العطاء ، الذين تجب رعايتهم ، والأهتمام بهم ، ودعم أعمالهم ، ومعاونتهم .

 

ثانياً : أصحاب الحق في هذا العطاء . وهي الجماهير التي تتلقى هذا العطاء الأدبي والثقافي والفني.

 

ثالثاً : أجهزة النشر والتوصيل ، وفي مقدمتها المجلات الأدبية والثقافية وهذه الأجهزة ليست صاحبة العطاء ، وإنما هي الوسيلة لتدعيم هذا العطاء ورعايته ، ونشره ، وتوصيله إلى الجماهير صاحبة الحق في الانتفاع به والاستمتاع بثمراته.

 

ولا شك أن تأكيد هذا التلاحم بين هذه الأطراف الثلاثة سيساعد على أداء الرسالة الوطنية والقومية والإنسانية ، وهي الرسالة التي نسعى جميعاً إلى تحقيقها لتسهم في تحقيق الحرية والأمن والرخاء ، حتى يتحقق مجتمع الكفاية والعدل . مجتمع العلم والإيمان. مجتمع الازدهار والكرامة والسلام. أن هذا التلاحم أيضاً سيخفف من المشقة التي نحسها ونحن نؤدي مهمة العمل الثقافي . فهذه المهمة – على فرط حيويتها- تبدو ظاهرها نوعاً من الترف أو الترفيه بالنسبة لمهام اشد حيوية في بلادنا جميعاً. مهام تشييد واستكمال البناء الاقتصادي. وتأتي في ترتيب الأهمية بالنسبة للتمويل الذي لا مناص منه لتنفيذ المهمة ، في مرتبة تالية لتلك المهام الأخطر ، وتصبح عملية التنفيذ منوطة بما قد يسمح به من تمويل ، لا يؤثر على المهام الأشد حيوية ، والأكثر خطورة . مثل .. تأمين الدفاع عن الاستقلال الوطني وتوفير الرخاء للجماهير الكادحة . أن مهمتنا الحقيقية ، أن نتغلب على كل هذه العقبات . وأن نبذل كل الجهد والوقت والمبادرات الخلاقة لتدعيم العمل الثقافي. وفي يقيني أن دراسة هذه المشكلات ومعرفتها، تؤدي إلى التغلب عليها وتذليلها . وعلى القيادات الواعية أن تستثمر روح النضال الوطني العريق والمجيد في عملها ، وأن تستفيد من هذه اليقظة الفكرية والروحية الكبرى التي عمت ، حتى تزيل الفجوة بين الفكر والعمل، بين التصور والتنفيذ ، في مجال العمل الثقافي . ولا شك أنه مما يتصل اتصالاً وثيقاً بنجاح عملية للتغيير الاجتماعي لصالح شعوبنا هو تأكيد الدور الهام لثقافتنا ، هذه الثقافة التي يجب أن تتضافر فيها أصالة التراث وجدة المعاصرة لكي تساهم في بناء البشر.. أغلى ثرواتنا القومية .. التي يجب أن تساهم التنمية الاجتماعية والثقافية في بنائها ، والانطلاق بها لتحقيق آمال المستقبل المشرق لشعوبنا .. مستقبل الرخاء والعدالة والحرية والسلام. لقد خاضت شعوبنا معارك مريرة من أجل الحرية ، وحققت انتصارات رائعة على قوى الاستعمار والعنصرية والصهيونية في آسيا وأفريقيا وأخيراً في الشرق الأوسط ، حيث حققت الشعوب العربية أنتصارات عديدة ضد العدوان الصهيوني وما زالت تناضل من أجل تحرير أراضيها في الجولان السورية ومزارع شبعا اللبنانية واستعادة حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره على أرضه . وقد أثبتت الحرب الأخيرة بين حزب الله والكيان الصهيوني أن قوته الغاشمة لا تعدو عن كونها (نمر من ورق)… أن ثقافتنا الأصيلة المفتوحة على كل التجارب المعاصرة لا بد أن تؤدي دورها في مواصلة بناء الإنسان الذي ناضل ويناضل من أجل تحقيق حريته حتى يساهم في التقدم الاجتماعي وفي أثراء الحضارة البشرية.