توم وجيري – فراس الحمداني

توم وجيري – فراس الحمداني

حتى ونحن كبارا» .. و بمختلف الاعمار .. لازلنا نشاهد كارتون تووم وجيري عندما يتابعه الصغار ونضحك على المقالب التي فيه او اقلها نبتسم منحازين للفأر جيري وننضم لصفه وجبهته واقفين ضد القط تووم ..

كلنا نذهب بذلك الاتجاه دون التفكير او التمعن بالقضية وعدالتها او المشكلة واسبابها ومن المتجاوز فيها ؟ .. متناسين كل ذلك اصلا» لاننا نكون وقتها مؤطرين بإطار رأي معين لا خيار لنا غيره .. فحين كبرنا ولم يكبر فينا ذلك الطفل الذي كان ينتظر بدهشة مطاردة القط للفأر ثم يضحك عندما يقع تووم في الفخ مجددا» بينما يهرب جيري منتصرا» بخفة وذكاء كنا نعتبر القط تووم خصما» شريرا» يستحق الهزيمة على الرغم من أنه في اغلب الأحيان لم يكن سوى قط حارس يحاول حماية منزله من فأر مشاغب يثير الفوضى ويسرق الطعام ويقلب المكان رأسا» على عقب ..

نعم لم نكن نرى الصورة بهذه الطريقة .. لأننا منذ البداية وبدون أن نشعر تم وضعنا داخل إطار محدد رسم لنا من هو الطيب ومن هو الشرير ومن يستحق التعاطف ومن يستحق السخرية ..

وهنا تعود الى ذاكرتي شذرات مما قرأته عن نظرية التأطير الإعلامي التي تقوم على أن وسائل الإعلام لا تخبر الناس فقط بما يحدث بل تحدد لهم أيضا» كيف ينظرون إلى ما يحدث فهي تقدم القصة ضمن اطار معين و من زاوية معينة تجعل المتلقي يتبنى موقفا» محددا» دون أن ينتبه إلى أنه قد تم تأطير و توجيه مشاعره وأفكاره بهدوء وذكاء ..

وللفت الانتباه انوه ان ما يظهر امامنا ضمن اطار القصة ان الفار جيري أصغر حجما» وأضعف جسديا» وتعابير وجهه أكثر لطفا» وبراءة والقط توم غالبا» هو من يبدأ المطاردة أو يظهر غاضبا» .. والموسيقى والإيقاع الكوميدي يكافئان انتصار الفأر جيري .. وحتى الكاميرا والزوايا البصرية تعطي جيري موقع الضحية الذكية ! .. كل هذه العناصر تجعل عقل المشاهد يبني انحيازا» عاطفيا» شبه تلقائي حتى لو لم يكن الفأر جيري على حق ! .

 ما يحدث معنا في متابعة تووم وجيري يحدث يوميا»معنا في متابعة الأخبار والبرامج و الافلام و المسلسلات ومواقع التواصل حيث يتم أحيانا» دفع الجمهور إلى التعاطف مع طرف معين أو كراهية طرف آخر عبر طريقة العرض وانتقاء الكلمات والصور والموسيقى وحتى التعليقات المصاحبة ..

ولهذا فنحن بحاجة إلى أن نفكر خارج الصندوق وأن لا نستسلم لأي إطار جاهز يفرض علينا وأن نحاول دائما» رؤية المشهد كاملا» لا كما يريد الآخرون لنا أن نراه فالحقيقة ليست دائما» كما تعرض أمامنا .. فلربما كانت قصة تووم وجيري ليست مجرد قصة قط وفأر وربما كان تووم في الكثير من القصص مظلوما» أكثر مما كنا نظن .