جولات غير تفقدية – محمد الربيعي

جولات غير تفقدية – محمد الربيعي

تثير المشاهد المتكررة التي تطالعنا بها المواقع الرسمية للجامعات ومنصات التواصل الاجتماعي والتي تظهر رؤساء الجامعات والعمداء وهم يجوبون القاعات الامتحانية محاطين بالمصورين تساؤلا جوهريا حول فلسفة الادارة الاكاديمية والتقاليد العلمية الرصينة. ورغم ان ضمان سلامة الامتحانات واجب اداري لا غبار عليه الا ان تحويله الى استعراض بصري يبتعد كثيرا عن جوهر العمل الاكاديمي المتعارف عليه عالميا. ففي كبرى الجامعات العالمية لا نكاد نرى رئيسا لجامعة او عميدا يدخل قاعة امتحانية اثناء سير الاختبار لان العملية الامتحانية هناك هي اجراء تقني وتنظيمي يدار من قبل لجان مختصة ومراقبين مدربين ضمن نظام مؤسسي لا يحتاج الى حضور المسؤول لضمان انضباطه. ان غياب هذه الممارسات في الجامعات الرصينة يعود الى الايمان بان استقلالية القاعة الامتحانية هي جزء من قدسية التقييم العلمي.

علاوة على ذلك فان دخول الوفود الادارية مع كاميرات التصوير في لحظات التركيز القصوى للطالب يؤدي الى تشتيت الانتباه وقطع حبل الافكار مما يسبب حالة من الارباك النفسي والضغط غير المبرر الذي قد يؤثر سلبا على الاداء الذهني للطلبة. كما ان هذه الممارسة تحول انظار المراقبين من التركيز على مراقبة القاعة الى الانشغال ببروتوكولات استقبال المسؤولين مما يخلق نوعا من التشويش على سير العملية الامتحانية برمتها.

ان ضمان مسيرة الامتحانات مهمة جليلة لكنها ليست الاهم في سلم الاولويات الاكاديمية اذ ان المراقبة الحقيقية التي يحتاجها التعليم هي التي تنصب على ما يحدث طيلة العام الدراسي من جودة في التدريس وتحديث للمناهج وتعزيز للبحث العلمي. لذا فان ما نتمناه من القيادات الجامعية هو الاهتمام بمراقبة سيرة التدريس والاجراءات العلمية التي تضمن الحفاظ على الجودة والارتقاء بالمعايير التعليمية بدلا من التركيز على التواجد الشكلي في القاعات. ان التخلي عن هذه الممارسات الاستعراضية التي لا تنتمي للتقاليد العلمية العالمية يعد خطوة ضرورية لتعزيز البيئة الاكاديمية الرصينة وتوفير الهدوء اللازم للطلبة لتمكينهم من اداء امتحاناتهم بعيدا عن مظاهر الاستعراض الاداري.