من هم الهتلية في هتلية ؟
شخصيات غير مقبولة من المجتمع
يوسف عبود جويعد
يعتمد الروائي شوقي كريم حسن في روايته (هتلية) البنية الانزياحية كسياق فني للمبنى السردي،لكي يبعدها عن التقريرية والمباشرة ويستحدث لها نمط جديد، حيث نجد أن واقع الحياة وسير الأحداث قد تحول إلى رموز ودلالات وصور استعارية متقنة الاختيار، وما بطل الرواية إلا رمزاً مهماً يمثل أبناء الشعب في هذا البلد المبتلى، وهو متمرد وثائر وساخط على واقع الحياة التي لا ترضي طموح أفراد الشعب، أما الكهنة فأنهم يمثلون السلطة بكل أشكالها وعبر مرور الأزمنة خلال حقب زمنية طويلة ، وهم وحدهم يملكون القدرة على التلاعب بمقدرات الشعب، وهم سبب رئيسي في هذا الانحدار الكبير في الحياة داخل البلد، وكذلك الكاهن الكبير، ورب الكهنة، والرب الأكبر، ورب الأرباب، كل هذه رموز وصور ودلالات لواقع الحياة المعاش، إلا أن الروائي اختار هذا السياق الفني لكي يزج المتلقي في بنية نصية تتطلب منه أن يشحن ذاكرته بشكل مستمر لكي يفكّ تلك الرموز ويعيد تركيبها ثانية وحسب أصولها الواقعية، وقد اعتمد الواقعية التعبيرية كنمط للمسار السردي، وهي وصف الأعمال التي يتم فيها تشويه الواقع بهدف إيصال رؤية داخلية محكومة بعوامل التأثير العاطفي وشكل من أشكال الفني الرومانتيكي يتميز بصورة خاصة في الفن الإنمائي ويظهر ويصبح مهيمناً في أزمنة التوتر النفسي والاجتماعي الناشئ عن قلق العصر(1)، ولكي تكون المسيرة السردية مؤثرة ومتأثرة فأنها يجب أن تنطلق من أعماق الحطام والانكسارات التي كانت هاجس البطل المتمرد على هذا الواقع المرفوض والذي لا ينسجم وطموحات أفراد الشعب المتمثلة به كرمز ينوب عنهم (قالت- لم أرك تضع نفسك داخل حطامات روحك من قبل ..لم أنت دون سواك من يتوجب عليه الخوف والارتماء في دهاليز التراجعات ..ما عساك فعلت ..ما عساك فعلت؟يظل صوتها يدومّ بين أرجاء المكان ، وتظل روحي تلوب باحثة عن مأوى مثل كلب اغتسل بقيظ ، أدور دونما جدوى لدوراني ) ص53 ، لقد وظف الروائي البنية الانزياحية مع الانطلاق السردي من حطام الروح وانكساراتها لخلق حالة مميزة تجعل لغة السرد روحية انزياحية تعتمد على المفردة النثرية التعبيرية، التي تتطلب من المتلقي حالة من الوعي الحسي لإدراك هذا المنحى الذي قد يجده ثقيلاً في بادئ الأمر وما أن يكتشف كناه ويفك رموزه حتى يظهر جمال النص وسياقه الفني المبهر،أن الأزمنة والأمكنة والحكومات المتلاحقة على السلطة، وحياة الطفولة للبطل الرمز داخل المبنى السردي والثيمة سارت بهذا المنحى منذ السطر الأول للرواية حيث استخدم اللهجة العراقية كمدخل للعالم السردي في هذه الرواية إلا أنه لم يعتمد داخل مبنى النص في اللغة والحوار إلا في الحالات التي يتطلبها السياق الفني (- لكني لا أعرف كيف يمكن لحنجرة مثل حنجرتي أن تصمت ..ما معنى الصمت أصلا.. عقلي ماكنة ثرم لكل كلمات الغضب والخوف وتوسلات المخبولين …كيف يمكن أن يطالب واحد مثلي بأن يصمت…ههههه ….صمتي يعني فشل أمانيي في الانتصار …أهو…أردت أن أكون… لكن الولد الذي اتهمني بالشيوعية وشى بي للمرة الثانية )ص 99 ، وهكذا فأننا نجد كل مظاهر الحياة هي ضمن هذه التركيبة الغريبة، حتى العلاقة التي تسود بين بطل الرواية والحبيبة (الصمت يملأ دوارقي بالترقب، أدور إلى حيث الجدران المحافظة على هدوء المذبوحين بحبال صمتهم، لا أراها تنظر صوبي لامة جسدها إلى خبث وجودها الكريه، يجس النهد النافر يدي اليسرى، فتنساب اليد اليمنى باتجاه الغار، باحثة عن لعبة الاشتياق التي ضاعت هناك.. الروح تلامس الآهات تأخذني الوحدة إلى سر التكوين كله،، العري يحطم همومي فأدلق كلي في جسدها الخشبي ، الباعث على اليأس )ص 113 ، وهذا البطل الثائر الذي أوكله الروائي مهمة سير العملية السردية، يلوم نفسه وبذلك يلوم الضعف والاستسلام داخل نفوس أفراد الشعب الذين رضخوا لهذا الواقع المرفوض وأعلنوا استسلامهم وتركوا الكهنة يعيثون في الأرض فساداً، إلا أنه لوم عميق وحزين ومؤلم (يظل السؤال يحك أعماقي مثل آثار الجدري، أتمنى لو استطعت ، لو تجاوزت تلك العتمة التي أخذته ، لكن المقصلة كانت الأقرب من الأمنية، استدار وكأنه يذكرني بفشلي وضعفي ، وخرابي، وصعد السلم مسرعاً، أزّت الخشبة تحت قدميه، ودونما لغط ساد الصمت ، الصمت الذي لم نعتده في مثل هذا اليوم، النشوة تسقي الأماني لتزهر ورداً من عدم اكتراث. تمنيت لو أن كهنة المعابد، دلقوا دنان خمورهم المعتقة فوق رأسي، ما كان يجب أن احضر لحظة الكراهية ) ص 180، وحتى مشهد الإعدام هذا يأخذنا إلى تساؤلات كبيرة تتعمق مع مسار الحركة السردية،وربما تكون حالة الإعدام داخل البنية النصية للروائية تمثل شخصية اتصفت بالقوة والنفوذ وانتهت بالمذلة والاستسلام والخضوع والخوف والقلق، وهي الرمز داخل الرمز، أي أنها تشبه إلى حد بعيد حالة الشعب الذي ظل خائف ومستسلم وذليل لهؤلاء الكهنة البغاة الذين يمثلون السلطة، وبهذا أتاح لهم فرصة اللعب بمقدراتهم وحقوقهم وسرقة أموالهم، بل سرقة حياتهم التي يجب أن تكون، وهو يقدم أي الروائي واقعين متناقضين الواقع الصحيح والذي هو هناك، والواقع المرفوض الذي هو هنا، وجعله صراعاً مستمراً طيلة المسيرة السردية وضمن ألبنية النصية والثيمة ، كما أن البطل الرمز بعد أن مر بهذه الأحداث وبعد أن أحس بأنه لم يقم بدوره على الوجه الأمثل بات يدين حاله وينطلق من حطامها، ( منذ آخذتنا الأحلام إلى ديارها ونحن نعرف ملامح الدرب جيداً .. أحلام الفقراء مقاصلهم …هذا ما كان يقوله جدي لأبي وما قاله أبي لي…أحلامنا توارث …مثلما موتنا توارث.. اقسم لك منذ وجدتني البط وسط جيف شطيط .. وانأ اشعر بين الهنا بجماميله المثيرة للأسى والحزن .. وبين الهناك بشوارعها التي تتضمخ بروائح الرازقي والشبي ) ص 248، لقد كانت كلمة (نعم) لحظة تمثل تسليم زمام الأمور إلى الكهنة والسراق ( عبوديتكم ثمنها محمول إمامكم إلى حيث البقاء هناك / فمالكم أهل الأرض تقاتلون أفكاركم وتمنعون ماعون الكهنة التي يقدم دون مقابل / حياة أبدية تأخذها لا لشيء غير أن تقول للكاهن … نعم / عند الباب الذي اكتظ بالمسحولين إلى الداخل ، والخارجين بعد حين وهم مطروحين بصمت على ظهر عربة يجرها حمار حساوي ) ص 280
وهكذا فأن الروائي شوقي كريم حسن في روايته ( هتلية) يقنعنا بشكل لا يقبل الشك من هم الهتلية، هؤلاء الكهنة البغاة الذين سرقوا قوت الوطن، وتمتعوا بخيراته دون أن ينبري احد ليوقفهم ويصرخ في وجوههم، ويقدم لنا هذا البطل الرمز الثائر ولكنه يصرخ من داخل تلك الحطامات دون معين، إنها رواية تحكي الآم شعب
























