من أصدقائي المبدعين مشهد الذاكرة والحاضر

من أصدقائي المبدعين مشهد الذاكرة والحاضر
طيور الإبداع تحلق قريباً من المنبع
معد الجبوري
أنور عبد العزيز
شيخ السرد في الموصل
نهرٌ هادر لا يكفُّ عن جريانِه، وتوقِه إلى ضفةٍ ثالثة.
شجرةُ تين موصلية باسقة مُعَمِّرة.. تمتدُّ جذورُها في أعماقِ المدينة،
ظلالُها وارفة، وثمارُها لكل الناس.
قلمٌ وَهَّاج خَلاَّق مازال ينشرُ حرائقَه على بياض الورق،
وبصمةٌ خاصة عَمَّقَ مِن ملامحِها السهرُ والضنى مع الكلمة.
صوتٌ مبتكر يتصدر واجهةَ المشهد القصصي العراقي والعربي
هذا هو القاص المبدع الكبير أنور عبد العزيز الذي ما زال يعزِّزُ مِن مكانتِه الأدبية ويواصلُ حضورَه المتألق، بقصةٍ جديدة وقراءةٍ نقدية وبحثٍ أدبي.
إنه شيخُ السردِ بامتياز، في مدينة الموصل.. حملَ هويتَها وتغلغلَ في حاراتِها وأزقتِها وبيوتِها وهو يتماهى مع الأمس البعيد والقريب ليحاورَه ويعيدَ إليه نبضَ الأيام الخوالي.
كتبَ عن خصوصيةِ رجالِ ونساءِ مدينتِه، وشواطئِ دجلتِها وأسرارها ، فكان حتى للمعروفين شعبيا فيها ولمجاذيبِها ومجانينِها وأسواقِها ومقاهيها ومعالمِها التراثية، حضورٌ في ثنايا قصصِه المتفردة.
وأنور عبد العزيز أحد أصدقائي الأدباء العصاميين.. جايلته وربطتني به صداقة حميمة منذ أكثر من أربعين عاما، وأشهد هنا أنه بنى منزله في ساحة الابداع لبنةً لبنة، دون أن يتعكزَ إلا على إبداعِه ورصانتِه وسلوكِه النبيل النظيف.. نشرَ منذُ ستينات القرن الماضي ولم يزل ينشر في عشرات الصحف والمجلات العربية والعراقية وأصدر العديد من المجاميع القصصية.
وها هو اليوم أحدُ رموزِ الموصل، يجوب شوارعَها يوميا وهو في سن السابعة والسبعين غير مبالٍ بالطنين الدائم في أذنيه الذي أصابه بالصمم .. يطالع كل ما يصدر من صحف وكتب، وتصلني منه دون كلل وبمحبة، الصحف التي تنشر لي وله ولمبدعي المدينة مع تعليقاته الرائعة على حواشيها، ولا يترك لي فرصة أن أمضي لشرائها.
ولعل القاص أنور عبد العزيز، من أشد أدباء الأجيال السابقة قربا وتواصلا مع جيل الشباب من شعراء وقصاصين، يلتقي بهم ويحاورهم ويبدي آراءه فيما يكتبون، بل إنه يساهم بقراءاته النقدية للجديد من إصداراتهم.
وهو فضلا عن ذلك ، رجل مقبل على الحياة ، لا تفارق الابتسامةُ محيَّاه ولا يدع فرصة تجمعنا بنزهة في أماكن جميلة إلا وكان معنا منشرحا منساقا وراء رغباته ورغباتنا. محيلا تلك الفرص إلى ملتقى للأدب والفن والحوار.
إنه قاص انطفأتْ من حوله عشراتُ الأسماء وما زال اسمُه يتوهج، عبر أسلوبِه الذي يتَّخذُ من مدينةِ الموصل منهلاً لإبداعِه القصصي المتميز.
بإيجاز أقول إن أنور عبد العزيز اليوم وبعد عقود من العطاء، يُعَدُّ علماً من أعلامِ أم الربيعين المدينة المنجبة العريقة وحسبُه ذلك.
ذو النون الأطرقجي
أعشاب الحديقة دون تشذيب

زمن بعيدٌ بعيد.. يسطع الآن كالبرق في الذاكرة.. زمن موصليٌّ غض كانت الملامح فيه تتشكل، وحبل السُّرَّة ما زال متصلا بالمحلة وأسرارها، بمآذنها وقبابها، وأزقتها وبيوتاتها العتيقة.. زمن بعيد.. هو الزمن الأول الذي قفز فيه اسم ذنون أمامي شاعرا، قبل أن يصبح الصديق العزيز ورفيق الكلمة المبدعة الرائدة.
في مطلع الستينات، قبل أن أغادر مرحلة الدراسة المتوسطة، كنا أنا ورفيق صباي الشاعر حيدر محمود عبد الرزاق، نتهجى أوليات الشعر، يوم طار بيننا صيت قصيدة عمودية ذات نَفَس ديني سياسي، شدنا إليها سحر الشعر وقدرة الشاعر على الإبداع التي كانت تشع في ثنايا القصيدة.
منذ ذلك اليوم تعرفت على شاعر موصلي يُدعى ذنون يونس شاعر القصيدة تلك.. ولم أكن أدري آنذاك، لفارق السن بيننا، أن بين مسقط رأسه وبيتي بضعة أمتار، وأن أمي وأمه سترويان لنا يوما عن المحلة حكايات وحكايات وتتبادلان من خلالنا التحيات والذكريات بعد زمن طويل.
يوم التقينا عام 1968 في بغداد، كان ذو النون المدرس الذي عمل في القيَّارة وبرطلّة قد غادر الموصل، مقبلا على الحياة بنهم غريب، وكنت أحزم حقائب العودة إلى الموصل بعد تخرجي من جامعة بغداد، يومها تنفس ذو النون هواءاً آخر وهو يدخل أجواءنا، نحن الشباب الموصليين الذين كنا آنذاك مسكونين بهموم الثقافة والأدب محمد عطا الله، مجيد سعدون، حيدر محمود عبد الرزاق، أمجد محمد سعيد، سامي الموصلي، غانم سعيد، وكاتب هذه السطور..
ومثلما عدت، عاد ذو النون إلى الموصل، لنبدأ لقاءاً آخر هو بداية أخرى، لقاء اقتحام عالم الشعر بروح جديدة وثابة.
ولئن كنت يوم التقينا في الموصل عام 1969 قد ألقيت على الرف كل ما كتبت من شعر قبل هذا العام فإن ذو النون لم يلق شعره على الرف فحسب، بل رمى بكل مفردات حياته السابقة في البئر التي خلفها وراءه غير آسف، ليطل على الناس إنسانا جديدا وصوتا مكتظا بالخلق والإبداع والتجديد على مستويين معا الحياة والشعر.
ولعل أول ما فعله أنه بدأ يوقّع باسم ذو النون الأطرقجي بدلا من ذنون يونس فطلَّق أشكال وأساليب التعبير التي مارسها ليفتح لروحه الصاخبة فضاءاً شعريا مغايرا وسط مجموعة استطاعت اقتحام ساحة الإبداع بكل قوة دون عكازات أو بطاقات دخول بل إن معظم مبدعي هذه المجموعة دخلوا منزل الأدب العراقي من النوافذ قبل دخولهم من الباب وذلك من خلال انتشار أسمائهم في أبرز المجلات الأدبية العربية التي كان النشر فيها يعد آنذاك شهادة ما بعدها شهادة.
ولعل أبرز محطة في حياته كانت في مدينة عنّابة بالجزائر أيام عمل مدرسا هناك، فعاش تجربة ثرية، جاب خلالها الشمال الأفريقي والمدن الأوربية، فضلا عن إقامته في عنابة التي كانت أرضية خاصة لتجربة فريدة خرج منها بعد مجموعته الأولى الترجل عن صهوة البراق بمجموعة شعرية ذات جو خاص هي مجموعة البحر مثلما خرجتُ بعده بسنوات بمجموعة شعرية ذات جو خاص أيضا هي مجموعة وردة للسفر بعد أن عشت عامين في الصومال وخبرت طقوس أفريقيا السوداء.
لقد وجد ذو النون في البحر ضالته، فاتخذ من مفرداته رمزا لمنحى حياته الجديد، فكان البحر بديلا عن الصحراء، وعنابة بديلا عن المدن الأخرى، إنه الرحيل من اليباب إلى الماء والخضرة، خروج من الرماد إلى البرق، مغادرة الأقفاص إلى التحليق في الآفاق الواسعة.
عبر هذا المنحى في حياة وشعر ذو النون الأطرقجي، تتشابك مشاعر الرغبة باقتناص اللحظة، مع الحذر من الكهولة والقلق والأسى الشفيف.. ففي أقصى لحظات الشباب تتراءى أطياف الخريف وفي مدى الانغمار بالفرح والجمال تلوح خطى الخواء والدمامة.. كل ذلك نابع من إحساس ذو النون بأن الربيع تأخر كثيرا تأخر الخروج من البئر، ولذا فقد كان يردد بيتا من التراث يقول
لا تُنكِروا لهوي على كِبَرٍ فعليَّ من زمن الصِّبا قرضُ
لقد عايشت ذو النون الأطرقجي، أكثر من ربع قرن واكبت خلاله تجربته الشعرية بل عشت تفاصيلها مثلما عاش تفاصيل تجربتي الشعرية، فكان بيني وبينه حوار وتفاعل وتأثر وتأثير، فضلا عن حضورنا معا في عشرات المؤتمرات والمهرجانات والملتقيات والندوات والكتب المشتركة.
ومع أننا نكتب بطريقتين مختلفتين.. أنا، حقا كما يقول أرصد وأهذب وأهندم وأزاوج بين حرارة القلب وشكيمة العقل في عبارة موقعة مختزلة منتقاة وهو كما يقول عن نفسه يترك أعشاب الحديقة دون تشذيب.. مع ذلك فقد ظلت صداقتنا وتجاربنا الشعرية على أعلى مستوى من التناغم والصلة الروحية العميقة. وظلت طريقته التي تعتمد إفراغ شحنة الشعر دفعة واحدة بكل تدفقها وفورانها، مثار إعجاب بالنسبة لي، فهي أشبه بجمرةٍ ألتم عليها لأكتوي بما تنطوي عليه من هم ولوعة وعذاب، ومن نبض حار يسري في جسد القصيدة مثل نسغ لا ينقطع.. ولطالما حاولتُ الإفادة من طريقة ذو النون هذه، ولا بد أن تكون قد تسربت إلى بعض محاولاتي، إلا أن هم تشذيب الحدائق، هو الذي ظل يسكن قصائدي.
ذو النون يمتلئ بالحالة لحظة غليانها، فلا يهدأ ولا يملأ رئتيه بنَفَسٍ عميق حتى ينفخ ما في أعماقه على الورق، ثم لا يعود إلى ما كتب ليغير أو يضيف، وفي هذا الجانب لديَّ أمثلة كثيرة، منها مثلا ما يتعلق بتجربة مشتركة عشتها معه على الحجاب العراقي الأول في الفاو أيام احتلال القوات الإيرانية لها عام 1986 فقد كنا في زيارة لها ضمن وفد مؤتمر الأدباء العرب فوجدنا أنفسنا بسبب خطأ ما، أمام قوات الاحتلال، أنا وذو النون ونجمان ياسين وسالم العزاوي وعبد الجبار عباس وجاسم الزبيدي، والشاعر الجزائري عياش اليحياوي..
وبعد إخلائنا من الحجاب بصعوبة وحذر، باتجاه مشارف البصرة، كتب ذو النون
الأطرقجي قصيدة على الفور ثم ألقاها بين الأدباء العرب في البصرة ، أما أنا فلم أكتب قصيدتي رقيم عند الحجاب عن هذه الحادثة إلا بعد عام أو أكثر، كذلك نجمان فقد كتب رواية عن ذلك الموقف بعد عامين.
ذو النون الأطرقجي شاعر مبدع مجدد، له أسلوبه الخاص، وهو بين مجايليه شاعر في الطليعة، ولعل أبرز ما يميزه إلى جانب أسلوبه ، أنه صاحب تجربة حية معاشة، ظل شعره عبرها ينهل من تقلبات ومنحنيات حياته، وهو شاعر موقف يكتب ليضيف ويغيّر ويواجه، وشعره في كل ذلك ينطوي على مستوى عال من الأداء الجمالي والفني، وعلى روح عذبة طرية صافية.
وذو النون بيننا ظل حجة في كل ما له علاقة باللغة والتراث، فجذوره بعيدة الغور في كل ما هو أصيل وعريق وتغذي تلقائيا قدرته الفائقة على المزاوجة بين الأصالة والمعاصرة..
أما ذو النون الأطرقجي الإنسان، فقد ظل صديقا وفيا شفافا ، طيب القلب واسع الصدر، لا يغضب ولا يُستَثار.. ولعلنا، نحن أصدقاءه القدامى، نعرف تماما أن ذو النون بيننا هوا الوحيد الذي لا يحتدم ولا يزعل لأي سبب أو مشكلة تقع في جلسة تجمعنا، وإذا تصاعد الصراع وعلا الضجيج ركن إلى الصمت والتزم الحياد حتى لا نكاد نحس بوجوده، لولا ابتسامة أليفة جميلة، هي ابتسامته المعهودة أينما حل، وفيها تكمن استجابته للمواقف، وقد تجر من لا يعرفه إلى تأويلات شتى، حين يبدو له أن ما تخفيه أكثر مما تفصح عنه، مما حدا بي وبصديقنا الشاعر عبد الوهاب اسماعيل في لحظة مشاكسة وتوزيع مهام أن نرى ان أفضل شخص من بيننا يصلح للعمل الدبلوماسي هو ذو النون الأطرقجي. والحق أن عشرة العمر العميقة الطويلة لم تُبقِ لنا من الغاطس والدفين لدى ذو النون أكثر من المعلن والمكشوف.
أخيرا علي أن أشير إلى أن كل ما تحدثت به أعلاه كان قبل دخول الألفية الثالثة، ولأني أعرف أن ذو النون الأطرقجي كلما انقلب تطرَّف، فمع دخولها وحصوله على الدكتوراه عاد ذو النون الأطرقجي إلى جذوره الأولى، فلم يكتف بأدائه الشعائر الدينية والتخلي عن المحطات الأخرى التي مر بها فحسب، بل إنه اتجه بشعره إلى النمط التقليدي، فأصدر مجموعة من الشعر العمودي عام 2011 عنوانها جسر فوق وادي الرماد . فاعتبر المرحلة التي مر بها قبل ذك محض واد من الرماد.
عبد الواحد اسماعيل
ذلك الطائر الرمادي النادر
طائر فريد عجيب، أينما رفرف ملأ الجو عذوبة ونشوة..
وردة فوَّاحة، أينما حلَّتْ نشرتُ أريجَها..
قصيدة حب يتغنى بها الشعراء
هذا هو أبو وحيد، عبد الواحد اسماعيل فنان الدراما المبدع والإنسان النبيل.
عرفته منذ زمن بعيد، يشع مثل لؤلؤة نادرة ويخطف كالبرق.. ورغم أنه ظل القريب القريب إلى كياني ووجداني، وظل الصديق الحميم الأليف الدافئ.. رغم ذلك فقد كنت أقف في حيرة إذا أردت التعريف به أو تقديمه للأصدقاء.. فهو مثل ذلك الطائر الرمادي النادر الذي يقف على هام جبل دير مار متي قادما من أغوار التاريخ السحيقة، صادحا مثل مزمار عذب في غَبَشٍ خريفيٍّ بعيد، ثم يمرق ناشرا جناحيه دون أن يمسك به أحد، بعد أن يغمر الفضاء بالجمال والسحر والتأمل.
وأبو وحيد، هذا الطائر الرشيق، شخصية مركَّبة مكتظة بالحياة، فهو فنان مسرحي كوميدي من طراز رفيع منذ الستينات،ومؤدٍّ يجيد العديد من ألوان الغناء، وعازف إيقاع، وشاعر أغنية، ومؤلف وراوي نكات مولع بالفكاهة والمفارقات.. أينما حضر تحضر الكوميديا، فمعه وبشكل خاص تنتقل الكوميديا من الخشبة لتحل بين الناس، في الأسواق والمقاهي والمجالس والدوائر والبيوت.إنه فنان شعبي وإنسان شعبي معاً.. أصدقاؤه من شرائح المجتمع كافة.. تجده بين صيادي السمك والصاغة والقصابين والحدادين والعطارين والبزازين وبين رجال الشرطة والمرور، وفي شتى المجالات الشعبية.. وتجده في جلسات المسؤولين والمدراء والموظفين الكبار وفي ملتقيات الأدباء والمثقفين والفنانين، مثلما تجده يوميا بين العشرات من النماذج الشعبية المتعبة المسحوقة.
ولصلته الواسعة هذه وكونه فنانا تلقائيا استطاع بعد أن فاتحته من خلال المجمع الإذاعي والتلفزيوني قي نينوى قي التسعينات بتهيئة لقطات تلفزيونية ناقدة ساخرة كوميدية، أن ينجز أصعب اللقطات وأجملها.
مرة أردتُ أن أستبعد لقطة تستدعي وجود باص كبير مع ركابه وسائقه ، وسألني عبد الواحد هل أنت موافق على فكرة اللقطة؟ قلتُ أجل، قال إذن بعد دقائق سيكون الباص في ساحة دائرة التلفزيون. وهذا ما حصل فعلا.. باص مزدحم بشرائح شتى من المواطنين، كلهم مستعدون للتمثيل مع أبو وحيد مما دعانا إل تنفيذ تحقيق تلفزيوني مصاحب لتلك اللقطة التي كانت من اللقطات الجميلة.
مرة أخرى أحضر تابوتا وكفنا وحفر قبرا وراء غرفتي في الدائرة وأحضر عددا من المواطنين لتنفيذ لقطة يُدفَن فيها الممثل أبو وحيد وهو حي فينهض من التابوت لحظة دفنه، وتبدأ المفارقات في لقطة من أجمل اللقطات.
وعبد الواحد بسبب من صلاته المتشعبة وانسياقه في أغلب الأحيان وراء مزاجه الخاص، يصعب العثور عليه عادة ، وكثيرا ما شتل زملاءه في اللقطة وفريق جريدة أم الربيعين التلفزيونية، لكن الجميع يتلقون ذلك بمحبة لأنهم يعرفون من هو أبو وحيد.
عبد الواحد اسماعيل الإنسان رجل مترع بالحياة مسكون بوهجها ونبضها وحرارتها، مرِحٌ أبدا حتى لو كان مثخنا بالجراح، مقبل على اقتناص البهجة حتى لو كانت أعماقه تحترق.. لا يعرف الصمت ولا الجمود.. لا يهمد أبدا حتى يُشِيع نبض الحياة أينما حل، وهو قبل ذلك يمتلك من الخصوصية الموصلية ما يفيض عن الإهاب.
إن ما يمكن قوله عنه كثير، لا تستطيع وقفة عاجلة مثل وقفتي، أن تفي بما أحمله عنه.. وأنى للكلمات أن تحيط برجل وفيّ يسكن الأعماق بمحبته وشهامته ونبل أخلاقه وكرمه وسخائه وشجاعته وذكائه ومواقفه الإنساني الكبيرة، وطيبة قلبه المفرطة؟ وماذا أقول عن عشرات الأماكن والمواقف والحالات والحكايات التي عشنا معا في ثناياها.. في أزقة الموصل، بين مياه دجلة، عند الضفاف، بين أشجار التوت، في الأماكن القصية المجهولة، في دير مار متي، في الشمال، في بيوتنا الموصلية، حيث تعرفت على والده المرحوم الطيب القلي وعى والدته شجرة الحنان والمحبة وعلى أم وحيد السيدة الفاضلة الأصيلة وعلى أولاده الذين طالما يحفون أصدقاء والدهم بأدبهم الجم وأخلاقهم العالية.. أنّى لي يا أبا وحيد أن أحيط بذكريات عمر طويل؟ حسبي أن أختصر فأقول إن عبد الواحد اسماعيل، هذا العلَم الموصلي الأصيل، شخصية لن تُعوَّض أبدا.
مزاحم علاوي
عطاء لا ينضب وهامة عالية
ينبوع عطاء عذب متدفق، يتوارى أمامه اليباب، ويتنفس الصلصال.
شجرة إبداع باسقة، في ظلها يتجسد عناق الأدب والتاريخ. وتخضلُّ أغصانها بندى الوفاء والطيب والمحبة.
شاعر أقام منزله في الساحة بمفرداته وصوره وخياله الخصب وحسه الوطني والإنساني الباذخ. ومؤرخ لا يجاريه في حرصه على الابتكار وتعزيز رأيه بالسفر إلى ميدان تخصصه، وتواصل نشر بحوثه الرصينة، إلا القليل من الكبار.
رجل تنطوي شخصيته على عزة نفس وكرامة وشهامة، لم أجد لها مثيلا لدى الكثير ممن عاشرتهم، في الحوادث والملمات.. مخلصٌ وفيّ معروف بمواقفه الأخوية الشجاعة وبنبله ورهافة حسه وأخلاقه العالية.
إنه الشاعر الملهم الدكتور مزاحم علاوي الشاهري، العلم البارز في الشعر والنقد التطبيقي والبحث التاريخي والتأليف، فضلا عن كونه القائد في ميادين إدارية بين فترة وأخرى. وهو قبل وخلال ذلك من أعز أصدقائي وأحبائي ورفيق مسيرتي في الحياة والإبداع.
عرفتُه على ما أذكر منذ عام 1971 وهو بعد طالب في الثانوية يوم شارك في مسابقة الشعر للنشاط المدرسي في تربية نينوى بنص من قصيدة التفعيلة وهو في السادسة عشرة من العمر، وكنت حينها أحد أعضاء لجنة التحكيم، فلفت انتباهي وانتباه زملائي، ومنذ عام 1973 كان يحضر إلى دور الثقافة الجماهيرية بعد تأسيسها، حيث كان أدباء جيلنا يلتقون هناك في جلسات أدبية، فانعقدت بينه وبينهم، وأنا واحد منهم، صداقة حميمة، وتعززت صلته بي قبل مغادرتي الموصل للتدريس في الصومال عام 1976، وتوطدت بعد عودتي إلى العراق.
منذ السبعينات كان مزاحم علاوي يعنى ببصمته الشعرية ويسعى إلى التفرد حتى تألق في الثمانينات وما بعدها، وحقق حضوره الشعري في واجهة المشهد الثقافي.
عام 1985عرض عليَّ مجموعته الشعرية الأولى فراجعنا قصائدها معاً، وأطلق عليها اسم الحلم مملكتي ثم صدرت في طبعة أنيقة عن دار الشؤون الثقافية عام 1986 .
وظل يكتب قصائد التفعيلة وينشر في العديد من المجلات والصحف العربية والعراقية، فصدرت له عن وزارة الثقافة والإعلام – دار الشؤون الثقافية، مجموعة قمر الحي عام 1988 ومجموعة ما تبقى عام 1999 فيما صدرت آخر مجموعة شعرية له عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق عام 2000 تحت عنوان رماد كائن في الليل .
وإلى جانب إبداعه الشعري، فقد كتب الدكتور مزاحم علاوي الدراسات النقدية التي تناول فيها تجارب وقصائد العديد من الشعراء، منها قراءته النقدية في بعض مجاميعي الشعرية فقد كتب مثلا عن البطل القومي في مجموعتي الشعرية هذا رهاني وعن اللغة والإيقاع الموسيقي في المجموعة نفسها، فكان ما كتبه من أدق وأجمل ما كتب عن شعري.
وعن ميدان تخصصه كدكتور في تاريخ المغرب العربي، فمهما أدرجت في هذه الكلمة فلن أوفيه حقه ، فهو مؤرخ جليل وباحث ذو موقف ورأي وطرح خاص، بعيد عن الجعجعة والادعاء.. أصدر العديد من الكتب التي تعد مراجع للباحثين في شؤون تاريخ المغرب العربي ونشر عشرات البحوث عن المغرب والدولة المرينية والأندلس في كبريات المجلات العربية التي تصدر في العراق والمغرب العربي وليبيا والإمارات وسوريا وشارك في العديد من المؤتمرات والملتقيات الفكرية في العديد من الدول، وزار الرباط ومراكش وطنجة وفاس والدار البيضاء بحثا عن أي لقطة خفيت عليه في اختصاصه هنا أو هناك. وكيف لا يبذل جهدا كبيرا باحث ذو رأي ورؤيا مثل الدكتور مزاحم علاوي في ميدان اختصاصه بعد أن ترسخت لديه قناعة هي أن المغرب والأندلس كانا طريقين مهمين لانتقال معالم الحضارة العربية إلى أوربا؟
أما عمل مزاحم الإداري ، سواء في عضوية مجلس اتحاد الأدباء في العراق ، أو رئاسة فرع نينوى للاتحاد، أو المواقع الأخرى كمركز الدراسات في جامعة الموصل فما زال يشهد له بالقدرة الفائقة والعطاء الجم والتضحية، وعلى سبيل المثال فإن أدباء نينوى لن ينسوا أن من أهم الفترات التي شهدها فرع اتحادهم هي فترة رئاسة الشاعر مزاحم علاوي للفرع منذ عام 1996 حتى الاحتلال البغيض سواء في ما شهده الاتحاد من نشاط أدبي لا يتوقف وتوفير مقر للفرع وإصدار كتاب كل ستة أشهر يضم نتاجات الشعراء وكتاب القصة فضلا عن الدفاع عن حقوق الأدباء والإصرار على أن يأخذوا حصتهم المادية من المكافاءات والمنح والإيفادات للمشاركة في المهرجانات والمؤتمرات، فضلا عن أقصى درجات النزاهة التي كان يتمتع بها رئيس الفرع ومن معه من أعضاء الهيئة الإدارية.
إن ما يمكن تدوينه عن مزاحم علاوي كاتبا وإنسانا لهو مما لا تستوعبه مثل هذه الكلمة الموجزة، إلا أنه بقي لنا أن نقول
إن الدكتور مزاحم علاوي الشاهري رجل .. وأيّ رجل .. عروبي مناضل جردوه بعد الاحتلال من امتيازاته الوظيفية كلها، وظل واقفا مترفعا عن كل من جرفه السيل، فلم يحن هامته العالية إلا لرب العرش العظيم، ولم يستطع الزمن الخُلَّبُ القُلَّب أن يحيد به قيد أنملة عما يؤمن به ، وعن حبه العميق لمدينته الموصل الحدباء ولبلده العراق الأبي وأمته العظيمة.
/8/2012 Issue 4290 – Date 29 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4290 التاريخ 29»8»2012
AZP09