
ملف العراق الحدودي – علي كريم خضير
من ينظر إلى هيكلية الدولة العراقية، وطريقة بنائها لايخامره أدنى شك في حبكة هذا البناء، وصورته الأنيقة التي لا تجد لها مثيلا في دول المنطقة، على أقل تقدير. فالسلطات الثلاثة مستقلة في إجراءاتها، والهيئات الرقابية مستقلة أيضا، وكل شيء على ما يرام. ولكن النقيض أن العراق من الدول التي تحتل المراتب الأولى في حجم الفساد المالي في العالم بحسب التقارير التي تعلن بين فترة وأخرى. وقد يلتمس أحدنا العذر في أن العراق قد مر بأزمة داعش التكفيري، وما رافقه من دمار للبلد، وبناه التحتية. وكل ذلك قد كان حقيقة ماثلة للعيان. بيد أن داعش وظهوره واستفحال أمره في العراق، ألم يكن ملفا يتعلق بالنزاهة والفساد المالي، أم لا ؟! فلو كانت هناك خطط عسكرية متطورة، وقادة ومسؤولون، وسياسيون قد جعلوا نصب أعينهم هدفا واحدا، هو حماية الحدود الخارجية للبلاد، فهل يمكن أن نرى صور الإرباك والتردي في الملف الأمني في السنوات ما قبل التحرير؟. وإذا كانت الحكومات التي توالت على حكم العراق قد أشرت مواطن الخلل في هذا الجانب عبر أجهزتها المختصة، فلماذا لم تبادر إلى الإسراع في تنفيذ هذه الخطط بأسرع وقت ممكن، إذا علمنا أن هذا الإجراء يحقق سلامة العراق والعراقيين جميعا؟.
تلك الأسئلة الغامضة تطل علينا بياناتها بين الحين والآخر من قبل سياسيين في لقاءات متلفزة، أو في معرض تبرير الفشل والأخطاء التي حصلت بشأنها. وبأعتقادي أن هناك عوامل عدة تضافرت على تدني هذا الملف وقتذاك، من أهمها:
-1 ضبابية الرؤيا، وغياب الإستراتيجية العملية لقوات التحالف الدولي في حفظ وحماية الحدود العراقية من التسلل. يقابلها خطوات الدولة الخجولة في التحرك الدبلوماسي من أجل تفعيل هذه الشراكة.
-2 تقاطع العمل بين السلطات المستقلة، ولاسيما السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية بخاصة تقاطعا وصل إلى حد النهاية. إذ ترتب عليه عدم إقرار موازنة البلد لعام 2014م.
-3 الفساد المستشري في طبقة القادة، والضباط العسكريين. الأمر الذي أعطى المبرر الكافي لإعضاء مجلس النواب بعدم الإستجابة في إبرام أي عقد تسليحي يشكل دعامة قوية للجيش العراقي في الجانب العملياتي.
-4غياب الرؤية الحقيقية في وزارة الدفاع من أجل إدامة زخم المعركة، ورصد تحركات العدو عبر تفعيل الدور الإستخباري الذي يفتقد لدور الإستطلاع العميق في التماهي مع العدو.
-5 وضع الرجل غير المناسب في المكان المناسب بسبب غياب الرؤية التي أشرنا إليها سلفا، وأن السيد القائد العام للقوات المسلحة يعتمد على تقارير منقوصة يتم فيها تقييم الأداء بصورة تخدم مصالح الطبقة الفاسدة في القوات المسلحة. من دون أن يكون له دور ميداني في زيارة القطعات، والوقوف على إحتياجاتها الحقيقية، وتجاوز حاجز التضليل.
-6 إعتماد القائد العام على حصر قراراته ضمن نطاق ضيق من المستشارين الذين قد لا تجد لديهم المؤهلات الكافية لإحتواء الأزمة، هذا فضلا عن عدم صلاحيات بعضهم للمشورة .7. محاربة كل قائد عسكري ناجح، مخلص لوطنه، وعدم تمرير طلباته التي تمده بالنجاح النهائي، من قبل الدائرة المحيطة بالقائد العام، خوفا على مواقعهم التي تدر لهم الأموال والهبات وقطع الأراضي في أجمل مواقع بغداد الحبيبة. لذا فإن معظم قادة الجيش المخلصين فقدوا حياتهم بطرق مختلفة.
وأصبحت أدوارهم منسية، إن لم تضاف إنجازاتهم لآخرين. إذ أن كل شيء أصبح واردا في هذه الأيام، حتى سرقة جهود الغير، فهي مباحة. ولاشك أن من كشف هذه الإخفاقات، وأيد ما ذهبنا إليه هو إرادة الحشد الشعبي المرابط على الحدود، الذي أسهم بشكل فاعل بعد عمليات التحرير في تقليل نشاط الإرهابيين على الحدود العراقية في شمال وغرب العراق. وبالتالي قطع الإمدادات عليهم، وجفف منابع قوتهم. يضاف إلى ذلك أن السيد وزير الداخلية الحالي لديه رؤية متكاملة عن هذا الملف، لكونه كان يشغل منصب ر. أ. ج العراقي، وبعد تسلمه لمهامه في الوزارة، قام بتفعيل دور حرس الحدود من خلال الزيارات الميدانية، متجاوزا واسطة التقارير الأمنية التي يعمل بها قليلوا الخبرة في المجال العسكري. لذا أصبح واجبا وطنيا على تشكيلات الدولة المعنية بمتابعة الفساد الإداري والمالي أن تأخذ دورها في التحقيق المهني في هذا الملف، بعيدا عن شهوة الإرادات السياسية، وميولها في التنكيل بجهة على حساب جهة أخرى. لأن الخسائر البشرية التي تكبدها الشعب العراقي آنذاك بسبب الأعمال الإجرامية لا يمكن لها أن تذهب سدى، بسبب نوازع شخصية مريضة. أو مزايدات سياسية لا محل لها من الإعراب.























