معرض في لندن يضيء على موهبة (الرسام) فيكتور هوغو

بغداد‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬داخل‭ ‬ملعب‭ ‬في‭ ‬بغداد،‭ ‬تتعانق‭ ‬هتافات‭ ‬المشجعين‭ ‬مع‭ ‬أصوات‭ ‬الطبول‭ ‬والأبواق‭… ‬مشهد‭ ‬حماسي‭ ‬ليس‭ ‬مرتبطا‭ ‬بمباراة‭ ‬لكرة‭ ‬القدم،‭ ‬بل‭ ‬بمنافسة‭ ‬في‭ ‬لعبة‭ “‬محيبس‭”‬،‭ ‬وهو‭ ‬تقليد‭ ‬تراثي‭ ‬عمره‭ ‬قرون‭ ‬يضفي‭ ‬البهجة‭ ‬على‭ ‬أمسيات‭ ‬رمضان‭ ‬في‭ ‬العراق‭.‬

وتُعد‭ ‬المحيبس‭ ‬التي‭ ‬تستهوي‭ ‬خصوصا‭ ‬سكان‭ ‬العاصمة‭ ‬بغداد،‭ ‬منذ‭ ‬العهد‭ ‬العثماني‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬التقاليد‭ ‬التراثية‭ ‬الشعبية‭ ‬خلال‭ ‬أيام‭ ‬شهر‭ ‬الصوم‭ ‬لدى‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬وتتواجه‭ ‬فيها‭ ‬فرق‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬مدن‭ ‬البلاد‭ ‬ومناطقها‭.‬

واسم‭ ‬اللعبة‭ ‬تصغير‭ ‬لكلمة‭ ‬المحبس،‭ ‬أي‭ ‬الخاتم‭ ‬الذي‭ ‬تدور‭ ‬حوله‭ ‬تفاصيل‭ ‬المنافسات،‭ ‬إذ‭ ‬تنص‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة‭ ‬على‭ ‬فوز‭ ‬الفريق‭ ‬الذي‭ ‬ينجح‭ ‬لأطول‭ ‬وقت‭ ‬في‭ ‬منع‭ ‬لاعبي‭ ‬الخصم‭ ‬من‭ ‬اكتشاف‭ ‬اللاعب‭ ‬الذي‭ ‬يخفي‭ ‬المحبس‭ ‬داخل‭ ‬يده،‭ ‬بالاعتماد‭ ‬خصوصا‭ ‬على‭ ‬الخبرة‭ ‬وقدرات‭ ‬الفراسة‭.‬

ويقول‭ ‬رئيس‭ ‬اتحاد‭ ‬المحيبس‭ ‬جاسم‭ ‬الأسود‭ (‬71‭ ‬عاما‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬اللاعبين‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ “‬انها‭ ‬لعبة‭ ‬تراثية،‭ ‬لعبة‭ ‬اجدادنا‭ ‬التي‭ ‬توحد‭ ‬كل‭ ‬العراقيين‭”.‬

خلال‭ ‬إحدى‭ ‬أمسيات‭ ‬شهر‭ ‬رمضان،‭ ‬يتجمهر‭ ‬حوالى‭ ‬500‭ ‬لاعب‭ ‬ومشجع‭ ‬على‭ ‬مقاعد‭ ‬ملعب‭ ‬رياضي‭ ‬مكشوف‭ ‬وسط‭ ‬بغداد‭ ‬يستضيف‭ ‬لعبتين،‭ ‬إحداهما‭ ‬بين‭ ‬فريق‭ ‬من‭ ‬الكاظمية‭ ‬ببغداد‭ ‬وآخر‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬الناصرية‭ (‬جنوب‭)‬،‭ ‬والثانية‭ ‬بين‭ ‬البصرة‭ (‬جنوب‭) ‬وحي‭ ‬المشتل‭ ‬ببغداد‭.‬

وقبل‭ ‬انطلاق‭ ‬المنافسات،‭ ‬يتجمع‭ ‬اعضاء‭ ‬فريق‭ ‬منهما‭ ‬يضم‭ ‬45‭ ‬لاعبا‭ ‬خلف‭ ‬ستارة‭ ‬لإخفاء‭ ‬خطوات‭ ‬اختيار‭ ‬اللاعب‭ ‬الذي‭ ‬سيحمل‭ “‬المحبس‭”.‬

ويجلس‭ ‬اللاعبون‭ ‬بعدها‭ ‬في‭ ‬صفوف،‭ ‬أغلبهم‭ ‬على‭ ‬الارض‭ ‬وآخرون‭ ‬على‭ ‬كراس،‭ ‬مغلقين‭ ‬قبضاتهم،‭ ‬ويراقبون‭ ‬بحرص‭ ‬شديد‭ ‬رئيس‭ ‬الفريق‭ ‬الخصم‭ ‬الذي‭ ‬يتقدم‭ ‬لتفقد‭ ‬اللاعبين‭ ‬الواحد‭ ‬تلو‭ ‬الاخر،‭ ‬في‭ ‬مهمة‭ ‬ترمي‭ ‬لتحديد‭ ‬حامل‭ ‬المحبس‭ ‬خلال‭ ‬عشر‭ ‬دقائق‭ ‬فقط‭.‬

وإذا‭ ‬فشل‭ ‬في‭ ‬إيجاد‭ ‬المحبس،‭ ‬يحصل‭ ‬الفريق‭ ‬الأخر‭ ‬على‭ ‬نقطة‭.‬

في‭ ‬هذه‭ ‬الاثناء،‭ ‬تعلو‭ ‬اصوات‭ ‬قرع‭ ‬الطبول‭ ‬وإطلاق‭ ‬الأبواق‭ ‬لتختلط‭ ‬بهتافات‭ ‬المشجعين‭ ‬الآتين‭ ‬من‭ ‬البعيد‭ ‬لدعم‭ ‬فريقهم‭. ‬بين‭ ‬أبرز‭ ‬اللاعبين‭ ‬المشاركين‭ ‬في‭ ‬المنافسات،‭ ‬رئيس‭ ‬فريق‭ ‬الكاظمية‭ ‬باقر‭ ‬الكاظمي‭ (‬51‭ ‬عاما‭) ‬الذي‭ ‬تعلم‭ ‬اللعبة‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬والده‭ ‬منذ‭ ‬كان‭ ‬عمره‭ ‬11‭ ‬عاما‭. ‬ويقول‭ ‬الكاظمي‭ ‬الذي‭ ‬يرتدي‭ ‬دشداشة‭ ‬تقليدية‭ ‬سوداء،‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬إن‭ “‬العراقيين‭ ‬يحبون‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬شيء،‭ ‬لكن‭ ‬المحيبس‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬المرتبة‭ ‬الثانبة‭”‬،‭ ‬مضيفا‭ “‬انها‭ ‬في‭ ‬دمنا‭”.‬

وفي‭ ‬بلد‭ ‬أنهكته‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الصراعات،‭ ‬تراجعت‭ ‬ممارسة‭ ‬هذه‭ ‬اللعبة‭ ‬خلال‭ ‬سنين‭ ‬العنف‭ ‬الطائفي‭ ‬التي‭ ‬بلغت‭ ‬ذروتها‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2006‭ ‬و‭ ‬2008‭ ‬وتخللتها‭ ‬هجمات‭ ‬انتحارية‭ ‬و‭ ‬عمليات‭ ‬اختطاف‭. ‬لكن‭ ‬اللعبة‭ ‬حافظت‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬وجودها،‭ ‬و‭”‬رغم‭ ‬العنف‭ ‬الطائفي،‭ ‬كنا‭ ‬نلعب‭ ‬في‭ ‬المقاهي‭”‬،‭ ‬وفق‭ ‬الكاظمي‭ ‬الذي‭ ‬يوضح‭ ‬أن‭ ‬جائحة‭ ‬كوفيد‭ ‬وحدها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬أجبرت‭ ‬لاعبي‭ ‬المحيبس‭ ‬على‭ ‬التوقف‭ ‬عن‭ ‬ممارسة‭ ‬هوايتهم‭.‬

ويستذكر‭ ‬مباراة‭ ‬خاضها‭ ‬فريقه‭ ‬الكاظمية،‭ ‬ذات‭ ‬الأغلبية‭ ‬الشيعية،‭ ‬مع‭ ‬الأعظمية،‭ ‬ذات‭ ‬الغالبية‭ ‬السنية،‭ ‬فوق‭ ‬جسر‭ ‬يربط‭ ‬المنطقتين‭ ‬اللتين‭ ‬فقدتا‭ ‬لحد‭ ‬كبير‭ ‬التواصل‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بينها‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭.‬

ويقول‭ ‬بفخر‭ “‬اجتمعنا‭ ‬سنة‭ ‬وشيعة‭ ‬ولعبنا‭ ‬فوق‭ ‬الجسر‭”. ‬ويوضح‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬الشعبي‭ ‬العراقي‭ ‬عادل‭ ‬العرداوي،‭ ‬رئيس‭ ‬صحيفة‭ “‬صوت‭ ‬العراق‭” ‬المحلية‭ ‬التابعة‭ ‬لأمانة‭ ‬بغداد،‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬أن‭ ‬لعبة‭ ‬المحيبس‭ ‬الرمضانية‭ ‬يعود‭ ‬تاريخ‭ ‬ممارستها‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬الى‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر،‭ ‬خلال‭ ‬الاحتلال‭ ‬العثماني‭ ‬للعراق‭. ‬ويلفت‭ ‬العرداوي‭ ‬إلى‭ “‬التقاليد‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المهمة‭ ‬لهذه‭ ‬اللعبة‭ ‬كونها‭ ‬تساهم‭ ‬عند‭ ‬إقامتها‭ ‬بين‭ ‬منطقة‭ ‬واخرى‭ ‬في‭ ‬طي‭ ‬أي‭ ‬خلافات‭ ‬أو‭ ‬نزاعات‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬وجودها‭”.‬

بدوره،‭ ‬يستذكر‭ ‬أحمد‭ ‬المعلا‭ (‬30‭ ‬عاما‭) ‬رئيس‭ ‬فريق‭ ‬البصرة،‭ ‬إحدى‭ ‬المنافسات‭ ‬مع‭ ‬أحد‭ ‬فرق‭ ‬بغداد،‭ ‬والتي‭ ‬أستمرت‭ ‬طوال‭ ‬الليل‭.‬

ويشير‭ ‬هذا‭ ‬الشاب‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬تعلّم‭ ‬اللعبة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ممارستها‭ “‬مع‭ ‬الأصدقاء‭ ‬والعائلة‭”‬،‭ ‬مضيفا‭ “‬المحيبس‭ ‬سيخلدها‭ ‬التاريخ‭ ‬لجماهيرها‭ ‬الكبيرة‭ ‬من‭ ‬عموم‭ ‬العراق‭”.‬

ويقول‭ ‬أبو‭ ‬الحسن‭ ‬الوجاني‭ (‬27‭ ‬عاما‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬أقدم‭ ‬لاعب‭ ‬في‭ ‬فريق‭ ‬الناصرية‭ ‬ويلعب‭ ‬المحيبس‭ ‬منذ‭ ‬15‭ ‬عاما،‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬إن‭ ‬المحيبس‭ “‬لعبتنا‭ ‬التراثية‭ ‬التي‭ ‬سنحافظ‭ ‬عليها‭”. ‬ويبدي‭ ‬مدير‭ ‬قسم‭ ‬الأنشطة‭ ‬الرياضية‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬الشباب‭ ‬والرياضة‭ ‬نجم‭ ‬عبد‭ ‬مطشر‭ ‬طموحه‭ ‬بأن‭ ‬يتمكن‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬نشر‭ ‬اللعبة‭ “‬عربيا‭ ‬ثم‭ ‬عالميا‭”.‬

وبسبب‭ ‬الولع‭ ‬الكبير‭ ‬بهذه‭ ‬اللعبة،‭ ‬تحدثُ‭ ‬احيانا‭ ‬خلافات‭ ‬حادة‭ ‬تصل‭ ‬الى‭ ‬حد‭ ‬الضرب‭.‬

ويشارك‭ ‬نحو‭ ‬400‭ ‬فريق‭ ‬في‭ ‬عموم‭ ‬محافظات‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬منافسات‭ ‬تسبق‭ ‬التصفيات‭ ‬النهائية‭ ‬التي‭ ‬يخوض‭ ‬منافستها‭ ‬النهائية‭ ‬40‭ ‬فريقا،‭ ‬عشرة‭ ‬من‭ ‬بغداد‭ ‬والبقية‭ ‬من‭ ‬سائر‭ ‬محافظات‭ ‬البلاد‭.‬

ويقول‭ ‬جاسم‭ ‬الأسود‭ ‬إنها‭ ‬لعبة‭ “‬تُلعب‭ ‬منذ‭ ‬300‭ ‬أو‭ ‬400‭” ‬سنة،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أنها‭ ‬عائدة‭ ‬للعهد‭ ‬العثماني‭ ‬و‭”‬تضم‭ ‬كلمات‭ ‬من‭ (‬اللغة‭) ‬التركية‭”.‬

ويعرب‭ ‬عن‭ ‬أمله‭ ‬بأن‭ “‬ينقل‭ ‬العراقيون‭ ‬اللعبة‭ ‬الى‭ ‬العالم‭ ‬كما‭ ‬نقلت‭ ‬البرازيل‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭”.‬