مصابيح الأرض ومصابيح السماء

مصابيح الأرض ومصابيح السماء

طلال شاهين

الموصل

عندما تستقل الحافلة ليلا متنقلا بين المدن والقرى التركية التي تتناثر على سفوح الجبال يخيل إليك أن مصابيح المدن المتلألأة تتلاقى مع مصابيح  السماء في مشهد رائع يصعب عليك التمييز فيه من بعيد بين مصابيح الأرض ومصابيح السماء  ، خاصة في ليالي الصيف الصافية .هذا هو الليل على الطرق التركية ، فإذا تجلى النهار فإنك ترى الأرض مفروشة بالسجاد الأخضر ، والحقول مليئة بالعوائل التركية، فهذه العائلة تزرع ، وتلك تحصد الحنطة أو الشعير ، والأخرى تجني الفاكهة وتضعها في الصناديق ، عمل دؤوب وسواعد لاتعرف الكلل .وعلى الرغم مما تمتلكه تركيا من الثروة الحيوانية الهائلة نادرا ما تجد المواشي على الطرق الدولية التي تحاذي الحقول فمكانها الحضائر المسيجة التي تمنعها من التحرك ( في بلادنا المواشي تصول وتجول في المناطق السكنية وتهاجم حدائق المنازل وتخلف الفضلات والذباب ) .وفي آواخر مايس عندما تقل الأمطار وحقول الحنطة والشعير لاتزال بحاجة إلى الماء فإن المرشات الصناعية تتكفل بالسقي ، فهم لايتركون الزروع بحاجة إلى الماء ويقولون (خليها على الله ) . وكما يندر وجود المواشي على الطرق العامة ينعدم وجود البعوض في المناطق الزراعية وفي المدن القريبة منها على الرغم من كثرة المياه والمزروعات ، وتزخر الطرق الدولية بالعلامات المرورية التي تشير إلى أسماء المدن والقرى والمسافة بالكيلومترات والمخاطر والمنحنيات القادمة (وهذه العلامات في بلادنا بدأت تختفي من الطرق الخارجية ، وذات مرة رأيت علامة صغيرة بيد عامل مقهى أتخذها صينية لتقديم الشاي عليها ) ،  ولايوجد كما في بلادنا قرى مبنية من الطين أو من التنك بل أنها مبنية بمواد البناء الحديثة ، فكل قرية يتوسطها جامع صغير جميل يجاوره مصنع صغير يصنع المواد الزراعية وفي الطرف لبعيد من القرية مقابر الأحبة الذين رحلوا وهي مقابر نظيفة ومسيجة وتزهو بالورود .فإذا دخلت بك الحافلة إحدى المدن الكبيرة فإنك لاتجد شارعا مخربا أو شارعا فيه عثرات طبيعية أو اصطناعية أو شارعا مقطوعا بالتراب الوسخ أوبالبلوك ، وعلى الرغم من أن تركيا ليست دولة نفطية فإن شوارعها الرئيسية والخلفية وحتى الشوارع المؤدية إلى القرى والقصبات كلها مبلطة إما بالإسفلت أو بالأحجار ، وعندما نتكلم عن الشوارع ينبغي أن نتكلم عن ساحات وقوف السيارات ، فهذه الساحات قليلة في المدن التركية لذلك يلجأ الناس إلى ركن سياراتهم بمحاذاة الرصيف فلا يسألون عن سبب وقوفهم في الشارع ولا يأخذون السنوية ولا يقلعون الرقم ويأخذونه …الخ وعندما نجول في الشوارع لانجد اسما عربيا على واجهة مقهى أو كازينو أو كافتيريا أو أي مكان آخر بينما تشيع في شوارعنا الأسماء الأعجمية وخاصة التركية مثل : ( مقهى استانبول أو كازينو أنقرة ….) ومن الطريف أن كل مدينة قديمة بني إلى جانبها مدينة حديثة قوامها العمارات السكنية ، فالسكن العمودي وفر السكن للمواطنين فلا أزمة سكن ، وفي شوارع المدن التركية تجد أراض متروكة غير مسيجة تعود إلى مديرية الآثار يضفي عليها الثيل خضرة بديعة وتتناثر عليها المقاعد التي يجلس عليها المسنون ، أقول: هذه القطع لو رآها العراقي لرشحها موقعا ممتازا لرمي الأوساخ ، وأود أن اذكر هنا أنه يصعب على الأجنبي أن يجد صيدلية لشراء حبة براسيتول فيظل يمشي ويسأل إلى أن يعثر عليها ، فتساءل صاحبي : لماذا لاتوجد صيدليات متجاورة (كما في بلادنا ) بحيث توجد صيدلية بين كل صيدليتن ؟  فأجبته بخبث : إما أنهم لايمرضون فلا يحتاجون إلى الدواء وإما أن الدولة توفر لهم كفايتهم من الأدوية في المؤسسات الصحية الرسمية والاحتمال الثاني هو الأصح ، وما دمنا نتكلم عن الصيدليات دعونا نتكلم عن بعض المؤسسات الصحية التركية قليلا : فمنذ اليوم الأول من وجودنا في الفندق لم تكف سيارات الإسعاف عن أصواتها المزعجة ليلا ونهارا ، فقال صاحبي : لقد هربنا من هذه الأصوات التي ترسلها سيارات الجيش والشرطة إضافة إلى سيارات الإسعاف لنرتاح قليلا فهل لحقتنا إلى هنا ؟ وعندما سألنا عامل الفندق اكتشفنا السر وهو وجود مستشفى حكومي قريب من الفندق ، حقا إن صوت الإسعاف بشع لاتستسيغه الأذن فكيف يسمعه العراقيون ليل نهار من سيارات الجيش والشرطة والدفاع المدني والإسعاف صباحا ومساءا ولايفوتنا أن نذكر بأن عربات المترو الجميلة تقطع بعض المدن التركية من أولها إلى آخرها بأجر زهيد لايتجاوز  الـ (500 الف دينار ) فيرى الراكب المدينة بكاملها ويرى الأسواق والبحر والبلاج ونفسه آمنة مطمئنة ، وتركيا مترامية الأطراف إلى درجة أن الطقس يختلف من محافظة إلى أخرى فمدينة أرضروم الواقعة في الشرق تكون باردة في الصيف بينما مدينة مرسين حارة رطبة صيفا وتضم تركيا 81 محافظة يتمتع محافظوها بقدرات إدارية عالية ، فالمحافظ لايعين على أساس إنتمائه الحزبي أو الطائفي بل على أساس مايمتلكه من قدرات إدارية ، وقد تبين لنا أن لكل محافظ سياسته وطريقته في إدارة المحافظة إلا أن جميعهم يضعون النظافة والأمور الصحية في دائرة اهتمامهم غير أن بعضهم ينفرد ويتميز باتجاهات معينة ، فهناك المحافظ الفنان الذي تزخر شوارع مدينته بالنصب والتماثيل ودور العرض كما في مدينة انطاليا ، وهناك محافظ يهتم بالسياحة خاصة إذا كانت مدينته تقع على البحر فيرعى البلاجات وأماكن اللهو البريء كما في مدينة مرسين ، وهناك المحافظ المتدين الذي يهتم بالجوامع ودور العبادة كما في مدينة قونيا ، وهناك محافظ همه التجارة والأسواق التجارية كما في مدينة غازي عين تاب ….الخ وهناك ملاحظات أخرى لايتسع المجال لذكرها سنعود إليها مرة أخرى.