مجلس التعاون الخليجي.. قراءة في محاضرة أسيري

مجلس التعاون الخليجي.. قراءة في محاضرة أسيري خالد عمر بن ققه من خلال تراجع في العمل الوحدوي العربي المشترك على الأساس القومي، بما في ذلك المؤسسي ضمن النشاط الموسمي أو الدائم لجامعة الدول العربية، وأيضا في زمن تتآكل فيه الدولة القطرية العربية أو تبحث فيه عن صيغة للتعايش مع المستجدات والحوادث ولو بدرجة دنيا من البقاء الشكلي، وأيضا في ظل فشل اتحادات عربية أقليمية هنا وهناك، ناهيك عن قيام تحالفات بين بعض الدول العربية وغيرها لمصالح تتعلق ببقاء الأنظمة أكثر من حاجة الدولة للحماية.. في ظل هذا وغيره، يبدو مجلس التعاون لدول الخليج العربية بعد 33 عاما من تأسيسه التنظيم الوحدوي العربي الوحيد ـ حتى لو كانت مواقف بعض من دوله شكلية أو متناقضة مع الأهداف المصيرية للأمة أحيانا ـــ القادر عن البقاء والمرجع الأساس للعمل الوحدي لقد مثّل لأكثر من ثلاثة عقود خلت، ولايزال، المنظمة العربية ــ إن جاز التعبيرـ الأكثر استمرارا وديمومة في عصرنا الحديث، بل إنه الأهم في تاريخنا منذ سقوظ الحلافة الإسلامية، ولهذا أرى أن وجوده اليوم في حياتنا السياسية ــ على الرغم من الخلافات القائمة بين أعضائه في الوقت الراهن ــ يمثل حالاً من التفاؤل بالمستقبل. النظرة السابقة قد تحمل نوعا من التعاطف أو الخوف من المصير المجهول لمجلس التعاون على غرار ما آلت إليه الاتحادات العربية الإقلمية بدءا بين التجربة الوحدية بين مصر وسوريا في عام 1958، التي انتهت إلى الفشل بعد ثلاث سنوات من قيامها، وليس انتهاء باتحاد المغرب العربي الذي لم يجتمع قادته منذ العام 1994، لكن الباحث الخليجي عبد الرضا أسيري عميد كلية العلوم الاجتماعية بجامعة الكويت له رأي آخر، حيث يقيم التجربة الوحدوية الخليجية يرؤية علمية كما جاء في محاضرة نظمها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الستراتيجية في الرابع من حزيران الجاري بأبوظبي تحت عنوان: مجلس التعاون لدول الخليج العربية بعد 33 عاماً: بين التفاؤل والتشاؤم. الإمارات.. قصة نجاح في البداية تحدث أسيري عن خلفية نشأة مجلس التعاون لدول الخليج العربية قبل 33 عاماً، فقال: إن فكرة تأسيس هذا الكيان الوحدوي الخليجي جاءت بعد أن نجحت القيادة الحكيمة لدولة الإمارات العربية المتحدة في دمج سبع إمارات متفرقة في كيان موحد هو دولة الإمارات العربية المتحدة، لتمثل اليوم أرقى قصة نجاح في التاريخ المعاصر من حيث النهضة والتقدم والازدهار، فضلاً عما حققته من أعلى معدلات نمو في الناتج المحلي بين بلدان العالـم. وذكر أسيري أن هناك عوامل سرعَّت في تشكيل مجلس التعاون لدول الخليج العربية، منها: نجاح الثورة الإيرانية عام 1979، وصخب شعاراتها الثورية لجهة تصديرها إلى العالم كله، والغزو السوفييتي الشيوعي لأفغانستان عام 1979، واندلاع الحرب العراقية ــــ الإيرانية المدمرة في ايلول 1980، وبروز التصدع الطائفي بشكلٍ أنذر بخطرٍ ماحق على كيانات هذه المجتمعات، والأوضاع المتوترة على الحدود بين عمان واليمن الجنوبي نتيجة انعكاسات ثورة ظفار ومحاولات تمدد الشيوعية من خلال بوابة جنوب الجزيرة العربية.وعلى الرغم ما تواجهه المنطقة العربية ـ ودول الخليج جزء منها ـ من حوادث، فإن أسيري يرى أن لدول مجلس التعاون قضايا ملحة، عليها التحرك بشأنها، تتمثل في تفعيل الدور الاستشاري للمجلس لكي يضم فعاليات فكرية وسياسية واقتصادية قادرة على رفد مجلس التعاون لدول الخليج العربية بالدراسات والمشاريع والأفكار، ويكون بداية لبرلمان خليجي موحد، وأن يكون للمجلس دور تكاملي في مسائل أمن الطاقة والطاقة المتجددة والبديلة، ولاسيما في ظل التنافس الدولي في إنتاج وتصدير النفط والغاز وعدم الاعتماد على نفط الدول الخليجية. قوة ناعمة وفي إطار ما يمكن أن نطلق عليه القوة الناعـــــمة المستقبلية لمجلس التعــــــــــاون لدول الخليج العربي، يطــــرح أسيري مايـــلي: أولا ـ ضرورة إنشاء مركز خليجي موحد للدراسات السياسية والستراتيجية والاقتصادية والأمنية وأمن الطاقة لتقديم الدراسات والتوصيات لصانعي القرار السياسي في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، على غرار مركز الإمارات للدراسات والبحوث الستراتيجية، الذي حقق انجازات معرفية إماراتية وخليجية وعربية وعالمية. ثانيا ــــ تشجيع إقامة منتدى الخليج، ليضم كتاباً ومفكرين وإعلاميين ورجال دولة من مجموعة يمكن تسميتها (6+3)، وهي دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ودول الجوار (اليمن، والأردن، وإيران)، وذلك بتشجيع رسمي يهدف إلى تضييق فجوة الخلافات وتقريب وجهات النظر ومناقشة المواضيع ذات الاهتمـــام المشترك. هنا نطرح السؤال: لماذا لا تضم هذه المجموعة العراق بحيث تكون (6 +4)؟، أم أن العراق بعد حوادثه الأخيرة لم يعد من دول الجوار؟.. نسيت أن أتوجه بهذا السؤال لأسيري أثتاء المحاضرة، وهو الذي أبدى تجاوبا مع أسئلة الحاضرين، بما فيها تلك التي تبدو محظورة او مزعجة في طرحها وفي إجابتها أيضا. ثالثا ــ ضرورة إنشاء خط خليجي ساخن بشكل فعال وسريع مع مستجدات الأحداث والقضايا الساخنة في المنطقة على أعلى المستويات. رابعا ـــ إقامة ميثاق الخليج على غرار ميثاق هلسنكي بين دول منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية ودول الإقليم المجاورة لإعلان مبادئ تتفق عليها هذه الدول كمنطلق لبناء النظام الإقليمي الخليجي، الذي يقوم على تنظيم العلاقات بين هذه الدول على أساس التعاون السلمي الإيجابي. خامسا ــ دراسة كيفية التعامل مع موضوع الأمن الخليجي من خلال تبني نظرية الدمج، وليس من خلال المواجهة أو العزل،كهدف بعيد المدى لضم دول الجوار في تشكيل تفاهمات وترتيبات أمنية ــــ عسكرية مشتركة. وإذا كان أسيري قد انتهى إلى القول: إن هدف تشكيل الدولة الواحدة قد يُعتبر بعيد المنال أو شبه مستحيل، لكن تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة الناجحة في تشكيل كيان جديد من 7 وحدات سياسية (إمارات) تشجعنا أكثر فأكثر على الإصرار على بناء الكيان السياسي الموحد، ولو بعد حين، فإني أرى أن مجلس التعاون ليس مطلوبا منه الانصهر في كيان واحد لأننا لا نجد ذلك في مرجعيته التأسيسية، ولا في أدبياته السياسية، ولا شك أنه مُهما من ناحية قوته الاقتصادية لكن الأهم له في المستقبل هو القوة العسكرية الذاتية بعيدا عن التحالفات الدولية المتغيرة طبقا لحاجة ومصالح الدول الكبرى وقراءتها للمستقبل، وأيضا أت يعمق من قوته الناعمة عربيا ودوليا، تلك القوة التي تبدو آخذة في التطور يوما بعد يوم.