
متعة بيع السجاد لحنون مجيد
شعريّة التشكيل السردي
فاضل عبود التميمي
تسعى هذه المقالة إلى أن تقرأ قصّة الكاتب حنون مجيد: متعة بيع السجاد التي جعلها إحدى نصوص مجموعته لحظة شبّاك الصادرة عن دار فضاءات عمّان: 2013 م بمنهجيّة تحليليّة تأويلية تتقصّى شعريّة التشكيل السردي، بهدف الكشف عن الدلالات السرديّة السابحة في فضاء السوق المكان الذي يعمل على تلبية حاجات الناس، ويسهم في كشف ثقافاتهم، فضلا عن إظهاره الجماليّة النفسيّة التي تنبثق عن كينونته لتحقّق لحظة الإمتاع التي يصنعها النظر الدائم، واستحضار الأحلام.
إنّ التشكيلَ السرديَّ القصصيَّ الذي ينطلق عادة من حيّز تعالق اللغة مع الأفكار المخيّلة، والهواجس، والشجون ولاسيّما تلك التي تُظهر درجات التوتر الاجتماعي، النفسي على سطح العلاقات المختلفة مصحوبة بالانفعال الأدبي هو شبكة تامّة من العناصر البنائيّة المتداخلة التي تمنح النصّ هويّته الموّارة بالإيجاز، والتشفير، والشعريّة التي تقود إلى نمط من الإبداع الاختلافي الذي يتساوق مع الوجود راصدا نتوءات الحياة، ومجالات تداخلها الإنساني، ومقدار اختلافها وانسجامها مع ما يحيطها، أي أنّه تمثيل دقيق لفكرة الوجود المتداخل وهموم الإنسان، وتطلّعاته، وإنْ لم يغادر ظلال الفن، والقيم الجميلة تلك التي تعمل على تقديم النصّ تقديما تداوليّا يتجاوز في دلالاته الأدبيّة حدود الجغرافية، والطبائع اللسانيّة للثقافات المحليّة، والوطنيّة إلى ما هو كوني يتّسع لهموم الإنسان.
والتشكيل السردي القصصي بشكل عام يهدف إلى إعادة تنظيم الحياة على وفق مبادئ الفن وآليات الصوغ الإبداعي، فهو إمّا أن يعيد تمثيل ما مُثّل على مسرح الحياة، أو يقترح تمثيلا جديدا ينسجم مع ما في الحياة من جماليّات يتمّ استنطاقها بالارتداد إلى المخيّلة، وتشغيل عناصرها القابضة على حسّاسيّة التخيّل وهي تلتقط عبر مجسّات متعدّدة ما يرغب القاص في تمثيله حبّا للحياة ،أو كرها لإشكالاتها ،أو نقدا لمؤسّساتها على وفق ما هو متاح من حريّة تخيّليّة تأخذ برقاب الكلمات نحو مجازيّة التعبير ضمن ما يسمى بالممارسة الإبداعيّة التي تتبنّى التلاعب بجملة من عناصر اللغة والحياة، وهدفها في النهاية صياغة عالم متخيّل لا يخلو من الإدهاش، والسحر والتأثير، هو عالم النصّ القصصيّ هنا.
النوازع الانسانية
رصدت قصّة متعة بيع السجاد النوازع الإنسانيّة التي تجري وتائر تمظهراتها على وفق ما هو معلن في مشهد يسمح للعين السرديّة المتلصّصة أن ترصد تشكّلات مؤسّسة اقتصاديّة تجري وقائع سرديّاتها الصغرى على السطح المعلن من يومياتها، وهي تنفتح على مجريات الحياة المتعلّقة بالعواطف، والمحن، وما يجري بينهما من حوارات، وتأملّات، وإشكالات تسحبها خيول البهجة أو عيون الخذلان، فالسوق كان قد وقع تحت سلطة إبداع القصّة وهي تمارس قراءة الحياة من زاوية ما هو يومي معيش لكنّه مفعم بالجمال، والبهجة الموّارة في القلوب، وقد أدركت أنّ السوق بوصفه عالما واقعيّا يتحكّم في رغبات الناس، وحاجاتهم التي تظهر للعيان، أو تختفي في الغاطس اليومي للزمن، فضلا عن ادراكها أنّه يتحكّم في الكثير من متع الحياة، وأساليب العيش، وعلاقات الاقتصاد المبنيّة على المساومة والأكاذيب المنمّقة ،واصطناع القناعات، والصدق المحفوف بالمحبّة أيضا.
أخذت القصّة صورة تشكيلها من مجريات الحياة اليوميّة للسوق وتلصّصت عليها، لتبني تصوّراتها النصيّة متزامنة مع مهارة التصوير القصصيّ الذي لاحق حركة بعض المتبضعين، وجمال تطلعاتهم البريئة في إشاعة الحب، واصطناع الأفراح لترصد تحولاتهم النفسيّة وهم يمارسون الحياة من خلال متعة بيع السجاد وشرائه، فضلا عن أنّها لاحقت تفوهات التاجر، ودبلوماسيّته في التعامل المباشر مع الزبائن من خلال الحوار الذي كشف عن مهارة لسانيّة أتاحت للزبون أن يقع في شباك فخاخه التجاريّة:نحن هنا نشتري الناس فما قيمة السجاد بلا ناس؟.
نهض السوق في متن القصّة من خلال حمولة سرديّة ذات دلالات نابعة من المكان بوصفه مدلولا على حيوات، وجماليّات صغيرة تتعلّق بالثقافة العامّة للمجتمع، والنوازع الوطنيّة التي يحيل عليها تشكيله العام، فهو فاعل حقيقيّ في حياة ذاتين بينهما مسافة من الودّ ،والرغبات المشتركة: البائع ،والمشتري، فضلا عن أنّه -السوق- شاشة سرد تعرض في كلّ لحظة أنماطا من الحكي، والسرود الصغيرة ذوات الحبكات المنظّمة التي تصنعها أفواه المفاصل الحاكمة في اقتصاد الناس، أو العاملة فيه، أو المتبضّعة منه ،فهي نصوص الحياة الرابضة على طرف كلّ لسان يمرّ في هذا المكان بقصد، أو بسوء نيّة، أو يمرّ مرورا عابرا إلى أمكنة أخرى مجاورة.
انحازت القصّة في تشكيلها الدلالي إلى السوق وتركيبته الاجتماعيّة، وعلاقاته التي تسمح لمزيد من النظر الموازن، والإنصات إلى أعماق الرغبات الحبيسة، والظاهرة على وجوه الزبائن والبائعين:إنّ ثمة سحراً مغرياً هنا لا يمكن مقاومته، لا يكمن في قيمة السجّاد المعروض وحسب، إنما كذلك في متعة البيع والشراء، المساومة التي غالباً ما تكون لذيذة على شيء كالذهب الخالص يلازمك طول العمر اسمه السجاد، يملي عليك سعره، وسحره معاً أن تكون حصيفاً متفحصاً لتحسن اختيار ما تريد في الأخير، وهذا يعني أنّ السوق في القصّة تجاوز الإطار المعتاد للوظيفة الاقتصاديّة إلى وظيفة الإمتاع التي يحققها النظر في الموجودات، والتدقيق الخاص بالسؤالات، والجوابات، وتحبيذ العلاقات الإنسانيّة التي يندمج فيها المرء مع غيره، فالمتعة هنا تفعل في النفس ما لا تفعله مادّيات الحياة بما تمتلك الأولى من قوّة جمال وتخييل يسهمان في إشاعة المسرّة في القلوب، وتقريب البهجة من النفوس، فسوق القصّة ليس هيكلا من البناء الضاج بالحركة المجرّدة من الجمال، إنّما هو طبيعة منفتحة، وحركة دائبة، ومقدّمات حياة: شقت الشمس غيمتها الطارئة التي حجبتها لحظة وغمر ضوؤها السوق من جديد. حتى الآن لم يدخل السوق أحد سواه، وحده قائم على أرضه وكلّ بائع يتمنى حضوره ويأمل فيه. إذ بدأت الأشكال والألوان تتراءى وتتوهج أفضل ممّا كانت عليه من قبل، ولم ينقطع إلى خيار محدّد، مضى يردد ما سبق أن ردّده واحد قبله، إذا تعدّد الممكن صعب الاختيار، وتمنى لو أطلق اختياره، متغنياً هذه المرة بعبارة، ليس في الإمكان أحسن مما كان، وأنهى حيرته.
إنّ ترديد الرجل لمقولتين منبثقتين من ذاكرته الحافظة: الأولى إذا تعدّد الممكن صعب الاختيار التي قالها يوما الشاعر الأذربيجاني رسول حمزاتوف، والأخرى ليس في الإمكان أحسن مما كان التي صاغها أبو حامد الغزّالي استرجاع منغّم لحواريّتين بعثتا حبّ الحياة في نفسه فكان فيهما بطل حاله في قتل الحيرة، والتردّد، واتخاذ القرار الممتع الذي أحال على خصّيصة الخطاب المتناص وهو ينفتح على لغة السرد المتّسمة بحلول روح الشعر.
لقد قدّمت القصّة الدكان بوصفه أصغر وحدة مكانيّة في تشكيلة السوق بعيدا عن الرؤية الخاصّة بالأمكنة المعتادة إيمانا منها بفلسفة الحيّز الذي يضفي على الإنسان جمالا خاصّا هو جمال المكان الذي نصوغ منه أحلامنا دون أن ندري أنّها سنن الحياة المفضية إلى فلسفات أكبر:إنّ الدكاكين سجون على أصحابها لا يتحررون منها إلاّ عند البيع، وسجون على المشترين لا ينفذون منها إلاّ عند الشراء، لذلك كانت الصدور تطلق أعمق نفثاتها إذ يعم الطرفين فرحُ الشراء والبيع، فبين تحرّر البائع من سجنه الجميل عند البيع، وتحرّر المشتري القسري عند الشراء تكمن المتعة الكبرى التي بحث عنها القاص في سجلّ الحوارات الخاصّة، أو في شفاهيّات البيع والشراء، والمساومات التي غالباً ما تكون لذيذة كالذهب الخالص تلازم المشتري طوال العمر، وتعمل على تذكيره بمواقف تكاد أن تمحى من تاريخه الحياتي لولا سلسلة التذكّر التي يمارسها مع نفسه وهو يستعيد أصول لعبة البيع والشراء، ولكنّها تنسى عند الآخر: البائع في ظل تكرار عمليّات البيع التي يمارسها في كل حين.
وتقرأ القصّة فتجد الوصف قد امتلك قوّة تأثير في المتلقي وهو يقف عند التشكيل الجمالي للسجاد المعروض إذ عمل على تحويل المرئي إلى مقروء، وتلك وظيفته كما يقول عبد اللطيف محفوظ في كتابه وظيفة الوصف في الرواية ص21 بهدف الاتصال بالمتلقي، ووضعه في قلب الحدث والمكان من خلال الإحاطة بالجغرافيّة، وتفصيلاتها النفسيّة عندها يصبح -والكلام لمحفوظ أيضا-خطابا يسم كلّ ما هو موجود بالتحديد معطيا إيّاه التميّز الخاص، والتفرّد داخل نسق الموجودات المشابهة له، أو المختلفة عنه.
انسجام القصة
وللمتلقي أن يقف عند سجّادة كاشان كي يدرك مقدار انسجام القصّة مع ما هو مدرك من معروض السوق:أسرَعَ وفرَشَ سجادة ظهرت على سطحها اللدن شجرة فرعاء، ذات ساق أهيف يميل لونه إلى بني تتباين عليه في مواقع مختلفة، نسب كثافة الظلال، وبحسب مساقط الضوء، وحرية الفنان في إضفاء لمسات نبوغه على لوحته، وقد تسامقت فروعها غيداً من جذعها الأم نحو الأعلى، تنتشر فوقها ورود تنبض بالحيويّة يغلب عليها اللون الأحمر المشرق يزاحمه في مواضع متفرقة اللون الأبيض الخالص، ليملأ هذا كلّه صفحة السجادة، فلا يكاد يبين من خلفيتها إلا فراغات متفرقة قليلة زرق بلون زرقة السماء، وله –المتلقي- أن يتأمل سجّادة أخرى تعلن عن نفسها وصفا وقد أخذ بالوصفين:تنبع شجرتها من حيث لا مكان، لكن أفرعها تتسامى حتى تغيب في اللامحدود.
إنّ التشكيل العلامي للسجّادة التي بُرّزت من خلال شجرة ذات ساق أهيف استدعى اللون البني، والأحمر، والأبيض الخالص، قد كشف عن تخيّر جماليّ مارسه نصّ القصّة في ظل حضور لافت للضوء والظلمة، وقد تسامقت فروع الشجرة عاليا ليسهم –التشكيل- في احضار فنّ ذي شعريّة واضحة إلى نصّ القصّة آذنا بدخول التشكيلي في السردي في تضافر أسلوبيّ تستجيب له القصّة كما يستجيب الفن التشكيلي له، فقد تستعير القصّة بوصفها نصّا منفتحا بعض الأعمال التشكيليّة، أو تتعمّد استحضارها لتحقّق لنفسها تداخلا جماليّا يأخذ ما هو تشكيلي خالص إلى ما هو سردي منفتح، أي أنّ باستطاعة فنان الكلمات: القاص هنا أن يستعير بيسر صورا ،أو لوحات ثمّ يدخلها نصّ القصّة؛ لأنّ الألفاظ -وهي إشارات اصطلاحيّة -قادرة على أن تلمّ بكلّ شيء، وأن تتحدّث حديثها عن الوجوه الحيّة، ولا يجد القاص صعوبة في إيجاد التعابير اللفظية التي توحي بالصور إيحاء لا يعدو أن يكون مضمرا، ولكنّه يحيل على جمال ظاهر: ينظر: الفن والأدب: لويس هورتيك:، ترجمة بدر الدين قاسم الرفاعي، مديرية التأليف والترجمة، مطابع وزارة الثقافة، دمشق، ط1 د.ت ص 97..
وللوصف أن يقدّم شكل السجادة مقرونا بالحركة التي تحيل على سرد سابق ممهور بالشعريّة عند واحد من أشهر شعراء الشرق القديم :تراجع البائع قليلاً وسحب سجادة تتوسط صفحتها الخضراء صورة لعمر الخيام، يجلس جذلان في حديقة مزهرة على كرسي من خشب الساج ممدود مع ساقيه، ويقدم كأساً بين يديه لواحدة من مجموعة غزلان صفر يحففن به.
إنّ تداخل التشكيلي في السردي يضفي مضمونا جماليّا واضحا، ورمزيّة عالية على نصّ القصّة، فهو في إحالاته إلى أكثر من نصّ وفنّ يكشف عن تساوق دلالي يمضي ومضمون القصّة الذي لا يتقاطع مع تشكيل اللوحات الخاص ليشير بقوّة إلى تضافر الأنواع الأدبيّة والفنيّة في نسيج إبداعيّ لحمته اللغة وسداه اللون.
وكان لجمال اللغة السرديّة في تشكيلتها الإيجازيّة وهي تعاين جمال المرأة بمعيار الصوت الذي يحيل على نمط خاص من البهاء إسهامها في تقديم المسرود بطريقة شعريّة تحاول تعويض لحظة غياب الوجه:تعالت أصوات برز منها صوتٌ نسائي ذو غنة طروب يساوم بائعاً ليس قريباً منه، لكنه بدأ يلعب في محيط أذنيه،فقد رغبت القصّة في أن تقدّم السرد تقديما شعريّا مصدره جمال المرأة المتخيّلة، فضلا عن تقديمها أناقة الرجل بجمال اللغة نفسه:لم يشعر يوماً أنه كان متعجلاً على شيء على الرغم من أنّ بعض الأشياء تمرّ سريعاً وتختفي، وربما كانت مما يدخل في صميم حياة الناس، السعادات مثلاً! واصل سيره اللين متأملاً هنا ومتأملاً هناك، لباسه الرقيق يهفهف فوق نعليه اللامعين، ورفيقه التابع تهفهف نفسه معه كما لو تتسقط خطراته، فالرجل في القصّة مارس الشراء وهو في أعلى درجات الأناقة التي يتباهى فيها السوق، مع حضور ذكاء معياره قوة النظر: منذ أن دخل السوق ووقف هنا ووقف هناك لم تمتد يده إلى جسد سجادة ما. يجد أنّ نظرته بما امتلكت من حساسية ونفاذ هي معياره الأمثل إلى تحسس الأشياء، ونادراً ما خانته في حكم، وهذا ما صنع للرجل صورة محبّبة ليس في نصّ القصّة إنّما في فضاء تلقيها أيضا.
الرصد الفني
وإذ تبتكر القصّة تلصّصها السرديّ من زاوية الرصد الفنيّ الذي يتيح للمخيّلة أن تعثر على ضالتها الموضوعيّة التي تبحث عن المضمر، والمغيّب، والقابع تحت السطوح من العلاقات، والتفوهات، والتمظهرات التي لا تثير انتباه الآخرين، فلأنّ التلصّص نفسه يمنح فسحة اختيار الطرائد التي تتجمّع في عمود المخيّلة ليُقتنص الأبهى منها، أو الحائز على شروط التمثيل السردي على واجهة الابداع ، فالقصّة بملامستها اليوميّة لكلّ ما هو مهمّش وعابر، ويومي ،وأصيل تتّخذ موقفا راصدا تتملّى من خلاله تلك الحيوات لتكون لها مواقف تنتمي إلى حيّز الابداع من دون أن تفرّط بالمزايا الفنيّة.
من غاطس السوق، أو المغيب من تمظهراته برّزت القصّة واحدة من أجمل المفارقات القصصيّة التي بُنيت على ملاطفة رجل لامرأة بصوت نسائي ذي غنّة طروب، وعينين ساحرتين كادتا تمزقان قماش الخمار وهما تتنقلان بين البائع الصامت، وبينه وهو المأخوذ بالسحر الذي لم يرَ منه سوى العينيين، كانت المرأة تشتري السجاد من التاجر دون أن يعلم التاجر، والرجل أنها زوجة الأخير نفسه. قُدّر لقصة متعة بيع السجاد التي تنتمي إلى فضاء جمالي منظّم أن تعتمّد ثنائيّة الحضور: الغياب في سياقها: حضور الرجل حقيقة، وغياب المرأة مجازا، تنازل الرجل عن شراء السجادة، وشراء المرأة ذات الخمار السجادة نفسها، وبين الغياب والحضور تتشكّل مسافة شعورين مختلفين يتساوقان في نفسيّة الرجل والمرأة، كلّ على طريقته الخاصّة في تأويل الحدث، والانفتاح على دلالات طباقيّة يهمها تقديم الدلالة مقرونة بضدّها.
يرى جان كوهين أنّ التصوّر النفسي لمفهوم التضاد يعود إلى شعورين غريزيين مختلفين يوقظان الإحساس ،واحدٌ منهما هو الذي يستثمر نظام الإدراك في الوعي ،والثاني يظلّ في اللاوعيينظر: اللغة العليا النظريّة الشعريّة: جان كوهين: ترجمة وتقديم د. أحمد درويش: المجلس الأعلى للثقافة 1995 :187وهذا يعني أن الثنائيّات بما تملك من خاصيّة الجمع ،والتفريق بين صورتين أصلهما واحد لا يمكن الاستغناء عن أحداهن بسبب تعالقها الدلالي مع الثانية، وبالرجوع إلى مقولة: كوهين تظهر فاعليّة الثنائيّة في استثمار اللاوعي الذي تكون مهمّته ابداعيّة لها سلطة التأسيس لما هو غائب في الذهن لكي يكون حاضرا في اللغة ، وهو ما كان متجسّدا في عقل الرجل وهو يهمّ في اللحاق بالمرأة دون أن يدري أنّها زوجته. انفتحت لغة القصّة على جمع من الصور السرديّة ذات الأصل الطباقي الذي يتوافق دلاليّا مع حضور المرأة وغياب صورتها الحقيقيّة كما في: حضور الذكريات القديمة والطازجة في ذهنها في استهلال القصّة، و في لغة التشبيه التي رصدت المرأة وكأنها في فلاة، والرجل في بحر، و في وصف البضاعة المكدّسة ،والبضاعة المنشورة في أروقة السوق الطويلة، و في رصد القصّة لسلسلة الأوجاع، والمسرات التي تتراءى في مشهد السوق والحياة، و في حركة بعض الأشياء التي تمرّ وبعضها يختفي ، و في هنا، وهناك من مساحات التشكيل السردي، و في مسافات التشكيل المكاني بين باحة الحوش، وغرفة الضيوف، و بين أن تمرّ المرأة ، وتختفي دون أن تكون للرجل القدرة على رصدها، فالطباقيّة التي نحت منحا حضور المرأة وغيابها هيمنت على مفاصل سرد القصّة، لتتشظى على المداليل التي تتحكّم في مجرى السرد بوساطة التشكيل الضدّي الذي جعل من الصور الجزئيّة في تتابعها التشكيلي خطّا دلاليّا تتصاعد فيه وتائر الجذب لتهبط تبعا لدرجة التحسّس عند المتلقي ، فكأنّها والحال هذه تدوير للظاهرة المتقلّبة بين سالب الحياة وموجبها اللذين يعملان على الدفع نحو آفاق لا يعرف الإنسان كنهها.
























