

بهاء زهير أحمد القيسي
في الفيلم المصري ( زوجة رجل مهم)، المُنتَج عام 1988، يقدّم المؤلّف رؤوف توفيق والمخرج محمد خان شخصية المتسلّط الوهمي في إطار نفسي واجتماعي تشريحيّ دقيق، من خلال اختيار نموذج متكامل لهذه الشخصية. فهشام، الذي أدّى دوره الفنان أحمد زكي ويعمل ضابطًا في المباحث، يبدو من الوهلة الأولى شخصًا طيبًا ودودًا، وبهذه الصورة انخدعت فيه زوجته منى (ميرفت أمين).
إذ ظنّت منى أنّ زوجها رجلٌ طيب، لكنها تكتشف حقيقته بعد الزواج، إذ تراه غير سويّ، ذا شخصية قلقة، مجتهدًا في أساليب التسلّط التي تتطلّب التمثيل والخداع للتلاعب بالآخرين، ودائمًا ما كان يشير إلى مؤامرات خيالية ويتحدّث عن أعداء لا وجود لهم في الواقع. كما يظهر استغلاله للسلطة في عمله وتهديده للآخرين، وإساءته معاملة المحيطين به من أفراد أسرته وجيرانه.
وتُظهر مشاهد الفيلم كيف كان هشام يعامل زملاءه بقسوة، ويوبّخهم لتعاملهم بلطف مع الآخرين، مما يعكس مدى استبداده ورغبته الشديدة في السيطرة.
ومن منظور سايكولوجي، وبعين الباحث، نستطيع فهم ما يُعرف بـ”الشخص المتسلّط المزيّف” بقدرته على تقديم صورة عن نفسه تختلف تمامًا عن حقيقته الداخلية؛ فهو قادر على التلاعب بالحقائق وإخفاء نواياه البعيدة عن الصدق والنزاهة، وغالبًا ما يكون ماهرًا في التأقلم مع متطلبات البيئة المحيطة. وتجده دائمًا يغيّر سلوكه أو اهتماماته أو آرائه بشكل متكرر ليتناسب مع التوقعات من حوله، وقد يكون ذلك مؤشرًا على محاولة للتملّق أو للتلاعب بالانطباعات. ويُلاحظ هذا الانحياز السلوكي خصوصًا عندما لا تتماشى السمات الظاهرة مع السمات المعروفة للفرد، أو عندما تتغير بشكل كبير بين سياق وآخر.
كما نجد أن المتسلّط الوهمي قليل التواصل الإنساني، وقد تكون قلّة التواصل هذه إشارة إلى عدم الأمانة أو القلق أو عدم الاهتمام، فالتواصل يُعد جزءًا أساسيًا من الصدق والثقة والمشاركة. ومن المهم أن نفهم أن هذه الإشارات قد تختلف اختلافًا كبيرًا بين الأفراد والثقافات.
ويقول أستاذ علم النفس السريري ليس باروت إن مهووس السيطرة هو الشخص الذي «يهتم بالأمر أكثر منك، ولن يتوقف عند الانتهازية في سبيل الحصول على ما يريد».
ومن المهم الإشارة إلى وجود فرق دقيق بين المدير الذي يحب إنجاز المهام بشكل سليم ودقيق، وبين المسؤول المهووس بالسيطرة، الذي يتّبع غالبًا نمط الإدارة التسلطية.
وهناك مجموعة من المفاهيم التي تتجسّد فيها سلوكيات المتسلّط الوهمي، مثل: الاستئثار، والاستبداد، والبغي، والتجبّر، والتحكّم، والجور، والطغيان، والظلم، والتعسّف، والهيمنة؛ وهي سلوكيات تُفرض بالبطش وحده، فينوّع المتسلّط أدواته لبسط سيادته على التابعين المعتنقين لمنهج التسامح والسلام.
وفي حال كان المتسلّط هو القوة الفوقية على الجماهير، سواء أكان دخيلاً خارجيًا أم سلطة شمولية داخلية، فإنه يسعى لإخضاعهم معنويًا بالعنف الناعم غير الفيزيائي، والذي يبدو في كثير من الأحيان أشد أثرًا، لكونه يتغلغل في قناعات الإنسان ويحكم لا وعيه بدلًا منه.
وهناك أيضًا سلطة المثقّف، وهي من نوع آخر؛ ليست سلطة مادية، بل رمزية، أي سلطة الكلام والكتابة، وهي سلطة تُمارس على النفوس والعقول بواسطة المنتج الفكري المتمثل في الأفكار والمعارف أو في العقائد والطقوس. وهذه السلطة تؤدي إلى ردم الهوّة التي يخلّفها النموذج الأول من المتسلّط الواهم.
إن تسلّط المثقّف في هذا الموضع يحلّ في دور جميل بعيد عمّا سبق، حيث الإيمان بالنهضة الثقافية يسبق أي نهضة أخرى، مثل الاقتصادية أو الاجتماعية. والأديب، في النهاية، مثقف له موقف من التسلّط، ويحاول أن يمارس دوره في المجتمع الذي يعيش فيه. وهو بقدر ما يكون جادًا في ممارسة هذا الدور، وبقدر ما ينحاز للقيم النبيلة وينشد الوضع الأفضل لمجتمعه، يصنع تسلّطه الجميل الخاص.
























