كردستان إتجاهات الهوية المنفردة

كردستان إتجاهات الهوية المنفردة

الأمنيات تدحضها الوقائع

جاسم مراد

في اواسط القرن التاسع عشر تبلورت الحركة الوطنية الكردية المطالبة بهويتها المميزة ، وبالخصوص منهم أغوات الاكراد ، وكانت ثورة أحمد كاوه وماتبعه من شخصيات وطنية كردية خير دليل على كفاح تلك الحقبةالتاريخية المهمة . ويذكر حنا بطاطو في كتابه ( العراق الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني إلى قيام الجمهورية ) إن بروز الزعامات الدينية الكردية بالطرق الباطنية والصوفية مثل الشيخ محمود البرزنجي ، وكذلك  الشيخ أحمد شقيق الملا مصطفى قائد الثورة الكردية في الستينات من القرن الماضي تعبير عن الحاجة للهوية الكردية المنفردة ، وكان الشيخ محمود من ( دراويش ) الفادرية في السليمانية ومن اكبر ملاك الاراضي  للفترة من 1918وحتى العشرينات من القرن الماضي .

مشتركات وطنية

في العراق على غيره من الدول التي يتواجد فيها الشعب الكردي ، شكل النضال الشعبي  قواعد اساسية لمشتركات وطنية عربية كردية تمحور حول الاستقلال الوطني والحرية والديمقراطية وحق الشعب الكردي في تقرير المصير ضمن الدولة العراقية الواحدة ، وبالرغم من التجاذبات السياسية حول بعض المسائل إلا إن وحدة الكفاح العربي الكردي ضد الانظمة الشمولية لم تتوقف ، وكانت بعض الفصائل العروبية ، مثل الحركة الاشتراكية العربية بشقيها ، هاشم على محسن وعبد الاله النصراوي والتنظيمات الوحدوية والناصرية والتنظيمات الاسلامية الشيعية والشخصيات الاسلامية السنية ظلت على تواصل وتعاون مع الحركات الوطنية الكردية وفي مقدمتها الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة السيد جلال الطالباني كونه  متواصل العلاقة مع تلك التيارات والاحزاب في الستينات والسبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن الماضي ، فيما كان تحريم قتال الاكراد الذي اتخذه المرجع الشيعي أية الله محسن الحكيم الأثر الكبير في تعزيز العلاقات بين الطرفين .

  وجع الملك فيصل

لم تميز السلطات العراقية وبالخصوص سلطة نظام صدام حسين في ممارسة العبث بحقوق الجماهير العراقية واستخدام ابشع وسائل القهر السياسي والفكري والجسدي ، وفرض منهجية العقلية الواحدة على الاراء والافكار المتعددة ، وتفكيك العلاقات الوطنية المجتمعية ، وانتهاج إسلوب الاحكام الضنية ضد المشكوك بولاءهم للنظام ، هذه الممارسات عززت العلاقات النضالية العربية الكردية وخلقت جسور التواصل في ابتكار اساليب نضالية متجددة ، حتى الآن يشعر المواطنون العرب بقيمتها ويستذكرون تأثيراتها في تعزيز الاخوة العربية الكردية التي لو تم التعاطي معها وطنيا لكان بالامكان بناء دولة عراقية متجددة متينة تحفظ للكرد حقوقهم المشروعة في تقرير المصير ضمن الدولة الواحدة ، وللعرب قناعة بمشتركات المصير ، وتجسد مفاهيم واليات حقوق التركمان والاقليات العراقية المتأخية الأخرى .هنا لابد من استذكار وجع الملك فيصل الأول عن التجاذبات المذهبية العرقية ضد المصلحة الوطنية فيقول في احدى مذكراته الشخصية ونشر جزء منها في كتاب (العراق من العهد العثماني إلى قيام الجمهورية لحنا بطاطو ) يقول الملك (أقول وقلبي ملآن أسى إنه توجد في العراق كتل بشرية ليست متشبعة بتقاليد وطنية وإنما هم سماعون للسوء ومستعدون للإنقضاض على دولتهم ووطنهم لمصالح لاتخدم بلادهم . )

خطأ في المواقف

وهنا لابد من التساؤل ، ماهي مصلحة الكرد التهديد بالانفصال ، وهل يمكن أن يتحقق ذلك في المرحلة الراهنة دون التأثير على كيان الدولة العراقية ، وهل بإمكان الكرد أن يقيموا دولتهم المستقلة دون أن تكون كانتوناً مرتبطاً بدول أجنبية هي بالاساس ضد وحدة التراب العراقي مثل تركيا اسرائيل ودول ومنظمات أخرى  .

فمنذ الاحتلال الامريكي للعراق عام ( 2003) ظلت بعض القيادات الكردية تشتغل على تعبئة الكرد قومياً ، وكثير منهم يعتقد بان التركيز على الجانب القومي يوحد الكرد خلف قياداتهم حتى لو كانت مندفعة اكثر في مطاليبها وينسيهم التفكير بالعلاقات الوطنية في إطار الجمهورية العراقية  . منذ الاحتلال ظل تركيز الكرد وبعض الاحزاب الاسلامية على محاربة النهج العروبي والقومي في العراق زاعمين بأنه مرتبط بحزب البعث وبنظام صدام حسين ، غافلين عن عمد بأن الحركات والاحزاب العروبية في العراق واجهت نظام حزب البعث منذ مجيئه للسلطة عام 1967 وتعرضت في عهد صدام حسين لابشع وسائل التنكيل والمطاردات والتصفيات الجسدية  في قصر النهاية والامن العام وسجن ابو غريب وبعقوبة، وهي كانت تنظيمات عروبية مكافحة قبل ولادة العديد من الاحزاب الاسلامية والشخصيات السياسية ولم تساوم على مواقفها ومنهجها أوتهادن النظام مثلما فعلت بعض الاحزاب الكردية والشخصيات الاسلامية ، ولكن هذا التركيز على محاربة النهج العروبي والتندر عليه باسم ( القومجية) يستهدف بالاساس ابعاد هذه القوى عن المشاركة في صناعة القرار وتخويف الجماهير  الاقتراب منها بغية تحقيق مشروع التقسيم الذي كثيراً ما نادت به بعض القيادات العراقية كحل للأزمات القائمة ، ومن المعروف إن التيارات العروبية ترفض التقسيم مثلما ترفض الطائفية في مقاربات السلطة بين الكيانات السياسية لذلك يتم مهاجمتها وابعادها من صنع القرار ، في حين يمارس الكرد التركيز على قوميتهم حصراً والابتعاد عن الوطنية العراقية الجامعة ، والاسلاميين على اشاعة الاسلام السياسي دون غيره . إن هذه المواقف الجحودة الجافة لم تمنع التيارات العروبية من مسألتين اساسيتين ،أولهما رفض الانحياز لتبني النهج القومي على حساب الوطنية الجامعة لكل فصائل المجتمع العراقي ورفض الطائفية والحصصية بكل اشكالها والوانها ، وثانيهما محاربة الارهاب الفكري والتكفيري والسياسي والمذهبي والدموي ، ومشاركة بعض قطاعات المجتمع في الانبار والخالدية والفلوجة والموصل وكركوك وبيجي وديالى وبابل وبعض المناطق الاخرى في هذه المعركة كأفراد وتنظيمات متواضعة الجهد والمال ، لهذا السبب وغيره كان الحزب الاسلامي في تلك المناطق يقف دائماً بالضد من التيارات والشخصيات العروبية التي تروم المشاركة والترشح لمجالس البلديات والمواقع الخدمية الأخرى مثل قائمقامية قضاء الفلوجة وجاؤا بشخص قريب منهم  .

الانفصال قادم

الوقائع تؤكد بأن وجود الكرد كقوة مشاركة وفعالة في سلطة بغداد وانفرادها بسلطة كردستان التي تشبه إلى حد بعيد دولة داخل الدولة العراقية وتشارك بحصة أكثر من حصتها الحقيقية في الموازنة وتنتج وتسوق النفط الشمالي وتعقد الصفقات مع الشركات العالمية باسعار تقترب كثيرا إلى ماقبل قانون ( 80)  الذي صدر في عهد عبد الكريم قاسم وتشتري السلاح بكافة انواعه عدا الطيران الحربي وتسيطر على كل الانتاج والفوائد الحدودية وتقود سياسة العراق الرئاسية والخارجية وتعطل وتطلق القرارات والمواقف وتمنع العرب من زيارة كردستان إلا بكفلاء ، كل هذا وغيره أليس افضل من الانفصال المحفوف بالمخاطر والانتكاسات والحصارات ، أم هناك مؤشرات خارجية تدفع بتصعيد المواقف الكردية وصولاً للتهديد بالانفصـــال ..؟

إذن ماذا وراء ذلك ، يقول الدكتور الكردي كمال سيد قادر في مقال نشر عام 2013 تحت عنوان (وداعاً ياعراق لنفترق بسلام ) جاء فيه (إن امريكا واوربا بدعم اسرائيلي تدعم انفصال كردستان عن العراق ، وأن العراق والمقصود هنا الحكومة المركزية لايملك من منع الانفصال واعلان الدولة الكردية والسيد مسعود البارزاني لايملك سوى البلاغ بهذا المشروع ) ويستطرد الدكتور كمال سيد قادر بمقاله ( إن تطورات المواجهة القادمة بين امريكا وروسيا خاصة في موضوعات النفط والغاز ووجود هذا في الاراضي الكردية تحتم قيام الدولة الكردية وأن كركوك والمناطق المتنازع عليها ستكون ضمن الدولة الكردية التي بدورها ستعالج مشاكلها حول هذه القضايا مع المناطق السنية المتعطشة للانفصال والتصعيد الذي يجري حاليا يدخل ضمن هذا السياق).وبغض النظر عن صحة وعدم صحة مقال الدكتور الكردي كمال سيد قادر ، إلا إن مؤشرات التصعيد بين الحكومة المركزية وحكومة كردستان إضافة لعدم الاتفاق على معالجة مسألة نفط كردستان وهي قضية قابلة للحل ، تعطي مؤشرات حول التوجه للانفصال فكثيراً ماسمعنا من شخصيات سياسية وبرلمانية كردية توكد على اختلاف شعب كردستان باللغة والثقافة والارض والعلاقات الاجتماعية عن باقي مدن العراق فلماذا لايــــتم الانفصال ..؟  قبل فترة كانت دعوة حكومة كردستان لبغداد قضايا مهمة تعني حسب تقديرات المتابعين فك الشراكة بين بغداد واربيل . هنا لابد من الاشارة إلى إن هناك اطراف سياسية اسلامية وغيرها تريد الدفع بالمشاكل بين بغداد واربيل وصولاً للتهديد بالانفصال أو الانفصال بعينة . وبغض النظر عن الاجتهادات والازمات المستمرة بين الحكومة المركزية واقليم كردستان على بغداد أن تدرك بان الانفصال قادم لامحالة لاسباي كردية أو لدوافع دولية ، وعليها أن تعي هذه الحقيقة وتتعامل معها ، والسيد مسعود البارزاني يريد الانفصال ، وهو يعرف كيف يتعامل مع ايران وتركيا وسوريا والاكراد الرافضون لهذا النهج ، ولكن لابد من التحذير من نتائج هذا الدفع الخطير لتقسيم العراق ، وأن الجميع يجب أن يعرف إن الامنيات ليس مطابقة للحقائق ، ومن يتحمل تبعات دراما الدم على كركوك وغيرها من المناطق علية أن يدرك بأن العراقيين يتوحدون حينما يتعلق الأمر بمصير البلاد ..؟