

لندن – الزمان
تنشر صحيفة (الزمان) سلسلة من حلقات كتاب جديد بعنوان “قضية تقاعد”، من تأليف الكاتب والأديب والإعلامي العراقي فيصل عبدالحسن، أهداه إلى رئيس مجموعة الاعلام العراقي المستقل، سعد البزاز.
تتناول حلقات الكتاب الوقائع المريرة لمغترب زار بغداد، وعاد بعدها أكثر اغترابًا، حيث يروي فيها تفاصيل رحلته وتجربته الشخصية في طريق اجراء معاملة تقاعد عادية، مسلطا الضوء على الأخطبوط السري الذي يحرك لعبة الفساد المتجذرة وكيف مسخت شخصية رجل الخدمة العامة ، كما يتحدث جوانب مختلفة من الحياة والتحولات التي شهدها العراق.
تعد هذه السلسلة من الحلقات مدخلاً مثيرًا للاطلاع على واقع المجتمع العراقي الذي نخرت في كيانه سوسة الاحزاب والفساد ،وملمحًا لأحداث وتجارب يومية حقيقية، مثيرة للاهتمام والتأمل.
إطلاق كِتاب “قضية تقاعد” يعزز تعاونًا جديدًا بين صحيفة الزمان وأصحاب القلم من إعلاميين وكتاب إصحاب الرؤية الكاشفة ،ويعد خطوة مهمة نحو إثراء المحتوى الإعلامي البناء وسط الانهيارات التي يشهدها الإعلام المسيس لاسيما في الوسط الرقمي.

قَضيّةُ تّقَاعُد – فيصل عبد الحسن
الحلقة الأخيرة
بعد أن وصلت إلى هناك وتتبعت كافة المراسيم الاعتيادية التي تفرض على كل داخل في أجواء هذا الكوكب الفريد فقصدت غرفة المدير العام، وظننت أنه سيقابلني، ولكن حارس المكتب أجلسني في ردهة فيها رجال مهندمون وسيدات كانوا يتناقشون حول مشروع بناء في داخل البناية الرئيسية للهيئة، ومقدار كلفته ويتشاجران حول أي من المتنافسين سيفوز بالمشروع!! وكل واحد منهم يطرح على منافسه عرضاً مالياً ليتخلى عن منافسته ليفوز على منافسه وسجل مدير المكتب اسمي لينقله إلى المدير العام، وأخيراً قابلت المدير العام وقد كان مُدسملاً جداً وكرشه يمتد أمامه إلى متر وعجبت في نفسي لكل هذا الترهل غير المعقول، وقلت في نفسي أنه “زمن المُدَسملين” حقاً، ولم تطل مقابلتي معه طويلاً بل لم يسمع ما قلته له حول مظلوميتي بل أرسل معي موظفاً من أكثر الناس حقداً على البشر!! وطلب منه مصاحبتي للقاء الموظفة التي لديها أوراق معاملتي التقاعدية، ومضينا إلى مكتبه وكان إلى جواره العديد من الموظفين وأرسل في طلب الموظفة، وما أن جاءت وهمست له ببعض الكلمات، فحكم على طلبي بالإعدام موافقاً لها على كل ما أوردته موظفته بشأن رفض طلبي وهو يهز رأسه إيجابياً لكل ما تقوله، وذهبت كل محاججاتي له أدراج الرياح، فقد كان هذا الموظف درعاً حصيناً لموظفته، التي كنت أتخيلها بين الحين والآخر تظهر لي لسانها ساخرة مني ومن واسطتي “الوزير السابق” كأنها تقول لي لن تنال شيئاً “ما دمت لم تدهن السير!!”.

وأخيراً قرَّ قرارهم على إرسال معاملتي إلى الخبيرة القضائية المختصة بتقرير الحالة، لاتخاذ القرار النهائي لكنني كنت واثقاً أنها لا تختلف كثيراً عن الموظفة التي تقف إلى جوار مديرها !! ولأن الموظفة المقصودة في إجازة فتم تأجيل طلبي إلى اليوم التالي !!
لكنني في الوقت نفسه شعرت أن هذا الموظف يحمل لي بغضاً لا حد له، وكأني قتلت أحد أولاده حين أخذ يلومني لأنني تركت العراق قبل ثلاثة عقود!! وخرجت تاركاً أبناء وطني جائعين، وأنه شخصياً كاد يموت جوعاً، خلال وجودي متمتعاً بالعيش خارج العراق وبقي هو موظفاً في الدولة العراقية براتب شهري مقداره دولار واحد لا يكفي لشراء كيلو سكر، وسحقه وعائلته الجوع، والذل!! فأردت أن أقول له أنك قبلت أن تبقى!! أما أنا فلم تشأ إنسانيتي أن أبقي عائلتي تجوع، وخرجت متوكلاً على الله، فأنا حر باتخاد القرار وأنت كذلك !!
لكنني قلت مع نفسي سأجرح مشاعر هذا المغفل جرحاً عميقاً بقولي هذا وسأكسب عداوته، فيعرقل أي أمل لي في الحصول على حقوقي التقاعدية، فذكرت له بودّ بأننا في الخارج واجهنا أيضاً العديد من الصعوبات وجعنا وتعرضنا للذل فلسنا أحسن حالاً هناك !! لكنه لم يقتنع، وكان الغل والبغض في نفسه لي يصدران شرراً من عينيه، فقلت ساخراً مع نفسي هذا واسطتي ؟!! ياله من واسطة حقيرة وشكراً للوزير السابق الذي طلب مني الذهاب إلى هؤلاء المرضى الحاقدين على كل من يقع تحت رحمتهم!! فكتمت غضبي في صدري واتفقت معه أن أتي في الغد لسماع رأي الموظفة القانونية!!
عرفت وأنا خارج من الهيئة أن الحكومة أعلنت أن يوم غد عطلة رسمية بسبب الأمطار التي تهطل على بغداد وباقي المحافظات في العراق بغزارة، ولا أدري أي دولة هذه التي تعطل مصالح شعب كامل من أجل أمطار؟!! ألا يعني هذا أنها تعلم علم اليقين أن البنى التحتية لمدنها خرائب وهي لا تفعل شيئاً أزاءها ؟!!
خرجت من هيئة التقاعد، وأنا أشتم بصوت عال الموظفين المرضى بالحقد والأمراض النفسية، الذين يؤذون كل من لديه معاملة رسمية معالدولة، وتوجهت إلى الشارع العام واكتريت تاكسياً نقلني إلى الكرادة لمكتب الصرافة “الويسترن يونين” لاستلام مكافآتي الشهرية من مقر الجريدة في بريطانيا التي أعمل فيها وتيسر الأمر والحمد لله استلمت المبلغ بالدولار، وحولت المبلغ إلى الدينار العراقي، وبعد ذلك توجهت إلى مقهى رضا علوان في الكرادة لمقابلة ناشر روايتي الأخيرة، وبالرغم من المطر والبرد جاء الرجل، وقد وفى بوعده، وسلمني أربعين نسخة من روايتي، وكان نهار فرح لي بالرغم من احباطات هيئة التقاعد وحقد موظفيها غير المبرر على أصحاب المعاملات الرسمية!! ويبدو أن مسألة المعاملة الفجة في تلك المؤسسة الحكومية وراءها ما وراءها من نيات ورائحة فساد لا تخفى على أي لبيب!!

لم يطل الزمن للتأكد من شكوكي حول فساد بعض موظفي هيئة التقاعد، الذين كونوا لوبياً للفساد داخل هذه المؤسسة الكبيرة، فقد أخبرني المعتمد أن عليَّ دفع مبلغ ستة ملايين دينار ليتم منحي التقاعد بكل سهولة، وتصير معاملتي بقدرة قادر وفق ضوابط هيئة التقاعد المطلوبة !!
كان المبلغ كبيراً وهو تقريباً “خمسة آلاف دولار” وكنت ولا أزال ضد مبدأ الرشوة والفساد، فلم أحر جواباً مباشراً وسكت على مضض بانتظار رأي الخبيرة القانونية بعد عطلة المطر الأسود في العراق !!
استيقظت في الثامنة صباحاً كانت ليلتي ليلة طويلة جداً اجترَّرت فيها كل الإحباطات التي واجهتها في العراق ومرَّت عليَّ في ليلي المؤرق صور كل الموظفين الذين أشادوا الإحباط في نفسي لبنة فوق لبنة وغصة بعد غصة!! وكان نصيب موظفي هيئة التقاعد ومديرهم العام الذي يندلق كرشه أمامه لمتر ونصف نصيب الأسد من هذه الوجوه المكفهرة، المملؤة بالضغينة غير المبررة، وقرأت في عيونهم نظرات حيوانات مفترسة تبحث عن ضحايا لافتراسها!!
السماء غائمة تنذر بالمطر الغزير، وكان البرد يجمد الأطراف. ملأت الثرموس بالماء المغلي من صالة الفندق وعدت مجدداً لغرفتنا 401 في الطابق الرابع وأنا ارتجف من البرد.

عملنا فطوراً سريعاً وقد كان فطوري أصبع موز مع الخبز والقليل من العسل والتمر أما زوجتي وولدي فقد كان فطورهما(قيمر العرب)مع الشاي، وبعد الفطور غيرنا ملابسنا، وعلى عجل كتبتُ أهداء شعرياً على أعلى الصفحة الأولى من روايتي الجديدة، وكان الإهداء إلى مكتبة الإمامين موسى بن جعفر ومحمد الجواد عليهما أفضل صلاة وسلام!! وقد فرحتُ جداً وأنا أسلم النسختين إلى أمين المكتبة، وكان رجلاً معمماً كيساً، وشعرت لحظتها إني أصنع لنفسي جسراً إلى رضوان الله ومحبة رسول الله، وآل بيته عليهم أفضل صلاة وسلام.
وقد كانت الرواية تدور حول شخصيات تاريخية عاشت في القرن الأول الهجري، وشهدوا ثورة الحسين عليه السلام وبعضهم شارك فيها واستشهد، وقد عملت على هذه الرواية لأربع سنوات، وقرأت لأتمكن من صياغة أحداثها من دون أن تتعارض مع الأحداث التاريخية الحقيقية أكثر من 150 مصدراً تاريخياً وبعض هذه المصادر مجلدات من عدة أجزاء، وقد أتعبني جداً البحث عن نوع الطعام الذي كان يؤكل في ذلك الزمن البعيد في بيوت الفقراء والأغنياء وأنواع الملابس، وسلوك الذين عاشوا في تلك الفترة وثقافاتهم الدينية والدنيوية، وقد بحثت طويلاً عن مصادر تدلني على ما حدث في حربي الجمل وصفين، والجانب الإنساني في تلك الحربين للجيشين جيش العراق وجيشي المدينة والشام، وكان عملاً أدبياً متعباً للغاية !!.

وبسبب عملي المتواصل بهذه الرواية أصبت بذبحة صدرية كادت تؤدي بحياتي لولا إنقاذي في أخر اللحظات، وتم أجراء عمليتي قسطرة للقلب لي، والغريب أني وأنا في صالة العمليات ممداً وعارياً من كل ملابسي كما خلقني ربي، وعملية التخدير على وشك أن تبدأ رأيت سيدي الحسين عليه أفضل صلاة وسلام يجلس على كرسي قريباً مني بوجهه النوراني الحزين، فانهملت الدموع من عيني في تلك اللحظات، التي كنت فيها بين الحياة والموت، لم أتذكر أبناً ولا بنتاً ولا زوجة ولا قريباً ولا حبيباً سوى الحسين عليه السلام !!
فكنت أردد بصوت واطىء إلى هنا تبعتني يا حبيبي، يا لوفائك، فداؤك الروح يا حسين!! وكانت الدموع تهمل من عيني بغزارة، وكنت خجلاً من هذه الدموع، التي أسفحها من دون إرادة مني، وكان خجلي نابع من رؤية فريق العمل الذي يجري لي العملية المكون من أطباء نساء ورجال دموعي لاعتقادهم أني أبكي خوفاً من الموت !!
والله يعلم أني لا أخاف الموت، وكم من مرات تعرضت للموت في الحروب المختلفة التي شاركت فيها كجندي احتياط، وفي كل مرة
استقبل خطر الموت بوجه ضاحك مستخفاً بالحياة ومحبيها!!
وبعد مراسيم تسليم النسختين من روايتي الجديدة للمكتبة الكاظمية زرنا مرقد الإمامين وصلينا هناك وتناولنا الغداء في مضافة الإمامين وعدنا ظهراً إلى غرفتنا بالفندق فارتحنا قليلاً وعصراً نزلنا إلى سوق العتبة المقدسة فاشترينا أكياساً لاستخدامها في الغد لنقل نسخ روايتي التي استلمتها من الناشر كحصة للمؤلف، لنقلها إلى بيت مضيفينا في الحسينية، ومساء اتصل بنا ولدي الأصغر من مكة المكرمة، وكان وزوجته في غاية الفرح لعمرتهما الأولى، وكان معهما أحفادنا، وقد كانوا في منتهى الفرح، وقد فرحنا جداً لفرحهم، وهذه بشارة خير من إلله عوضني فيها عن إحباطات وألام فقداني الأمل الوحيد بالعودة إلى وطني العراق والاستقرار فيه مع عائلتي ما تبقى لنا من أعمار !!..
مساء أعددنا حقائبنا لمغادرة الفندق صباحاً ودفعت مبلغ 30000 دينار أجرة مبيت لليلة الأخيرة بالفندق .والحمد لله على كل شيء !!
استيقظت في السابعة والنصف صباحاً. اليوم سنغادر فندق سيد الرسل بالكاظمية، وقد أكدت حجز العودة في الطائرة إلى منفانا في المغرب، وقبل ذلك سنعود إلى بيت إبن أختي في مدينة الحسينية لحزم حقائب السفر التي بقيت في بيت مضيفينا. لقد امتلأت ملابسنا التي استعملناها أثناء اقامتنا في الفندق بالوسخ، ولذلك لم يعد لنا متسع من الأيام للبقاء في الفندق خصوصاً أن أشغالي انتهت في بغداد!!

اليوم عطلة رسمية وغداً عطلة أيضا وبعد الغد عليَّ مراجعة هيئة التقاعد مراجعة أخيرة في أكثر الظن، وبعدها سيتم تجميد طلبي للتقاعد فيما يبدو !!
لم يبق أي أمل لنا في البقاء في وطننا، فكيف نبقى في بلد ليس لنا فيه مصدر رزق؟ !! وكل أبواب طلب العمل التي قصدتها من خلال وجودي في العراق بواسطة معارفي في العراق موصدة بالقفل !! حتى الوزير السابق بنفوذه ومعارفه رجوته أن يجد لي عملاً في جريدة من جرائد العراق أو أي عمل يمكن أن أوفر من مرتبه عيشاً كريماً لزوجتي وأبني لكنه لم يحر جواباً وكأني أطلب منه منصباً رفيعاً في الحكومة!!
هذا العراق لم يعد عراقنا فيما يبدو، وما قدره الله تعالى واقع لا محالة ولا تغيير لقضائه سبحانه وتعالى!! المهم في هذه الرحلة أننا زرنا ضريح الحسين عليه السلام، وأهديت روايتي الجديدة إلى مكتبته، ولو كان هذا الأمر الوحيد الذي حققته في هذه الرحلة لكفاني فخراً وعزاً!! وما عدا ذلك سقط متاع وأمور دنيا لا فائدة ترجى منها غير قضاء حاجات الحياة . لست مثالياً ولكن ما بقي من العمر لا يشجع على حب الحياة والتمسك بها.
وبعد أن تناولنا فطوراً سريعاً وأنزلنا حقيبتنا إلى صالون الفندق استعداداً للمغادرة، وقبل ذلك اصطحبت ولدي إلى سوق الكاظمية لشراء الحلوى ما تسمى “بالدهينية”، مع الكعك المسمسم، كهدية نحملها إلى مضيفينا وبعد ذلك توجهنا إلى موقف عربات اليد، واصطحبنا حمالاً مع عربته ليساعدنا في نقل حقائبنا إلى كراج التاكسيات.
واكترينا تاكسياً ينقلنا إلى مدينة الحسينية ونظرتُ إلى شوارع بغداد والتأكسي تمرُّ فيها مغادرة وكانت الدموع في عيني وأنا أقول في نفسي هي أخر مرة أراك يا بغداد ؟!! هل لنا عودة إلى الوطن أم هو فراق أبدي؟!! لكنني كنت أسمع مع دوي محرك التاكسي من يقول لي: ستعود يا هذا يوماً ما ستعود إلى وطنك كما الطيور المهاجرة التي تعود إلى أوطانها في يوم مشرق من الأيام !!

















