

لندن – الزمان
تنشر صحيفة (الزمان) سلسلة من حلقات كتاب جديد بعنوان “قضية تقاعد”، من تأليف الكاتب والأديب والإعلامي العراقي فيصل عبدالحسن، أهداه إلى رئيس مجموعة الاعلام العراقي المستقل، سعد البزاز.
تتناول حلقات الكتاب الوقائع المريرة لمغترب زار بغداد، وعاد بعدها أكثر اغترابًا، حيث يروي فيها تفاصيل رحلته وتجربته الشخصية في طريق اجراء معاملة تقاعد عادية، مسلطا الضوء على الأخطبوط السري الذي يحرك لعبة الفساد المتجذرة وكيف مسخت شخصية رجل الخدمة العامة ، كما يتحدث جوانب مختلفة من الحياة والتحولات التي شهدها العراق.
تعد هذه السلسلة من الحلقات مدخلاً مثيرًا للاطلاع على واقع المجتمع العراقي الذي نخرت في كيانه سوسة الاحزاب والفساد ،وملمحًا لأحداث وتجارب يومية حقيقية، مثيرة للاهتمام والتأمل.
إطلاق كِتاب “قضية تقاعد” يعزز تعاونًا جديدًا بين صحيفة الزمان وأصحاب القلم من إعلاميين وكتاب إصحاب الرؤية الكاشفة ،ويعد خطوة مهمة نحو إثراء المحتوى الإعلامي البناء وسط الانهيارات التي يشهدها الإعلام المسيس لاسيما في الوسط الرقمي.

قَضيّةُ تّقَاعُد – فيصل عبد الحسن
الحلقة 11
تساءلتْ الموظفة إن كنت منتدباً من الجيش في فترة عسكريتي إلى دائرة مدنية، فأجبتها أنه تم انتدابي لفترة محدودة، فأخبرتني أنها ستبعث استفسارات إلى المحلل العسكري في وزارة الدفاع ليعطي رأيه بخدمتي عن تلك الفترة، وأجلت النظر في طلبي إلى الأسبوع القادم، فشكرتها وتركت الهيئة وخرجت مسرعاً وكأني أخرج من بوابة الجحيم!!
كان عليَّ اصطحاب زوجتي وأبني مرة أخرى إلى فندق في مدينة الكاظمية لأننا عرفنا من مضيفينا أن أقرباء لهم سيأتون قبل نهاية رأس السنة الميلادية ليحتفلوا معهم بنهاية ألسنة، وسيقضون أكثر من ليلة عندهم، ومضيفونا لا يوجد لديهم مكان أضافي لضيافتهم سوى غرفة الاستقبال، التي جعلوها مقراً لإقامتنا، فكان علينا أن نفهم الإشارة المؤدبة منهم، ونغادر فاسحين لهم المجال لكي لا نجعلهم يقعون في الحرج مع ضيوفهم الجدد!!
ومن جديد حملنا حقيبتنا وسلمنا على مضيفينا عصر اليوم بعد أن أخبرناهم أننا ننوي قضاء بضعة أيام في فندق بالكاظمية لكي نتمتع بأجواء الزيارة إلى الإمام الكاظم عليه السلام خلال فترة رأس السنة الميلادية، وما تلاها من أيام، وها نحن من جديد في سيارة تاكسي متوجهين الى فندق سيد الرسل، وفي قلوبنا غصة لأننا سنقضي ليلة رأس السنة وحدنا في غرفة مقفلة علينا في مدينة الكاظمية!! يخنقنا فيها الحزن والكآبة، وياله من وطن ويا لها من غربة لا حد لها !!
أخذت حمَّامي الصباحي في الفندق استعداداً لصلاة يوم الجمعة، وقد بقي شعر رأسي نافراً لا يقبل التمشيط أبداً بسبب ملوحة ماء الحمَّام، فعلقت بيني وبين نفسي وأنا اتصارع مع هذا الشعر النافر أمام المرآة مستخدماً مشط زوجتي الخشبي:”بلاد الرافدين صار بلاد النهرين المالحين!!”

كنا نستعد لزيارة المرقدين المقدسين وتأدية صلاة ظهر الجمعة في مصلى المرقد الكاظمي الشريف.
تناولنا فطورنا في غرفتنا بالفندق، فقد جلبنا ليلة البارحة الخبز والقشطة(قيمر العرب)مع التمر ومَنْ السما وخبز الشعير، ونزلت إلى باحة الفندق وملأت الترمس بالماء المغلي، وجلبت معي مغلفات شاي اللبتون، التي كانت في صندوق قرب سخان الماء المستخدم لعمل الشاي لضيوف الفندق، وعدت من جديد إلى غرفة الفندق فوجدت ولدي وزوجتي قد أكملا غسل وجهيهما وارتداء ملابس الخروج.
تناولنا فطورنا الذي كان لذيذاً حقاً، ولم نذق مثل طعمه في غربتنا أبداً، وما أن أكملنا فطورنا حتى توجهنا إلى المرقدين المقدسين، وسرنا بين صفوف من البشر التي لا تنقطع والمواكب التي تضرب بزناجيل الحديد على ظهورها العارية، وكل موكب له دليل يسير أمامه ويحكي بمكبر الصوت باللغة الفارسية، والمواكب جميعاً تتجه إلى باب المراد للضريحين الشريفين، وكان صوت الدليل حزيناً يجبرك على الإنصات لوقع نبراته الحزينة.
كان بعض هؤلاء الذين يحملون الزناجيل من عرب الأحواز، فكانوا يرددون كلمات عربية نداءات لبث الحماسة لبعضهم البعض، وقد دخلنا الضريح قبل دخول المواكب التي كانت تتوقف كل عشرة أمتار، ليزاول أفراد الموكب تحريك زناجيلهم وجعلها تلطم الظهور بقوة.
وما أن أكملنا الزيارة وقد بكيت عند المرقدين ماسكاً برأس ولدي المعاق طالباً من الوليين الدعاء لولدي بالبرء من إعاقته، وسؤال الله لي أن أحصل عل مرتبي التقاعدي من الدولة لكي نبقى في وطننا ولا نغادره أبداً، فالبقاء في الوطن يحتاج إلى مصدر رزق نبتدىء به حياتنا، أما أن نبقى في الوطن بلا مصدر رزق، فهذه طامة كبرى خصوصاً وأن الحياة في العراق لها متطلبات مالية تفوق المتطلبات بالمغرب كما أن أسعار المواد الغذائية، والخدمات والسكن، هو بالضبط ضعف الأسعار في المغرب !!
في العراق يأتيك البؤس من كل ناحية، فالكتابة للصحافة العراقية شبه مجانية إلا ممن لديهم كتف في الحكومة أو يعملون في جريدة الدولة!!
وقد اجتمع في جريدة الدولة معظم الذين فشلوا في حياتهم الدراسية، وتم ضمهم إلى هذا القطاع الطفيلي على الصحافة والإعلام، فصارت جريدة الدولة عبارة عن كشكول “فرايحي” حسب تعبير أخوتنا المصريين، فهي لا تنشر إلى ما يبشر بالخير العميم وتنشر صوراً زاهية عن حياة المواطنين المرفهة، وتعدد يومياً على صفحاتها خطوات الحكومة الجبارة لنشر الأمن ومحو الفساد، والعراقيون في حقيقة الأمر يعانون من الجوع وتغول الجهاز الإداري الفاسد ابتداءً من أعلى سلطة في الحكومة إلى أقل موظف في سلم المسؤولية!!
صلينا صلاة الظهر جماعة في محيط الضريح المغطى وكانت خطبة أمام الجمعة تدور حول وفاة سيدتنا فاطمة الزهراء عليها السلام، وحكى عن قبرها المجهول، الذي سيدلنا عليه سيدنا المهدي المنتظر عليه السلام، وفي نهاية الخطبة دعا الله للسيد مقتدى الصدر دعوات طويلة.
وبعد انفضاض الصلاة خرجنا من بوابة باب المراد وتوجهنا إلى أقرب كشك يبيع سندويجات الفلافل، وطلبنا ثلاثة سندويجات، وبعد أن تناولنا الغداء بحثنا عن مكان نظيف نشرب فيه الشاي، وكان المال الذي في جيبي بالعملة العراقية يقترب من النفاد، فقصدنا أقرب صراف مالي، كان يجلس على كرسي واطىء على الرصيف وأمامه منضدة صغيرة عليها يافطة صغيرة تشير إلى مهنته “تبديل العملات”.
فغيرت ثلاثمائة دولار أمريكي باربعمائة وست وخمسين ألف دينار عراقي أي لكل مائة دولار مائة واثنين وخمسين ألف دينار عراقي، وبعد ذلك تجولنا في السوق الكبير، واشترينا ما نحتاجه من ملابس ومكسرات، وعدنا إلى الفندق للنال قسطاً من الراحة.
مساء اتصل بنا إبن أختي وأبنة أختي، وهما من ضيفانا في داريهما قبل أن نأتي إلى الكاظمية ليطمئنا علينا ويطلبا منا أن نعود في أقرب وقت فقد اشتاقا لنا فشكرناهما، ووعدناهما بأننا سنعود بعد يومين أو ثلاثة أيام على أكثر تقدير !!…

اليوم الأخير
اليوم هو اليوم الأخير للسنة الميلادية. استيقظت في الثامنة صباحاً .كانت الشمس مشرقة، وسكان مدينة الكاظمية استيقظوا مبكرين. غادرت الفندق لأجلب الخبز الساخن من المخبز القريب لفطورنا في غرفتنا بالفندق وأعطيت الرجل الشيخ الذي أحنت السنوات ظهره وخمنت عمره أنه في الخامسة والثمانين، لكنه يفتح دكانه في الثامنة صباحاً يومياً ماعدا يوم الجمعة. كان بيته المجاور ودكانه أيلاً للسقوط، لكنه لا يسقط ككل شيء في العراق مسوس ولكن لا يسقط !!
عرفتُ منه في الأيام السابقة أنه يبيع في دكانه الحلوى للأطفال، لكنني لم أرَ في دكانه سوى علب قليلة للحلوى، ولم أرَ أحداً من الأطفال يشتري منه شيئاً طوال مكوثنا في الفندق وأنا أرقبه من نافذة الغرفة التي تطل على الزقاق الضيق الذي يقع فيه دكانه مقابل الفندق، فكنت كلما أنزل لأخرج في الصباح من الفندق أعطيه ما تيسر من المال، وكذلك تفعل زوجتي حين نخرج معا وولدنا لزيارة المرقدين المقدسين.
ويكتفي الشيخ وهو يأخذ من كفي المال بكلمة واحدة وهو ينظر بوجهي بعينيه الكليلتين ووجهه الشاحب: شكراً !! وفعلت اليوم كما أفعل في كل صباح، فأعطيته ما تيسر من المال وسمعته يقول شكراً بصوت واهن لا يكاد أن يُسمع، ومضيت إلى المخبز واشتريت الخبز الساخن. ست أرغفة بألف دينار ..وتذكرت أن أبي فيما مضى أشترى بيتاً بالبصرة بألف دينار فقط حين كان الدينار ديناراً !! ياللزمن!!
وعدت إلى غرفتنا بالفندق حاملاً ترمس الماء الساخن الذي سنذيب فيه أكياس شاي اللبتون ومعي الخبز، وكان لدينا في ثلاجة الفندق الصغيرة ما تبقى من قشطة الأمس مع التمر وتناولنا ألذ فطور عراقي خالص، وبعد الفطور غيرنا ملابسنا لنخرج لزيارة الأمامين والصلاة في ساحة الضريحين وبصدق أقول وأقسم على ذلك أننا كلما ذهبنا إلى هناك شعرنا أننا ندخل في روضة من رياض الجنة وأننا نولد من جديد، فننسى متاعبنا كلها، ويفرغ الله على نفوسنا فرحاً لم نعهده طوال حياتنا وصبراً عجيباً لتحمل المعاناة !!
وبعد الزيارة والصلاة خرجنا للتجوال في أسواق الكاظمية، فاشتريت ثوبين لزوجتي وبعض الهدايا التي سنأخذها معنا حين نعود إلى مضيفينا، وما أن حل وقت صلاة الظهر حتى عدنا مجدداً إلى الضريحين المقدسين فزرنا، وبكيت عند الضريحي مجدداً طالباً منهما الدعاء لي إلى الله تعالى لإكمال معاملة تقاعدي!!
لنستقر ما بقي من أعمارنا في وطننا كباقي خلق الله، وأن لا نبقى في الغربة ونموت فيها، فنحن لا يمكن أن نعود للوطن بلا مصدر رزق نعيش منه بكرامة!!

كانت جموع الزائرين تتزايد كل لحظة ..أمواج غفيرة من البشر تتدافع لإتمام زيارتها، ويبدو أن نهاية السنة الميلادية فرصة يستغلها الزائرون للاستمتاع بقضائها قرب الضريحين، وبسبب ذلك الزحام غير المسبوق لم نجد زوجتي في المكان الذي اتفقت معها أن نلتقي به بعد الزيارة!! فقد كانت النساء تزور الضريحين من جانب والرجال معزولون في الجانب الآخر بسياج خشبي، وبسبب الازدحام الشديد ضيعنا زوجتي فبقينا ننتظرها في المكان الذي عادة نلتقي به بعد الزيارة، لكننا لم نجدها، ولم تكن تحمل معها هاتفها، لأنها تركته في الفندق بعد أن فرغت بطاريته ليشحن، فبقينا نلوب في حيرة من أمرنا، ولست واثقاً من أنها تعرف موقع الفندق الذي نأوي إليه في العادة، وحين طال الانتظار هرعت إلى إذاعة المرقدين لبث نداء في مكبر الصوت على شكل رسالة صوتية بإسم زوجتي لموافاتنا عند باب المراد!!
ورجوت المسؤول عن الإذاعة إعادة النداء عدة مرات لكنه ردد النداء لمرة واحدة ثم أنشغل بإذاعة نداءات أخرى لنساء ضائعات وأطفال ورجال، ويطلب منهم الحضور إلى مكان محدد للقاء بعائلاتهم، واتصلت هاتفياً بالفندق أسأل الاستعلامات إن عادت زوجتي إلى الفندق، أم لا؟!!
فكانوا في كل مرة يجيبونني بالنفي، فأسقط في أيدينا ولم نعرف ماذا نفعل، هل نبقى في مكاننا قبالة باب المراد أم نذهب إلى الفندق وانتظارها هناك ؟!!
وأخذت ألام الأنزلاق الغضروفي الذي أعاني منه منذ سنوات تتصاعد كلما طال وقوفنا، وبعد معاناة وانتظار صعب اتصلت مرة أخرى بالفندق، فأبلغني عامل الاستعلامات أن زوجتي عادت وهي الآن في الغرفة التي اكتريناها!!

فحمدت الله وشكرته وفرح ولدي الذي وضحت له بالإشارات أن أخيراً عثرنا على أمك !! وأنها الآن بالفندق وأسرعنا إلى هناك، وحالما فتحت لنا باب الغرفة حتى علت ضحكاتنا لهذا الفقدان المؤقت، وأخذنا قسطاً من الراحة، وهبطنا مجدداً من الفندق لكي نبحث عن مطعم نظيف وأسعاره معقولة لتناول آخر غداء لنا في السنة المنتهية !!
ليلة البارحة كانت ليلة ليلاء ظننت خلالها أن العراقيين أصيبوا بمس من الجنون، لكثرة إطلاق الرصاص الحي في الهواء ابتهاجاً بنهاية السنة، ولكن ما خلفه إطلاق النار العشوائي كان مئات الجرحى وعشرات القتلى والعديد من الحرائق بسبب المقذوفات النارية الفاسدة التي بيعت في الأسواق للأطفال، فأصيب الكثيرون منهم بالعمى بسبب أنفجارها بأيديهم، وتسببت باحتراق ملابسهم وبيوتهم كما عرفنا من نشرة الأخبار التلفزية التي بثتها قناة الشرقية صباح اليوم، وليلة البارحة !!
لم نجرؤ حتى على مدّ رؤوسنا من النافذة لمشاهدة ما يحصل في الشارع المقابل لشدة وكثافة إطلاق النار، لقد كانت ليلة رعب حقيقي لا حد لبشاعتها، وتساءلت مع نفسي كيف لشعب مرَّ بالكثير من الحروب المدمَّرة أن يبتهج بسماعه مرة أخرى تراتيل إطلاق النار الوحشية هذه ؟!!
إلا يذكرهم هذا بمصرع أولادهم وأبائهم وأطفالهم في تلك الحروب الجهنمية؟!! أنه شعب غريب الأطباع حقاً يبتهج بزيارة المقابر!! ويستذكر بشاعة الحروب في ليلة من المفروض أن يستقبل بها العام الجديد بالآمال الواسعة بتحسن أحواله، وخلاصه من مستعمريه الأجانب، وما أكثرهم اليوم وهم يعبثون فوق أرضه الطاهرة ويستغلون أهله وقد جاءوا من كل بلد ومن كل لون ولله الأمر من قبل ومن بعد !!
أخذت حمَّامي الصباحي، وقد كان حماماً دافئاً يليق باستقبال سنة جديدة، وبعد أن غيرت ملابسي نزلت من غرفتنا في الفندق وتوجهت إلى المخبز القريب، فاشتريت الخبز وملأت ترمس الشاي وعدت من جديد إلى الفندق فوجدت زوجتي وولدي قد غيرا ملابسهما بملابس الخروج فتناولنا فطورنا الذي كان القشطة مع العسل والشاي، وبعد الفطور توجهنا إلى زيارة المرقدين المقدسين، فصلينا ركعتين تحية للمسجد وجلسنا نستريح .
كان الضريح مملوءاً بالزائرين، ويبدو أنهم قضوا ليلتهم في الضريح لأن أبواب الضريح تبقى مشرعة إلى الصباح ولا تغلق ليلاً كما في العهد السابق حين كانت الدولة تفرض غلق أبواب الأضرحة بعد صلاة العشاء مباشرة ..
وما أن حل وقت صلاة الظهر حتى صلينا وخرجنا من الضريح نبحث عن مطعم نظيف نتناول فيه غداءنا وقادنا زقاق فرعي تجري مياه المجاري وسطه في ساقية، وتذهب إلى أزقة أخرى ولا ندري إلى أين تنتهي فالمدينة بأكملها عبارة عن مستنقعات للمياه العادمة تتصل ببعضها!!

ورأينا مطاعم شعبية صغيرة تقدم الغداء للزبائن، وكان عبارة عن رز وخُليط الباقلاء الخضراء ونبات الأشبنت مع السمك المقلي، ومرق الباذنجان، وكل هذا الطعام بأحد عشر ألف دينار، وهو ثمن بخس مقارنة بأسعار المطاعم الأخرى، فطلبنا الغداء، وجلسنا ننتظر وكان مع الطعام خبز الشعير وبعد الغداء قررنا العودة إلى الفندق لأخذ قسط من الراحة وتناول الشاي الذي نصنعه في غرفتنا من مياه مغلية ومغلفات شاي اللبتون، وحالما وصلنا الفندق توقفت عند موظف الاستقبال ودفعت أجرة كراء الغرفة للأيام الأربعة القادمة، وكان مجموع ما دفعته مائة وعشرين الف دينار وما أن صعدنا إلى غرفتنا بالفندق وعملنا الشاي وشربناه بتلذذ وتركنا أنا وولدي زوجتي بالفندق، ونزلنا لكي نحلق شعر رأسينا عند دكان الحلاق القريب من الفندق، وكان الحلاق الشاب دمث الأخلاق وسيم الطلعة والغريب أن في العراق الشباب أكثر وسامة من كل شباب العالم وحين عرف أننا قدمنا من بلاد المغرب، فأخذ يسألني أسئلة كثيرة عن هذا البلد البعيد عن العراق وكيف يعيش أهله، ولم أبخل عليه بالمعلومات عن هذه البلاد الشقيقة، وشعبها وعاداتهم، وبعد أن انتهينا من الحلاقة أنقدته مبلغ عشرين ألف دينار، وأظن أنني بالغت في منحه هذا المبلغ، ولكن في قرارة نفسي كنت أريد مساعدة هذا الشاب!! فليس لديه الكثير من الزبائن، لأننا كلما مرَّرنا على دكانه نجده جالساً وحده ولا يوجد لديه أي زبون!!
عدنا إلى غرفتنا في الفندق فوجدت زوجتي تستعد للخروج كما اتفقت معها من قبل فخرجنا من جديد متوجهين إلى السوق لشراء الملابس التي أخبرتني زوجتي أنها تحتاجها، أنه أول يوم في السنة الجديدة، وعلينا أن نشتري ونشتري، فهي سنة جديدة كما قالت زوجتي ضاحكة!!
استيقظنا في التاسعة صباحاً .كان البرد خفيفاً والشمس ساطعة . صاحبني ولدي لملء الترمس بالماء المغلي من صالة الفندق لكي نعمل به شاي الصباح، وحين عدنا إلى الغرفة وجدت زوجتي قد حضرّت قطعة الجبن الأبيض من الثلاجة الصغيرة وزجاجة العسل الصغيرة، وكنت أحب تناول أصبع موز في الفطور، وقد كان الأصبع حاضراً بكل شموخه ونضجه، وأثناء الفطور تحدثنا عما صادفناه في اليوم السابق من أحوال لم نكن نعرفها في العراق سابقاً، وكانت أولى تلك الأحوال كثرة الإيرانيين في مدينة الكاظمية، ولم يكن الموضوع موضوع زيارة للمراقد المقدسة بل هو أبعد من ذلك، وينبىء عن استيطان إيراني واسع في هذه المدينة!!
فإن كان الأمر كذلك في كل المحافظات والمدن العراقية فلن يطول الزمن ليغدو العراق محافظة إيرانية، وعند هذا الحد من التفكير انقطعت عن العالم وصفنت طويلاً وأنا أشعر بالعجز أمام كل هذا الخراب والخراب القادم للحياة !! وعند وصولي إلى هذا الاستنتاج الخطير كنا قد فرغنا من تناول فطورنا وارتدينا ملابس الخروج للنزول من الفندق وزيارة المراقد المقدسة، وهذه المرة قررنا الوقوف طويلاً عند ضريح الشيخ المفيد، الذي يقع إلى جوار الضريحين المقدسين موسى بن جعفر ومحمد الجواد عليهما السلام.

وبعد الزيارة صلينا النوافل بانتظار أذان الظهر، وما أن بدأ المؤذن بالأذان، فصلينا صلاة الظهر وبعدها صلاة العصر، وكانت الشمس قوية السطوع والحرارة وأخذت تلسع وجهينا بحرارتها، فانسحبت وولدي إلى منطقة الظل بانتظار زوجتي التي انتظمت في صلاة الجماعة مع النساء إلى جوار مصلى الرجال، وكان بين المصلين حاجز من القماش، فلا يرى أي من الطرفين الطرف الآخر، وكان غب كل صلاة يتم الدعاء لمقتدى الصدر، ويتم نعته بأنه ولد المهدي المنتظر عليه السلام..
وبعد إتمام الصلاة غادرنا صحن المرقدين وأخذنا البحث عن معطر للأبط وقولونيا نستخدمها بعد الحلاقة، فوجدنا محلات كثيرة تبيع كل شيء، ولكن أغلب بضاعتها سيئة الصنع ومقلدة وغالية الثمن أيضاً!! واشترينا ما وجدناه متوفراً، وقد شعرنا بالجوع بعد هذه الجولة من التسوق فقصدنا المطعم الشعبي الصغير، الذي يقع في زقاق ضيق وسطه شارع تتوسطه ساقية للمياه القذرة كباقي شوارع مدينة الكاظمية!! وكان المطعم يعرض الرز بالباقلاء الخضراء والأشبنت مع السمك المقلي، وطلبنا غداء مكوناً من نصف سمكة مقلية مع صحن للرز بالباقلاء الخضراء مع نصف نفر تكة لحم مشوياً بالشيش لزوجتي، التي لا تطيق أكل السمك المقلي مع خبز الشعير، وكان هذا الطعام بأربعة عشر ألف دينار، وبعد أن تناولنا طعام الغداء عدنا إلى الفندق وعملنا الشاي وبعد تناول الشاي ارتحنا على أسرتنا ساعة ثم عاودنا الخروج من الفندق، وكانت الشمس في شفقها الأخير، فاشترينا بعض الحاجات التي تحتاجها زوجتي وكانت أفواج الإيرانيين لا تنقطع، وهم عادة يسيرون في مجموعات متراصة، وحين أكملنا التسوق عدنا إلى الفندق وتحدثنا مع أبنتنا التي تعيش في أوربا وكانت ممتعضة من أوضاعها المعيشية مع زوجها وأطفالها، وقد أرسلت لنا رسائل سلبية عن حياتها، فصليت صلاة العشاء، ورجوت الله تعالى أن يفرج عليها وعلينا ويتولى أمرنا كله فطمأنني ربي براحة القلب وهدوء النفس بعد قليل من الدعاء، وهي عادته حين يستجيب دعائي فشكرته وحمدته وأنبت إليه !!
أخذت حمَّامي الصباحي وكان حمَّاماً سريعاً دافئاً وبعد ذلك تناولت فطوري وحدي، لأنني كنت في عجلة من أمري فأنا ذاهب إلى هيئة التقاعد العامة لأجل معرفة نتيجة معاملتي التقاعدية!! فاكتريت تاكسياً إلى هناك وكان الجو بارداً، ووصلت إلى هناك بعد معاناة طويلة بسبب ازدحامات الشوارع بالسيارات، وعدم صلاحية الطرق في كل بغداد، وكان وضع الازدحام بالرغم من شدته لكنه أقل من الأيام العادية، بسبب العطلة التي أعطيت للطلاب في العراق بمناسبة ذكرى مقتل القائد الإيراني سليماني والعراقي المهندس بغارة من طائرة دورون أمريكية!!
ووصلت إلى هناك وبعد أداء جميع مراسيم الدخول، وصلت إلى الموظفة المختصة وواجهت عندها صدمة عمري إذ في البداية قدمت لي الموظفة استمارة الراتب التقاعدي، وفيها تحديد راتبي الشهري وهو بالمناسبة أقل راتب في سلم الرواتب التقاعدية بالعراق!! ومع هذا فقد فرحت جداً، لأنها إشارة من وطني لعرفانه بالجميل الذي بذلته طوال سنوات خدمتي الوظيفية فيه ودفاعي عنه حين تم تجنيدي في حروبه الكثيرة عندما كنت شاباً لعدة سنوات !!
وبعد ساعة من انتظار أنتهاء الأجراءات نادت عليَّ الموظفة ذاتها من جديد، وأخبرتني بصلافة وبلا مقدمات أني لا استحق الراتب التقاعدي!! لأنني لم أكمل عشرين سنة في الخدمة !! وطلبت مني أن أوافق على إحالة معاملتي أما إلى لجنة في دائرة التقاعد أو أذهب لشكاية الهيئة إلى القاضي المختص بقضايا المعاملات المرفوضة!! كنت حزيناً ويائساً ومصدوماً!! .إذ بعد كل هذا التعب والسفر والمعاناة أرزأ بقتل الأمل الوحيد لنا للبقاء في وطننا؟!!
لقد كانت بحق صدمة لم أجرب مثلها من قبل !! أن تأمل شيئاً صار قاب قوسين منك ثم يقال لك أنك فشلت ولن تنال شيئاً !!
فقلت للموظفة أني وأنا أكبت غضبي العارم:
ـــ أفضل اللجنة التي ستعطي رأيها !!..
فقالت:
ـــ انتظر إلى يوم الأحد القادم!!

فقلت مع نفسي حسبي الله ونعم الوكيل، وخرجت من هيئة التقاعد وأنا ألعن اليوم الذي ولدت فيه في هذا البلد الظالم لأهله!!
وسرت فوق جسر الأحرار أنظر إلى الموجات الصغيرة التي تتهادى على ضفتيه. رأيت أن نهر دجلة أضمحل وصار ضيقاً هزيلاً، ويستطيع فتى في عبوره سباحة!! قلت في نفسي دجلة يعاني من المرض كبقية البلد والأمة التي تعيش حوله!!
ووصلت إلى سوق المتنبي للكتب، وكنت لا أزال في حالة الصدمة مما حدث لي في هيئة التقاعد، وحالما استرددت رباط جأشي اكتريت تاكسياً ليقلني إلى الفندق في الكاظمية، وما أن وصلت، فوجدت زوجتي قد جهزت نفسها وولدي للخروج لتناول الغداء في أقرب مطعم من الفندق، لم تقل لي زوجتي شيئاً، فقد عرفت من قسمات وجهي وطريقة حديثي معها أني واجهت اليوم موقفاً صعباً فلم تشأ سؤالي عما حدث في هيئة التقاعد !!
وقبل ذلك اتصلت بصديقي الوزير السابق وحكيت له ما حدث لي اليوم في هيئة التقاعد، وطلبت منه التدخل لمساعدتي فإندهش وأخبرني أن مدة الخدمة المطلوبة للتقاعد خمسة عشر سنة فقط، وأنت عندك سبعة عشر سنة فأنت تستحق التقاعد وفق القانون!! ووعدني بأنه سيتصل بالمدير العام للهيئة، ويسأله عما جرى ولماذا تم رفض طلبي !! فشكرته. .
وانقطع الإتصال بيننا…كان هذا يوماً سيئا حقاً ولم أمر في حياتي بإحباط مثله !! واتصلت بمقر الصحيفة التي أشتغل فيها منذ سنوات التي يقع مقرها في دولة خليجية وقد بعثت لي مكافأتي الشهرية إلى العراق بدلا من المغرب، لكنهم أخطأوا باسم جدي، فطلبت منهم تصحيح الخطأ، لكنهم لم يجيبوا لانتهاء الدوام الرسمي لديهم!!

اليوم هو من أطول الأيام التي صادفتها في رحلتي إلى العراق!! اتصل بي صباحاً الوزير السابق وطلب مني أن أتوجه إلى هيئة التقاعد العامة لمقابلة مديرها العام إذْ طلب منه مساعدتي في أنجاز معاملة التقاعد الخاصة بي، فغيرت ملابسي على عجل معتقداً أن الخير قد جاء!! وأن أخيراً متاعبي على وشك الأنتهاء، وأن وطني يفتح لي ذراعيه بحنان الأم لأبنها بعد فراق طويل.. !!
خرجت من غرفتنا في الفندق كانت السماء كتلة من الألمنيوم الصدىء والبرد شديد يجمد الأطراف والمطر يهطل بغزارة وكأن عذا ب الله تعالى قد حل على بلادنا فالغيث ليس له هذا الشكل المؤذي بل هذا عذاب من الله وستسقط بيوت الفقراء على رؤوسهم وسنسمع في المساء أعداد من هلكوا بفعل هذه الأمطار الكارثية، ولكن ذلك المطر والبرد الشديد لم يمنعاني من السير صوب الشارع العام لكي اكتري تاكسياً يوصلني إلى هيئة التقاعد العامة !!

















