قصة قصيرة .. حديث عن الفن

قصة قصيرة .. حديث عن الفن

صلاح الدين خليل

انا في الواقع لا احتسي الخمر الا انني لا انكر اني جربته مرة او مرتين .. المرة الاولى .. عندما شربت قدحا منه على عجل وانا اغادر منزل اخي في شارع فلسطين حيث ضحكت من شاربي الخمر الذين يدعون انها تدير الرأس وانها تفقد الصواب الا انني بدأت بعد هذا اشعر ان قواي قد تضاعفت وان جسمي قد نشط لدرجة ان خطواتي اصبحت سريعة متوترة كان بامكاني ان اصبح مصارعا في تلك الساعة وكنت اسير كرياضي حتى وصلت الدار وخلعت ملابسي لانام فما كان اشد عجبي حين شعرت ان الغرفة تدور بي لقد كان ذلك شيئا جديدا بالنسبة لي واحساسا فريدا لم اجربه من قبل فلم اشعر يوما ان سريري يرتفع ليرتطم بالسقف ثم يهبط ولا بالعالم يدور حولي هذا الدوران .

 لا اصدق انك لاتشرب .. فانك تشربها كمحترف ها قد شربت ثلاثة اقداح مليئة ليس فيها الا القليل من الماء وما زالت تتأنق في كلامك وتتكلم بمنطق الصاحي …

صدق انني لا احتسي الخمر عادة اما المنطق الذي تتحدث عنه فهذا يتأتى عن كوني اشعر باني اعرفكم لاول مرة ولا بد لي ان لا اكون على سجيتي وان اتحدث بدرجة عالية من الوعي أي انها سيطرة ذاتية …

طيب دعنا الان من الخمرة بصفتك رسام فما هو رأيك بالفن الحديث …

هذا سؤال يجب تحويله الى عدة اسئلة ..

طيب ماهو رائيك بالسريالي ؟

اتعني التجريد ؟

اجل التجريد .

كثير ما يخلط البعض بينه وبين السريالي …

الا تظن انه فن غير مفهوم …

قال اخر : الا تعتقد باننا لسنا بحاجة الى ان نكون بهذه الدرجة من الغموض .

ان هذا الفن لا يفهمه احد فمن اجل من قد وجد ؟ .

انه لايخدم الشعب …

ها انتم تنهالون علي بالاسئلة وتحيطوني بالعديد من الملاحظات .. كيف استطيع الاجابة ثم لماذا توجهون لي انا مثل هذا الكلام .. ؟! .

لانك رسام .

ولكني لست رساما بالمستوى الذي تتصورون هناك رسامين يضعوني في جيوبهم كما يقال ..

دعنا من التواضع الان .. نحن نعلم بوجود رسامين جيدين ولكننا الان نجلس معك وليس وليس معهم .

طيب فلنكن مركزين بعض الشيء بالرغم من سكرنا …

كتركيز هذا الخمر …

انه مركز فعلا .

اسمح لي لماذا يرسم الفنان بهذه الطريقة اهو عن ضعف ؟. اغلب الظن عن ضعف موهبة …

 اسمح لي ان أجيبك مستعينا باجتهادي الشخصي وما اعرف عن الحركة التجريدية ..

طيب ..

اولا الفن التجريدي لم يات عفوا ونتيجة نزوة طارئة بل هو ، جاء نتيجة محصلة كثير من العوامل يمكن ان تقول ان الحرب العالمية الاولى كانت احد العوامل او اهم العوامل في ظهور هذه الحركة ..

ما هذا كل الكتاب والمتحدثين عندما يبداون بالكلام عن أي امر يحشرون احدى هاتين الحربين وكأن الامر امر هروب او سياسة .

ذلك لان حربا كهذه الحروب لابد ان تترك بصماتها على كل انواع النشاط البشري سياسي واقتصادي وعسكري وفني وفكري وفلسفي .. الخ .. لابد لي ان  اذكر هنا كمثال مفرد ان الكاتب نجيب محفوظ جمد نفسه عن الكتابة لمدة سبع سنين بعد ثورة يوليو عام 1952 في مصر … هذا كمثال عما يمكن ان يكون للاحداث السياسية من تاثير …

ولكني ارجو ان توضح لي هذا الغموض كيف يكون للحرب تاثير على فن الرسم ؟

الفنان القديم كان يرسم بنفس مطمأنة ونظام حكم معين وكان محاطا بعالم مرتب من الافكار اما بعد الحرب فيمكن القول ان هذا البناء كله قد انتهدم مما زعزع ثقة الفنان بالعالم المحيط به وبالافكار السائدة قبلا لذلك ظهر من يقول ان لافائدة من الفن والادب على الاقل باسلوبه القديم لانه لم يكن الا لتزيين الحياة والجدران وكان عليه ان يكون مؤثرا في الانسان ويكون قادرا على منع الحرب أي ان كل الفن القديم لم يخدم الا طبقات مترفة ولم يمنع حدوث الحرب لهذا يعتبر فنا مزيفا لانه لم يستطيع ان يقمع الشر من النفوس .

ولكن بربك الم يبدعوا اجمل الاعمال … ثم للحروب اسباب لا علاقة لها بالفن ولو من بعيد ولا يستطيع الفن ان يجتث تلك الشرور …

الفنانين المحدثين لم يعودوا يعبئوا بالحرفة والمهارة والجمال .. الفن القديم يملك الكثير من هذه العناصر اما الفن الحديث فقد جاء ليحرك الانسان وليقول له اشياء ..

ماهي الاشياء التي يقولها التجريد …

التجريد يقول اشياء كثيرة منها ان العالم لم يعد مكانا يوحي بالامان فالبيت ليس هو البيت الذي كان يرسم بابوابه المزخرفة في عصر النهضة بل هو حطام وانقاض بفعل القنابل المدمرة والوجه ليس هو الوجه الصقيل كما في عصر النهضة بل هو الوجه المرعوب الخائف المشوه بفعل القنابل في الحروب .

ولكن هناك كثير من اللوحات التجريدية لاتعتبر عن شيء انها مجرد خطوط والوان …

 هذا صحيح … انه ليس من الضروري ان نفهم التجريد كما نفهم أي شيء اخر … فبيكاسو يقول : لماذا يحاولون  ان يفهموا التجريد …. الخ .

وهناك قول آخر ..

وكذلك يقول …لاندريه مالروا لايكون الفن التشخيصي اصيلا .

لا تنسى ان ظهور الكاميرا كان له اثر في تحريك الفنان نحو عوالم جديدة لا تستطيعها الكاميرا قديما كان الفنان يحاول ان يقلد الطبيعة ..

صحيح ..

وحديثا اصبح الفنان لايعنيه كثيرا ان يكون تابعا للطبيعة بل هو يريد ان يخلق شيئا لا شبيه له بالطبيعة يريد ان يشق عصا الطاعة عليها .. اتدري لماذا نحب الفن القديم .

لماذا …

لا سباب اغلبها لا جدوى منه اولا اننا نعجب بكل مهارة في التقليد فاننا نعجب لمن يقلد اصوات غيره انسانا او حيوانا ونعجب بمن يقلد حركات غيره لذلك نعجب بقدرة الفنان على تقليد ما هو كائن في الطبيعة هذا من ناحية ، من ناحية اخرى عنصر الايهام الموجود في اللوحة يثير عجبنا ايضا فاللوحة المسطحة تكون فيها اشياء بواسطة التضليل واللون توهمنا بوجود العمق من حيث هو غير موجود وهذا راجع الى مهارة الفنان ايضا … اضافة الى اننا نحب الطبيعة وما فيها ولا نستغرب من وجود اشياء شبيهة لها في اللوحة بينما لانجد مثل هذه العناصر المذكورة في اللوحة الحديثة وخاصة التجريدية منها ….

ولكن اذا كان الفنان يريد ان يقول للجماهير شيئا بعد ان كان الفنان القديم مجرد مزخرف ومجمل للحياة فلماذا لا يكون واضحا في ايصال مايريد للناس لماذا يرمز ؟.. الرمز يطلب في حالة الخوف من السلطة وفي حالة وجود الــــــسلطة الوطنية فلماذا اللجوء الى الرمز ؟.

 المسألة ليست بهذه الضيقة … ثم ان الفن ليس وسيلة ايضاح كالتي يستعملها المعلم …

منهم من يرى ان الفن طريق وصول الى الحقيقة …

اية حقيقة ؟

ليست هناك حقيقة ..

انا مع من يقول بحقيقة نسبية …

 هناك حقيقة .. هناك امور لايختلف فيها اثنان …

بل هناك بدهيات واعراف واتفاقات واجتهادات ولكن الحقيقة تبقى غائبة .

انا اقول بالنسبية في الحقيقة الظاهرة …

اما انا فايضا اقول بالنسبية غير المطلقة ..

كيف وضح ماذا تعني بالنسبية المطلقة وغير المطلقة …

اقول ان المصلحة هي التي تحرك الانسان . لاحب الحقيقة فالحقيقة لذاتها امر غامض … اضافة الى هذا فان حواس الانسان وحجمه وفهمه للعلاقات وطريقة تقسيمه وتجزئته للطبيعة تجعل الحقيقة التي يقول بها نسبية مقرونة بحواسه وحجمه وطريقة تفكيره (الانسانية) ومفرداته اللغوية في التعبير عنها . لو قيض للكائنات الاخرى ان تفكر وتدون وتتعلم وتدرك اذن لزعمت كل فئة من هذه الكائنات بانها قد حازت على معرفة الحقيقة ولا صبح هناك حقائق لا حقيقة واحدة … كما يحصل لدى البشر انفسهم احيانا ..

الا في العلوم الرياضية وامثالها فلا مجال هناك لمختلف ..

الرياضيات ليست علماً بل هي عامل يساعد كل العلوم كما انه يبقى ايضا خارج الحقيقة التي نبحثها انه يملك حقائقه الاصطلاحية الخاصة به وهي من نتاج عقل الانسان …

لماذا لانترك جفاف الرياضيات لتعود الى الرسم …

طيب

كيف تولعت بفن الرسم ؟

لا اريدان اكون نجم الجلسة فتوجهون لي الاسئلة وكأني فنان مرموق اني ارفض هذا الدور .. انت مثلا محام وقد كنت محققا في المحكمة ويمكن ان تروي لنا اشياء عديدة فحياتك مليئة بالاحداث ..

بودي يوما ان اروي لك اشياء تصلح مواد رائعة للكتابة …

سمعت انك تكتب ماذا تكتب ؟..

ها قد عاد الحديث عني ..

لابد ان تقبل هذا الوضع نحن موظفون لايصلح عالمنا للكلام فيه وهو بلا لذة ..

المحامي: على كل اسمعوا انا مني الان هذه الحادثة الطريفة …

الحمد لله سيتكلم غيري الان ..

لا تصدقوا اذا قلت لك اننا مرة القينا القبض على ديك …

كيف ؟

اليكم الحادثة ..

ديك .. ديك ..

نعم ديك .. ديك ..

حسنا ..

في منطقة الميدان وبعد ان منع فيها البغاء بعد ثورة 14 تموز عام 1958 كان احد رجالنا يراقب بعضا من البيوت المشبوهة تعلمون كانت هناك بقايا منهم لم يتيسر لهم الانتقال من المنطقة إلى دور أخرى فمكثوا فيها …

اجل .

كانت هناك امرأة عجوز ترمي بديك لها في الشارع ثم تخرج لمطاردته وعندما يساعد احد الاشخاص في القبض عليه تطلب اليه ان يدخله في البيت بحجة انها لاتقوى على الامساك به وعندما يرى ولا يخرج من الدار الا بعد ساعة …

ماذا كان يجري ..

يبدو ان الداخل كان يرى منظرا مثيرا لا يستطيع الفكاك منه نساء مغريات شبه عاريات ولك بعد ان تتصور مايحدث .. بعد هذا تكررت هذه العملية عدة مرات أي ان المرأة ترمي بالديك الى الشارع مرة ثانية لتحصل بواسطته على زبون جديد فما كان من الشرطي الا ان فطن الى الموضوع فامسك بالديك وجاء به مخفورا الى المركز وارسلنا في طلب صاحبة الدار فجاءت العجوز وسجلنا بعد التحقيق محضرا بتفاصيل الحادثة كما رويتها لك .. ولما كان هذا الديك قواداً فقد حكمنا عليه بالاعدام فذبحناه واكلناه في المركز واطلقنا سراح العجوز بعد ان هددناها بعدم العودة الى مثل هذا العمل مرة ثانية …

هل رأيت الم اقل انك محقق ولابد ان يحدث في حياتك وترى الكثير اما انا فتجاربي تقف عند حدود ما اطالعه من كتب لا اكثر … ويمكنني اختصار حياتي بعدد المرات التي كنت ادور بها على المكتبات ..

ليس الى هذا الحد ..

اني اعني انه لاتحدث لي اشياء كثيرة … او هامة …

من اين تستقي اذن ما تكتب عنه من مواضع ؟

اني لا اكتب قصصا طبعا اني اكتب مواضيع فكرية وهذا يتطلب مطالعة ومصادر كثيرة ومراقبة عامة لحركة المجتمع والسياسة والنفس ..

سمعت بانك اصدرت كتابا …

اجل انه كتاب في علم النفس كتاب بسيط ..

هل انت مختص في هذا الميدان …

كلا ولكني اعتمدت على نفسي ومطالعاتي الخاصة ليس من الضروري ان احصل على الدكتوراه كي اكتب في هذا الباب …

لماذا لاتختص في شيء واحد … تتعمق فيه وتبرز به …

انا اكره الاختصاص فانه يضيق الافق ويدعو الى الكبرياء .

ولكن لابد منه عندما نريد العمق والجدية في ابحاثنا …

هذا صحيح .

ماهو عنوان كتابك ؟

اشباح على الطريق ..

انه عنوان ادبي ..

اجل لصلتي السابقة بالادب ..

لقد حاولت ان اضع فيه طبعا ما يشبه – بكل تواضع – ما يشبه ان يكون نظرية جديدة …

هذا كلام كبير .. ماهي هذه النظرية ..

سمعتم حتما بما يدعى بمركب النقص …

اجل ..

قيل ان مركب النقص يدفع بعض الناس ليكونوا قادة او ادباء او علماء او فنانين ، وترى اني حتى في هذا البحث لم ابتعد عما احب من اشخاص.. لقد كان هذا البحث نواة فقد قرأت يوما كتابا اعجبني عن سيكولوجية العبقرية .. فكان ان ثار لدي هذا الاهتمام فكتبت عنه على ضوء ماقرأت في هذا الكتاب وبحثت عن مراجع اخرى حول هذا الموضوع كما قابلت عددا من الادباء والفنانين وطرحت عليهم بعض الاسئلة وحصلت على اجابات واستعنت ببعض المجلات التي تبحث عن تجارب الشعراء كما قرأت بعض السير الذاتية لبعضهم فكانت لدي حصيلة لابأس بها من الافكار .. وبعد هذا نحيت العباقرة الذين يكتبون نتيجة مركب النقص او الشعور بالنقص ..

واستنتجت ان هناك فئة منهم يدفعها شيء اخر دعوته مركب الزيادة أي انه الشعور بوجود قوة فائضة عن حاجة الشخص تتحول لتكون بشكل ابداع لخدمة الاخرين .

اتدري لقد ذكرني كلامك هذا بالسياب عندما كنت انا واياه في الكلية … لقد كان قبيح الشكل … وكان يحاول احيانا ان يغازل بعض الفتيات الا انهن كن يصدنه بضجة او بأدب مما يترك في نفسه الما ممضا .. ربما كان لهذا اثراً في تفتيق شاعريته ربما ….

لقد كان يقرأ الشعر بفمه واصابعه ..

الا تحفظ له شيئا من الشعر ؟

كلا اعفني من هذا الامر …